المحكمة الدولية:آلية قانونية لتحقيق أهداف سياسية

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

ندوة بيصور: المحكمة الدولية عدالة أم فتنة؟

الذيب: مشروع استعماري جديد يتقمص دور العدالة

جريصاتي: لتجميد عمل المحكمة وتصحيح مسارها

نشابة: لمعالجة قضية شهود الزور وفضح دورهم

فضل الله: المحاكم الدولية

و... غاياتها

تحت عنوان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عدالة أم فتنة نظم تيار المجتمع المدني المقاوم ندوة في الرابطة الثقافية الرياضية في بيصور ـ قضاء عاليه، تحدث فيها كل من القاضي سليم جريصاتي والدكتور عمر نشابه والدكتور عبد الحليم فضل الله.

 قدم الندوة أمين الذيب بكلمة باسم تيار المجتمع المدني المقاوم أكد فيها على ان الاقدار وموقع بلادنا الاسترتيجي قد وضعتنا على خط الزلازل السياسية الاستعمارية، وهي بلاد مهد الديانات السماوية الشريفة. والاستعمار قد حولها الى بلاد طوائف ومذاهب متقاتلة ومتناحرة، والغاية من ذلك تقسيمها ونهب خيراتها، وسيادة كيان الاحتلال الإسرائيلي عليها. وتابع من هذا المنطلق يمكن ان نقرأ عنوان المحكمة الدولية ومدى انقسام اللبنانيين حولها. ومن هنا نرى في المحكمة وبصيغتها الحالية المعلنة انها مشروع استعماري جديد يتقمص دور العدالة ويرفع شعارات براقة كي تنال الاستحواذ على المزاج الشعبي. واضاف نطرح سؤال بديهي: لماذا يتحرك العالم كله اليوم على هذه النقطة؟ أمن اجل العدالة التي يسمونها عدالة دولية؟ وقد رأينا آخر فصولها في السودان حين سقطت ما يسمى المحكمة الدولية حين تم تقسم السودان.

جريصاتي

القاضي الدكتور سليم جريصاتي قدم مداخلة مطولة فند فيها عدم شرعية المحكمة الدولية، وكونها محكمة مسيسة وأقرت من خارج الآليات الدستورية لإقرار المعاهدات الدولية، وان ثمة تجاوزاً للأصول المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور، ومواد دستورية أخرى تولي مجلس النواب حصراً السلطة الاشتراعية، أي إقرار القوانين، ورئيس الجمهورية صلاحية إصدار هذه القوانين ونشرها والذي تم تجاوزها في شكل فاضح، وقد استعيض عنها بما سمي يومها بالعريضة النيابية الموقعة من مجموعة نواب من لون سياسي واحد وهذا غير قانوني أو دستوري على الإطلاق، وتفرد الرئيس فؤاد السنيورة بشكل فيه التباس وزيف وخصوصاً بما يتعلق بمخاطبة المجتمع الدولي ممثلاً بالشرعية الدولية بشخص أمين عام الأمم المتحدة.

وأشار جريصاتي إلى عدم وجود حالات دولية مماثلة لما جرى عندنا وليس هناك من حالة مماثلة يمكن الاستفادة منها في لبنان. وان المحكمة الخاصة بلبنان هي الوحيدة في العالم في إطار المحاكم الجنائية الدولية التي تحاكم مرتكبي جريمة فردية سياسية شنيعة، وخلافاً لكل الأصول فقد وقعت السلطة الإجرائية ممثلةً بالسنيورة على اتفاق تعاون مع المحكمة وهذا أمر لم يتم في العالم إلا مع لبنان. وتابع ان لجنة تقصي الحقائق دقت المسمار الأول في هيكلية الدولة اللبنانية، حيث تجاوزت التقصي إلى مرحلة الاستنتاج المستهجن وان الدولة اللبنانية عاجزة بأجهزتها الأمنية والقضائية عن التصدي لهذه الجريمة ومقاربتها واكتشاف مرتكبيها، وتحولت اللجنة برئاسة فيتزجيرالد من مجرد لجنة فنية إلى لجنة تقويم أداء الدولة اللبنانية.

