سايد كعدو في آخر حوار قبل الرحيل:

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

أحب أن تكون أفلامي سفير «نوايا حسنة»

ضمن برنامج «أوراق ثقافية» الذي يعده ويقدمه الصديق الشاعر نعيم تلحوق في إذاعة لبنان الرسمية، أجرى تلحوق حواراً مع المخرج السينمائي الراحل سايد كعدو، وهو آخر حديث إعلامي له قبل أن يفاجئنا كعدو بغيابه الجسدي، وقبل ان يلقي علينا تحية الوداع..

 والمصادفة الغريبة أن هذه الحلقة بثت يوم الثلاثاء الواقع في 11-1-2011 فيما وافته المنية يوم الجمعة الواقع في 14-1-2011. ولأهمية اللقاء ننشر بعض ما قاله الراحل.

يسكن على الخط البارد من الحياة الثقافية لكن توتره الساخن حي في عالم الشاشة والضوء لا يناقش الأوهام في عالم افتراضي، يعتبر الاعلام الوسيلة الاساسية لنشر الشر أو الخير بين الشعوب. لكنه يستعمل للشر في أكثر الاحيان، يقف دائماً في مواجهة الفكرة الملتبسة ويحاول أن يوثق الموضوع قبل أن يهب ثقته للحدث أو للعمل الفني ينظر الى الوقائع لا برقعة العين نفسها بل بما تخزّنه العين من عوالم وافكار.

قام بتصوير عدد من الافلام السينمائية التي نال عليها جوائز في لبنان وتونس بدءاَ من «ليلة عيد» الى «حلم مجنون» و«زوار بالصدفة» في السبعينات، مروراً بـ«رسالة الاستقلال» و«طريق العودة» و«قانا» و«تقاسيم من بغداد» في التسعينات الى جانب مشاركته في مهرجانات عدة عن السينما اللبنانية والعربية.

 في الألفية الثالثة أعادنا الى جمال عبد الناصر في «إرفع راسك يا اخي» عام 2002 و«الأوزاعي إمام بلاد الشام» في العام 2005. ثم وثّق بالصوت والصورة فصلاً من شرق اوسط جديد ووثائقي عن حرب تموز 2006.

وفيما يلي مقاطع من الحوار الاخير معه:

صديقي سايد كعدو أهلاً وسهلاً بك في رحاب «اوراق ثقافية» بفقرة «لقاء الحبر واللون»، ابدأ معك بسؤال فانتازي؟ اذا شئت أن تسأل نفسك أول سؤال بماذا تبدأ؟

لماذا لا استطيع أن أعمل أكثر؟ لماذا لا تتوفر لي فرص عمل أكثر؟ لان العلاقة مع الزمن صعبة كثيراً بالنسبة لكل انسان خصوصاً الذي يتعاطى بالامور السينمائية ولأن الزمن يمشي وهو العدو الوحيد للانسان، لذلك علينا اغتنام الفرصة للتعاطي مع الزمن والاستفادة منه على قدر ما فينا باستغلاله في العمل.

هل تفصل بين الزمن والوقت؟

طبعاً الفرق كبير... الوقت هو تنظيم العلاقات بين البشر بينما الزمن هو موقفك من الوجود، موقفك من القضايا الانسانية، بكيفية الاستفادة منها وتكثيفها بزمن محدد لاعطاء فكرة ومعلومات تهم الناس، تنقل شعور ومعاناة الناس، خصوصاً اني اختار مواضيع تركز على معاناة الناس، بالأخص أولئك الذين يدفعون أثماناً مجانية ليست من مسؤوليتهم، وهذا ينطبق على كل شعوبنا في منطقة الشرق الاوسط، نحكي هنا عن فلسطين ولبنان والعراق، نحكي عن افريقيا، كل الشعوب تتشارك بدفع أثمان لأسباب غير موجودة، فقط لأنها تعيش على بؤر في مناطق غنية بالثروات.

قبل أن ندخل بهذا الموضوع، أود ان اسألك من أين تبدأ، بالحلم أولاً أم بالشاشة أم بالفكرة؟

لا أفصل بينهم... أو بالأحرى هي الفكرة التي تؤدي الى الحلم برأيي، اذا ما عندك فكرة من خلالها تحلم، فالحلم بحد ذاته أمر غامض الى حد ما، غير واضح المعالم. الذي يجسد عناصره وشكله هي الفكرة التي تتحدد من خلال موضوع معين، وهذا الموضوع الذي ينفذ بتقنية السينما.

