قضايا عالقة للإستهلاك

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

 ليس هناك معنى حقيقي لكلمة الإلتزام من حيث الموضوع الذاتي، فكل واحد منا يلتزم أفكاره وأشياءه وفق منظوره الخاص. أما المعنى العام فصار عنواناً أو مادة للإجترار السياسي، باعتبار أن الحداثة لم تجر علينا بمعناها الدقيق، وإنما الحداثوية هي التي طغت، ولأننا لا نزال حبيسي العناوين الكبرى.. أي القضايا العالقة التي ولدنا من رحمها ولم نزل في شؤونها وشجونها.. بقينا أسيري الإيديولوجيات والتابويات.. أي الاعتقادي والمحرم.. ولم تسترخ ثقافتنا أو فننا على التفاصيل التي أصبحت من حقيقة الصراع القائم بين الحضارات.. لهذا، جاءت الحداثة مستغربة لا مستعربة.. فكانت قصيدة الهايكو التي عبّرت عن ذاتيات القاموس الغربي بفعل غياب القضايا الكبرى عندهم، فلا مشكلة استعمارات ولا تحرير الأرض، ولا مقدس من حيث مماهاة الدين ومحاكاته.. فهذا كله تم تجاوزه بفعل استقالة الذات الغربية من العناوين والمقدسات بعد الحربين العالميتين 1917 و1945، كانت فرصة ذهبية للعقل الغربي أن يفكك ارتهانه لآلة الاختبار المطلق لمعنى الثورة والانتصار والخسارة.. أما نحن فلم نزل رهن قضية كبرى منذ نشأنا على آلة القتل المسماة اسرائيل، واغتصابها لفلسطين كأرض مقدّسة دينياً وسياسياً وحقوقياً حتى باتت شعاراً للاجترار اليومي دون التكلم عن القهر والألم وأنفسنا كحالات.. فبقينا نحلم بالانتصار على هذه الغدّة السرطانية التي أخذت تتفشى في كل جسم المجتمعات العربية قاطبة، واستعملنا الدين كطرف أساسي في قضية العروبة كقومية، وهذا ما لم يفعله الغرب بالمطلق.. كون المقدس الديني جاء باللغة العربية.. وبقيت مشكلة الخلط بين العروبة والإسلام قائمة حتى هذا الوقت.. فأصبح الاعتقادي هنا أهم من العقل ومن الحرية.. فبتنا في مكان عالق بين الهزيمة والانتصار، فضاع الاتجاه الفكري أو البوصلة الثقافية، ورحنا نلبس ألوان الحداد في أيام الفرح ونستجدي الزغاريد على باب العتمة، ونحاكي الأشياء التي لا يمكننا الوصول اليها...

التكلّم عن الإلتزام الوطني والقومي والأممي بقي شعاراً للإستهلاك المحلي لتبقى السياسات الإقطاعية قائمة وهذا بكل أسف انسحب على أحزابنا العلمانية التي أخذت شكل النظام التوتاليتاري الذي ماهته حتى صارت جزءاً منه... حتى هم أنفسهم لكثرة ما باعوا وأسرفوا في التضليل والتسويات بات الأمر مشبوهاً عليهم إلى درجة لا تصدّق...

  الأيديولوجيا تشوّهت ونحن فيها عالقون.. لم نخرج الى محاكاة أنفسنا أو تفاصيل حياتنا بجرأة وصراحة.. فخفنا من القول.. حتى جاءت حداثة التفاصيل صورة هازئة أمام العناوين الكبرى.. فلسطين.. القضية القومية، الاشتراكية، البعث، الشيوعية... أفكار لم نعرف كيف نسيّلها لتصبح حاجة يومية.. فأصبح الانتصار يقوم على الزمن بالمدة والوقت.. والهزيمة يومية.. إذاً.. نحن أمام مشكلة كبرى، لا تستوي بمفهوم إعتقادي بعد الآن.. بل بفعل حضاري إنساني يحاكي واقعة الظلم أينما حلّ، والقهر أينما وجد.. والكبت أينما سار.. ومجاراة الحقيقة تبدأ دائماً من ذاتنا، بكشف الحجاب للدخول الى عالم الاستبصار...

فرص ثلاث مرّت علينا، بفعل حضاري مع ثلاثة عقول: المعتزلة، ابن رشد، انطون سعاده، لكننا لم نحسن تسييل أفكار هؤلاء في سوق الوقت.. فانتصر الاعتقاديون الحرفيون ومدارس النقل.. على مدارس التحديث والتطوير والعقل.. لهذا اعتقد أني لم ولن أكون مؤدلجاً تحت ستار القضايا والعناوين.. بل سأوظف الاديولوجيا في خدمة الذات.. لتكون قضيتنا خاصة ذات طابع عام، لا عامة ذات طابع خاص.. وفننا يشبه ذاتنا لا الشعار المؤسلب أو المستلب .. حينها نصنع حداثتنا ويكتمل مشوار الحياة بقدرتنا على إدراك ذواتنا الخالصة من العقد والرياء والتسوية، دون أن نعلق في العناوين الساذجة التي تعرض أرواحنا الى فناء حضاري قريب إذا ما استمررنا في هذا الواقع المؤلم.

لذا، التزامنا، منبري، صوتي، وغير حقيقي.. لأن فكرة الالتزام مشروع هندسي يقوم على أبعاد خطة نهضوية لتحرير الذات من العقل البطريركي، والتصوير المجرد دون خلق استراتيجية تعني الحياة.. يعني أنه يجب أن نموت ويستباح دمنا كي نحظى بشرف الانتساب الى الحق والحرية.. هذا كلام باطل وغير مسند الى ضرورة أو حتمية.. يجيء الفن الالتزامي بسؤال واحد: لماذا تجاهلنا التفاصيل الأساسية لفكرة الالتزام، واتجهنا الى العنوان المكرور؟! أليس من العيب أن نحمل وعينا على محمل الاجترار والشكل دون المعنى؟!

من هنا أسمح لنفسي بالقول، أن القضايا العالقة صارت مكرورة بسببنا نحن ولن ننتظر غودو المسيح أو المهدي لنبقى نحب ونحكي أشياءنا بحرية؟!

نعيم تلحوق