وعدد جريصاتي قرائن تسييس المحكمة وهي بالعشرات وكيف تم قلب المعطيات رأساً على عقب وأصبح القضاء اللبناني غطاءً لمخالفاتها بفعل سياسة السلطة اللبنانية.

 ورأى ان الحل في مواجهتها هو باتخاذ قرار بمنازعتها وتصحيح المسار يصدر عن السلطة الاجرائية برئاسة رئيس الجمهورية، وتجميد عمل هذه المحكمة بانتظار تصحيح المسار.

نشابة

بدوره حذر الدكتور عمر نشابة المختص في علم الجريمة في مداخلته من فخ المواقف التي تقول أن القرار الاتهامي يوجه إلى أفراد وليس إلى مجموعات أو أحزاب. ومن حق ذوي الشهيد رفيق الحريري أن يقتصوا من المجرم ومن يكون، ولكن ليس من حقهم الاقتصاص كيفما كان. إذ للعدالة أصول حتى تتحقق العدالة. وقارن نشابة بين اغتيال الحريري ورئيسة وزراء باكستان السابقة بناظير بوتو وكيف كانت العدالة الدولية بمكيالين، وكيف ان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس قد أبلغت بوتو بخطر تعرضها للاغتيال ولم يؤخذ بإفادة رايس، وقرار اعتقال الضباط الأربعة في لبنان قد اتخذ قبل وصول ميليس إلى بيروت.

وسأل من هو ميليس وما هو تاريخه ودوره حتى يأتي إلى لبنان ويحقق في جريمة وطنية وهو قد اتهم في جريمة سابقة وقعت في المانيا كل من سورية وإيران بهذه الجريمة وكان اتهاماً سياسياً يومها.

وعدد نشابة مخالفات المحكمة القانونية وتسييسها. ورأى أن الحل في معالجة قضية شهود الزور وفضح دورهم، وإعادة الاعتبار إلى الأشخاص الذين اعتقلوا تعسفياً، ودون صدقية في الأدلة التي سيقت ضدهم. وإعادة الاعتبار إلى كل هذا الملف من اجل تحقيق عدالة فعلية لا تظلم أحداً.

فضل الله

أكد رئيس المركز الاستشاري الدكتور عبد الحليم فضل الله في مداخلته أن المحكمة الدولية هي أداة قانونية في يد المشروع الأميركي - الصهيوني الهادف لضرب المقاومة ودول الممانعة في المنطقة. وعلينا أولاً قراءة البيئة السياسية التي أوجدت المحكمة، إذ أن تشكيل المحكمة الخاصة بلبنان لم يكن حدثاً معزولاً بل هي جزء من مسار سياسي دولي خاص بالمنطقة، يشمل أدوات سياسية وعسكرية ويتوسل الوسائل المتاحة لدى النظام الدولي ولا سيما منها القرارات الدولية:

هذا المسار بدأ قبل أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 مع وصول جورج دبليو بوش إلى السلطة، والذي عمل من اللحظة الأولى لدخوله البيت الأبيض إلى إتباع سياسة خارجية متشددة، قوامها الحرب والتفرد حيث يمكن.

بعد هجمات نيويورك وواشنطن استوحت الإدارة الأميركية سياساتها تجاه المنطقة من الأفكار التي صاغها المحافظون الجدد في أواسط التسعينات أثناء عهد بيل كلينتون واختصرتها الورقة المعروفة باسم فتح نظيف clean break، وهي من إعداد أشخاص باتوا فيما بعد من رموز إدارة بوش ومن بينهم: ديك تشيني، ريتشارد بيرل، ديفيد رومسر، دوغ فيث وآخرون. دعت هذه الورقة إلى غزو العراق ودعم معارضي سورية في لبنان لجعله منصة تهديد لها. ومن أفكار المحافظين الجدد الأخرى التلاعب بمكونات المنطقة والتأثير على العلاقات التي تربط بينها لتحقيق تغيير طويل الأمد فيها.