هل تذهب الفكرة مباشرة الى الشاشة أم تعطيها أبعاداً لغوية جديدة؟

دائماً أُردد بان الفكرة احياناً تسبق الموضوع، واحياناً الموضوع هو الذي يدفع الى الفكرة، والأكيد بمعايير مهنتنا التي هي مهنة العلاقة مع الصورة، أي حضارة الصورة، دائماً نحن نرى كل شيء صورة، لأن السينما للتعبير عن الانسان وحياة الانسان بكل نواحيها، عن الفعل الانساني الذي هو مضمون الدراما، هو تعبير بواسطة صورة حتى السينما بدأت صورة لا صوت فيها في البداية. لذلك اهم شيء ان تكون لديك قدرة التعبير عن الواقع، عن الحياة عن العلاقات البشرية وعن صراعاتها عن افراحها واحزانها في شكل مشهدي وبشكل صورة.

لماذا برأيك السينما في لبنان «مهدور حقها»، هل هي ازمة انتاج أم ازمة مخرجين أم ازمة دعم، ام ازمة جمهور؟

اذا شئت ليست السينما فقط في لبنان مهدورة الحق... ففي لبنان كل شيء مهدور حقه،  لاننا نحن في بلد بسبب تركيبته لامكان لأي انسان يتمتع بكفاءة معينة، بعقلية مبدعة لا مكان له. لأننا في بلد يتعاطى معك بصفتك مواطن بناء على صدفية الولادة، بحسب  المنطقة التي تولد بها او الطائفة التي تنتمي اليها، فالنظام في لبنان يتعاطى معك على هذا المبدا والأساس. طالما أن الثقافة والعمل الفني مبنيان على الكفاءة فبطبيعة الحال لا مكان لك. اما القول بانه لا دعم ولا مساندة الى آخر المقولة... انا اعتبره نوع من «النق» اما الحقيقة لا مكان للكفاءات في هذا البلد مهما كان نوع الاختصاص.

هل الكفاءات خاضعة للطوائف والمذاهب في البلد؟

ليست خاضعة، بل غير موجودة، فهذه الطوائف والمذاهب تتعاطى معك بناءً على وثيقة ولادتك، بينما طبيعة البشر مع تطور ونمو وعيه ان يتمرد على كل الموروث المبني على صدفة الولادة للانطلاق لملاقاة الانسان الآخر الذي هو ايضاً بالصدفة مولود في مكان آخر.

كيف يستطيع الانسان «المثقف» ان يتحرر من هذه «الطغمة» ويفعّل ثقافة مدنية؟

بالنسبة لي لا احب استعمال كلمة مثقف! هناك مخرج وفنان وتشكيلي او موسيقي، يوجد شاعر واديب ... اما زيادة كلمة «مثقف إكسترا» لا أدري بماذا تزيد أو تنقص؟ وهذا الأمر بجذوره التاريخية لم يتأت من الكفاءات بل أتى من الشأن السياسي... لذلك انا أُفضل استعمال صفة الاختصاص الذي نحمله، اي نسمّي الامور بأسمائها.

ماذا فعلت ثقافة العصر والعولمة في السينما؟

تماماً كما فعلت بأي اتجاهات انسانية اخرى، فلنأخذ مثلاً بسيطاً... انتشار المطاعم السريعة أو ما يسمى «Fast Food»  التي الغت فكرة خصوصية أطعمة الشعوب التي كانت نتيجة تطور لردح كبير من الزمن لأي شعب، فتأتي العولمة لتلغي لك لذة التمتع بأي طعام تحت حجة ضيق الوقت، المهم ان تأكل وكفى... هذه الظاهرة طبقّت على بقية الاشياء حتى الفنون، مع الاسف انتصر في هذا العصر تعميم البلاهة والسذاجة... تحويل لقاءاتنا وتلفزيوناتنا الى نوع من «التسطيل» امام البرامج خصوصاً تلك المبنية فقط على الحكي والحكي لا غير... نعم وللاسف، أميركا وما تمثله من عولمة انتصرت على باقي امورنا، كنا نملك مثلاً متعة مشاهدة الافلام الايطالية والروسية... اليوم حتى السينما تحولت الى «همبرغر» آلة لا تستطيع ان تميز فيلماً عن آخر الا بالخدع الفنية التي أتت نتيجة التطور العلمي في حين أن ما يعبر عن الشعوب ومعاناتها وتميزها وحسناتها وايجابياتها يتم طمسه لصالح تعميم ثقافة واحدة. 

هل تتصور أن العولمة الآن تخدع مشاعرنا؟

أكيد، لا يتم اليوم خداع مشاعرنا وحسب، بل وخداعنا بالاوهام التي يسوقّها هذا الاعلام، ان كان اعلام صحافي أو فنّي أو حتى تلفزيوني، يعمل على إلغاء مشاعرنا الخاصة واسلوب عيشنا، وبتعاطينا بامورنا الانسانية، بعلاقتنا مع الارض والانسان، كل هذه الامور يتم الغاؤها لمصلحة شيء عام وهمي هو الانسان العالمي، كأن يملك مواصفات واحدة او بعبارة اخرى «انسان معلب».

على حساب من جاءت موجة «الفيديو كليب» والانترنت والشاشة الصغيرة؟

في الواقع اعتبر هذا تطوراً طبيعياً نأخذه بالمعنى الايجابي، التطور العلمي يخلق لك وسائل تقنية جديدة لكي تعبر عن كل هذه الهموم والمشاكل كما تعبر عن افراح واحزان الناس في شكل عام. فهذه التقنيات «شغلة» ايجابية جداً في حياتنا، لأن ما كنا نعجز عن التعبير عنه بالتقنيات القديمة وفرته لنا هذه التقنيات الجديدة، من الضروة جداً الإستفادة منها، اولاً لجهة كمية المعلومات التي تضخّها رغم أن حضارة اللغة والتراكم المعرفي نتيجة الكتابة لم تستطع أن توفر لنا سرعة الوصول الى المعلومة. أما اليوم فان تعميم هذه القدرات على أكبر شريحة من البشرية، يجب أن نشارك فيه وأن نكون جزءاً من هذه الحضارة الابداعية والاستفادة من هذه التقنيات لتطوير مستوى الوعي ومستوى الانسان وثقافته، الأمر الذي يؤدي الى رفاهية وحياة أفضل للبشرية.

لكن الا تتصور ان ضخ كمية المعلومات أمراً واقعاً وحقيقياً فكيف نستطيع ان نقول عنه انه عالم افتراضي او وهمي؟

اقول لك أن التجارب البشرية كما يراها علماء الاجتماع الذين تعاطوا مع ظهور هذه التقنيات التي تهتم بما يسمى الجمهور او الجماهير او الشعوب التي بدأت بالصحف ثم بالاذاعة ثم التلفزيون واليوم الإنترنت وكل ما ينتج منها. للأسف موقف العلماء من علم التواصل التقني كان موقفاً سلبياً باعتباره علماً يلعب دوراً سلبياً لجهة الوعي، ولأن هذه التقنيات، من يسيطر عليها، ممكن أن يوفر معلومات تناسبه، إضافة الى فقدان العلاقة الحميمية بين المرسل والمرسل إليه. بالأمس كنا نرى التواصل بين الشاعر او الخطيب او المطرب بعلاقة حية مع الجمهور، بينما هذه التقنيات فرضت اتجاه ذوق معين فرضت موسيقى معينة أمام متلقٍ لا يملك القدرة على التأثير.

سايد كعدو عندما تخرج فيلماً هل تفكر بطبع احلامك بالمشهد او الصورة؟

تبقى هذا العلاقة غير واضحة، بماذا تحلم وما هي الفكرة، اما كيفية تفسير العلاقة فقصة جدلية، احياناً الفكرة تأخذك الى الحلم وتكبر وتصبح كبيرة، واحياناً الذي تكتبه عن فكرة بالمكتب ثم تذهب الى الواقع قد ترى الواقع اغنى، مثلاً نحن في الافلام الوثائقية نضع دليلاً للبحث عن قضية ما او موضوع، ما يحصل عند الذهاب الى التطبيق شيئاً آخر، قد تلتقي بشخصيات عظيمة او تتوفق باناس بسطاء ممكن ان يعبروا عن افكارك بأجمل مما كنت تتصورها. احياناً هذه الجدلية بين الخيال وبين الفكرة وبين الواقع مهم جداً اكتشافه وضبطه.

الموضوع الذي اود ان اطرحه، هل انت «تفكرن» الفن لمجرد ان تنطلق من فكرة تشعر بان كل واحد فينا لديه هاجس او امر يريد تحقيقه، يرمي بهواجسه بالواقع الذي يراه اكبر من فكرته فتكبر معه الافكار؟

طبعاً، طبعاً، اذا كان لديك فكرة معينة وهي مجرد فكرة وتريد ان تلبسها جسم حي تجد هناك صعوبة دائماً، الانسان الذي يعاني يملك قدرة تعبيرية عن المعاناة، ما يسبب  لنا احراجاً في العمل الوثائقي، واحياناً يخدمنا الحظ ونجد الشخص الذي يستطيع ان يعبر عن الفكرة ويغنيها بصياغة واقعية.