الضغط الأميركي على سورية غداة حرب العراق 2003 لوقف دعمها للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية ولمساندة احتلال العراق من خلال حراسة الحدود. وترتب على عدم استجابة الرئيس السوري بشار الأسد للضغوطات، دعم واشنطن لجهود باريس بإصدار القرار الدولي 1559. وحصل تباين بين الصياغتين الأميركية والفرنسية لمسودة القرار حيث رأى الأميركيون تقديم بند نزع سلاح الميليشيات (يقصدون المقاومة) على بند انسحاب الجيش السوري. وهذا مؤشر بالغ الدلالة على ان المقاومة كانت من البداية الهدف الأساسي للاستهداف الدولي للبنان.

وضع لبنان تحت مراقبة دولية مشددة ومحاولة فرض وصاية دولية عليه. حيث جرى 20 قراراً دولياً بشأنه منذ القرار 1559. وقد تناوبت هذه القرارات على مسألتي المقاومة والمحكمة في تداخل مريب.

1 -  تعثر المسار السياسي في تحقيق هدف تفكيك المقاومة دفع العدو بدعم أميركي غير محدود إلى سلوك طريق الحرب في تموز 2006 التي انتهت بهزيمة موصوفة.

مسار المحكمة هو الوسيلة المتاحة للمعسكر الأميركي ـ الإسرائيلي لملء الفراغ الاستراتيجي الراهن المتمثل في:

نجاح منظومة المقاومة والممانعة في تحقيق مكاسب هامة. وفي صدارتها سلب العدو احتكاره التاريخي لقرار الحرب والسلم.

فشل سياسة الحرب، ونشوء توازن إقليمي غير مسبوق في الردع المتبادل.

  تراجع قدرة واشنطن على المبادرة.

2 -  المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تنسجم مع رؤية باراك اوباما للجمع بين القوة الصلبة (الحرب، إشغال الخصوم بأزماتهم الداخلية وانقساماتهم، والضغط الاقتصادي)، والقوة الناعمة (إقناع المجتمعات بتغيير نفسها بنفسها، والتأثير غير المباشر على مواقفها وقناعاتها).

اولاً: هل المحكمة مسيسة؟

هي كذلك بطبيعة الحال:

1 -  فهذا هو المسار التاريخي للمحاكم الدولية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث اعتمدت على التحليل السياسي أكثر من القرائن الصلبة، وقامت على محاكمة المهزومين وحدهم، وكانت موبوءة بالشهود الزور.

2 -  ولأن المحكمة الدولية في صيغتها الراهنة هي في واقع الحال: آلية قانونية لتحقيق أهداف سياسية. وليست كما يزعم جزءاً من منظومة العدالة الدولية. فالعدالة الدولية لم تولد بعد، للأسباب التالية:

عدم توفر شرط الاستقلال عن السلطات الدولية بما فيها مجلس الأمن. المحكمة الجنائية الدولية كانت محاولة غير ناجحة لإيجاد مسار مستقل للعدالة عن الوصاية السياسية للدول الكبرى ومجلس الأمن، وكان هذا هو غرض موقعي اتفاقية روما عام 1998 التي أقرت قيامها. لكنها ربطت بعد ذلك في شكل ما بمجلس الأمن الذي عدت إليه صلاحية عرض قضايا على المحكمة الجنائية. ولم تنظر بجرائم خطيرة كالتي ارتكبها العدو في غزة ولبنان والتي قامت بها أميركا في العراق وأفغانستان. ولديها الآن أربع قضايا خاصة بالدول شديدة الفقر في أفريقيا (الكونغو، السودان، أوغندا وأفريقيا الوسطى..). مع أن مشكلة الإفلات من العقاب تتمثل في ممارسات الدول الكبرى التي تلجأ إلى القوة المفرطة لتحقيق أهداف سياسية.