اذاً انت تذهب مباشرة الى الموضوع لا تؤلف موضوعاً من ضمن صناعة الترويج... أي ماذا يريد الناس؟

ابداً بالنسبة لي هذا أمر معروف بكل اعمالي السينمائية، انفذها على «ذوقي». ولا مرة لجأت الى الانتاج او التلفزيون، لانه اذا دخلت في لعبة الإنتاج فستخضع لشروطها.

يعني ملتزم فكرتك؟

ملتزم مزاجي ... أنا أحب أن اقول ما أريد على طريقتي، طبعاً لهذا الامر حسناته لجهة ممارستك حريتك في شكل مطلق أن في النهاية افلامك تأخذ جوائز في المهرجانات ويعجب بها الناس، ولكن لا تجد لها مكاناً على شاشات التلفزة لأن التلفزيونات لا تعرض افلاماً خارج مزاجها أو رغباتها إنها ترى توقيت عرض الفيلم غير مناسب.

يعني أنك تترك الواقع يحكي حاله في الفيلم دون ان تحيط فكرة تلحظها؟

في الواقع انا لا اتحمل كلمة موضوعية أو شفافية او الحقيقي ... هذه الكلمات العامة لا افهمها، لا معنى لها، هذه نتيجة الفكر المثالي الذي يتصور بأن هناك خارج الواقع الانساني، لأن الانسان هو المبدع، أصل كل الافكار، لذلك هذه التعميمات لا تستوقفني كثيراًَ. ولكن في النهاية العمل الفني وجهة نظر، عندما أذهب الى الواقع لا أقول فيه هذا فيلم موضوعي وشفاف هذه صفات أخجل من استعمالها، لانها تعبيرغير دقيق، الفن كما قلت وجهة نظر. أنا أعبر عن الذين احبهم، فكل أفلامي مواضيعها الاطفال، المرأة، الأدباء، الشعراء، والفنانين هؤلاء هم الذين يهمني أن أحكي معاناتهم لا أتحدث عن اناس لا يعنون لي.

انطلاقاً من هنا، لديك «تقاسيم من بغداد»، «جمال عبد الناصر»، «الامام الاوزاعي»، عناوين لنصوص كبيرة. دخلت الى اسماء لها مواقعها وتاريخها، هل تدخل رؤيتك بالنص ام تنفذ النص كما هو؟ وكيف ترى الحصار في بغداد، كيف ترى «الامام الاوزاعي»، الفكرة هل تحب الشخص وسيرته التي تعطيك الموضوع ام ان الفكرة تعجبك وتنفذ النص؟

في الحقيقة أنا كاتب سيناريو كل أفلامي، وان كنت في بعض الأفلام استعنت ببعض الاصدقاء الذين لديهم القدرة على تقديم مواد بحثية. مع الاخذ بعين الاعتبار بانه لا يوجد عمل ممكن أن تحكي كل شيء عنه، يجب الاختيار، العمل الفني هو عمل واع واختياري، تعرف كيف تختار عناصره، اذا اخذنا مثلاً فيلم «تقاسيم من بغداد»، عندما ذهبت الى بغداد قبل الحرب عام 2000 كان هاجسي الاول الاطفال ومعاناتهم، هذا كان حافزي بالذهاب الى بغداد، ولكن هناك لم يكن الأطفال وحدهم الذين يعانون بل كل شعب العراق محاصر ويموت، واسوا حصار كان الحصار الاعلامي لاننا لم نكن ندري ماذا يحدث هناك إلا عبر ما ينقله لنا الخارج. لذلك كان إي فيلم عن المعاناة ممنوع والبرهان إن هذا الفيلم أخذ جوائز عدة وشارك بحوالي 50 مهرجاناً، حتى اني تلقيت دعوة من الأمين العام للامم المتحدة آنذاك كوفي عنان لعرضه في مبنى منظمة الأمم المتحدة وشاهده أغلبية سفراء العالم. رغم ذلك لم يجد طريقه الى أي محطة تلفزيونية بحجة أنه يجلب التعاطف مع الشعب العراقي والوقت غير مناسب!!!