تعدد وتنوع المحاكم الدولية الخاصة. هذا يحول دون أن تشكل أعمالها أساساً لقيام نظام دولي متناسق ومنسجم للعدالة الدولية، نظام يعتمد تعريفات موحدة للجرائم تتحدد على أساسها العقوبات، ويمهد لقيام شرعة دولية للثواب والعقاب. فهذه المحاكم مختلفة من حيث الشكل (دولية، دولية ذات طابع محلي، محلية ذات طابع دولي)، ومن حيث الجرائم التي تقع في اختصاصها (جرائم ضد الإنسانية، جرائم حرب، إرهاب)، كما تختلف المصادر التي تعتمد عليها في وضع قوانينها الأساسية..

لا يمكن لفكرة العدالة الدولية أن تنمو في بيئة الاستبداد التي يجسدها مجلس الأمن. فالعدالة تتطلب إطاراً دولياً ديموقراطياً يكفل النزاهة والمساواة أمام القانون ويمنع التمييز والتعسف.

ثانياً: النموذج اللبناني للمحاكم الدولية كان الأسوأ مقارنة بالنماذج الأخرى

لا يقتصر ذلك على الشوائب والخروق والفضائح التي رافقت هذا النموذج، بل يشمل أيضاً:

1 - خرقاً بالغاً للسيادة:

باعتماد الفصل السابع دون أي مبرر. قد يكون الأمر مفهوماً في حال عجز الدولة أو عدم رغبتها في إقرار العدالة وحماية مواطنيها. لكن هذا لا ينطبق على لبنان الإجماع على العدالة والخلاف على سبل تحقيقها. وهذا ما اعترف به القرار الدولي 1757 الذي أنشا المحكمة، بإشارته إلى اتفاق كل الأطراف في لبنان على مبدأ العدالة الدولية.

بالانتقال من البند السادس الذي شكلت على أساسه لجنة التحقيق الدولية لمساعدة لبنان على التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري (القرار 1595/ عام 2005)، إلى الفصل السابع الذي اعتمد في تشكيل محكمة (1757/ عام 2007) ذات تفويض دولي شامل. مع العلم أن الظروف الداخلية في لبنان لم تكن عام 2005 أقل خطورة.

بحرمان لبنان حتى من حق التفاوض. فالرسالة التي وجهتها حكومة فؤاد السنيورة في 12/12/2005 الموالية للغرب، طلبت تشكيل محكمة ذات طابع دولي. أما الاتفاقية التي وقعها كل من الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة في 26 كانون ثاني و6 شباط من عام 2007 على التوالي، نصت على محكمة دولية لا يقوم اتخاذ القرار فيها على الاختلاط (بين أصوات القضاة الدوليين واللبنانيين).

 كل هذا يأتي في سياق تدويل شامل للسيادة: الأمن (تحقيق دولية)، القضاء (محكمة دولية)، الدفاع (المجتمع الدولي).

2 - خرقاً لميثاق العيش المشترك عبر:

انتهاك توازن السلطات عبر تجاوز مؤسستين دستوريتين هما مجلس النواب ورئاسة الجمهورية.

والاكتفاء بإقرارها من قبل حكومة تخرق ميثاق العيش المشترك.

وتجاوز الديموقراطية اللبنانية القائمة على التوافق.

ثالثاً: الاعتراف الضمني بالأهداف السياسية

منذ البداية كان هناك إعلان بأهداف سياسية للتحقيق والمحكمة الدوليين، ما يتبين من التسريبات، والتصريحات، والتحليل السياسي المنحاز الذي استند إليه تقرير لجنة تقصي الحقائق، كما يتبين من القرارات الدولية التي ألمحت إلى تبني خلاصات سياسية والاتهامات التي جاءت على السنة شهود الزور (كما ورد خصوصاً في القرار 1636 الصادر في 30 تشرين أول 2005).

بالخلاصة: المعركة الآن هي الجولة الأخيرة في معركة بدأت قبل عقد من الزمن، وهدفها استعادة كل أركان السيادة، وحماية الميثاق الوطني وصيغة العيش المشترك من الاختراق الأجنبي والتدخل الخارجي