أما بالنسبة لفيلم عبد الناصر، أنا لم اقرأ ما كتب عن الرئيس عبد الناصر في كتاب، بل جمعت كل ما قاله أي حوالي ثمانية الآف صفحة بحدود 2500 خطاب، ثم بدأت اجمع جزءاً من هنا وجزءاً من هناك وأعدت صياغتها «بخطاب الخطابات» فاختصرت ثمانية آلاف صفحة بـ 8 صفحات واعتبرته «خطاب الخطابات» او «البيان الناصري» على افتراض أن عبد الناصر لو شاء أن يقول كلمته اليوم فماذا يقول... واخذت له ما يتماشى وأيامنا ووضعنا الحالي.

استاذ سايد كنا تحدثنا عن «تقاسيم من بغداد» و«جمال عبد الناصر»، «الإمام الأوزاعي» لماذا اخترته؟ ما هي الفكرة التي دفعتك الى ذلك؟

فيلم «الإمام الأوزاعي» كان بناء على طلب من صديق أحب أن يُعرّف الناس بالإمام الأوزاعي. فأعددنا دراسة موسعة مع الصديق محمود موسى عن هذه الشخصية وعن البيئة التي عاش فيها، حاولنا من خلال الإمام الأوزاعي ان نلقي الضوء على الحوار الاول الذي تم بين المسيحية والاسلام في بلاد الشام وخصوصاً في دمشق. لإيصال فكرة ان الاديان صُدرت من بلادنا نحن... لذلك نحن اصحابها، ولدينا هذه التجربة الأولى في الحوار بين الاديان، لكن أجدادنا هم الذين تجادلوا واتفقوا على الحد الأدنى أي الامور المشتركة بين الاديان، مثل الإيمان بالله، الايمان بالآخرة، الاهتمام بالمحتاج، رعاية الفقير، كل هذه الدعوات الايجابية في الاديان كانت مشتركة في المسيحية والاسلام... فالإمام الأوزاعي كان جزءاً من هذه المرحلة وتلك البيئة، اضافة الى مسؤوليته في السلطة الاموية. تستطيع أن تقول أن الفيلم كان رداً على موضة حوار الاديان او حوار الحضارات السائدة اليوم... السؤال ما علاقتهم في الامر، فهذه افكارنا التي صدّرناها الى العالم وهم تبنوا أفكارنا. فمنهم من اعتنق المسيحية ومنهم من اعتنق الاسلام، لذلك من حقنا نحن ان نناقش هذه الافكار نعيدها الى اصولها الايجابية التي تعيد التعاون البشري حول الأوليات الانسانية، وليس اخضاعها الى مصالح وسلطات ليس لها علاقة بالدين الاّ بما يعبّر عن مصالحها.

هل تطمح سايد كعدو ان تكون سفيراً لـ«النوايا الحسنة» لأفلام وثائقية عن حقوق الانسان والحروب، خصوصاً أن فنانون كثر حملوا هذا اللقب؟

احب ان تكون افلامي «نوايا حسنة» مع احترامي للجميع، اما هذه المؤسسة التي يسمونها أمماً متحدة والتي أنشأها القتلة ومجرمو الحرب، وأول انجاز اجرامي لها هو الغاء فلسطين وانشاء كيان «اسرائيل»، وما زالت هذه المنظمة هي الوسيلة بيد القوى التي صنعتها لتحقيق مشاريعها ولعبت دوراً سلبياً في العالم الثالث، تحت حجة التنمية تم تدمير المجتمع، وتحت حجة التثقيف عمموا الجهل. فأنا لا أحترم هذه المؤسسة أصلاً واعتبرها مؤسسة اجرامية لم تحل مشكلة حتى الآن، والأنكى من ذلك، تجدهم الأعلى صوتاً في المطالبة بإحلال السلام في الوقت عينه هم من يصنع الأسلحة ويقيمون المعارض لها ثم يخلقون الظروف لبيعها مع التبجح بأن أسلحتهم الأكثر فتكاً.

فكيف يحق لصانع الاسلاحة الدعوة للسلام. لذلك فان فكرة ان أكون سفيراً لـ»النوايا الحسنة» ارفضها قطعياً... حتى أنني لما عرضت فيلم «تقاسيم من بغداد» في الامم المتحدة بحضور سفراء العالم قلت لهم: «في بلادنا يعتقدون بأن العاملين في هذا المبنى يهتمون بمصالح الشعوب، أما أنا فأقول لكم، ان عملكم هو إبادة الشعوب وهذا الفيلم هو نموذج عما ارتكبته اياديكم»