ميلاد المسيح: منعطف تاريخي نحو تشكيل الامة

العدد 58 - نيسان 2011
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

 

للخروج الى الحرية يجب تغيير المفاهيم السياسية والاجتماعية

مسؤولية التغيير تقع على عاتق

قادة الثقافة والمجتمع والعلم

 

 في الايام القليلة الماضية احتفل العالم المسيحي (بما فيه العالم العربي) بذكرى ميلاد السيد المسيح وبدء السنة الميلادية الجديدة. واصبح يغلب على هذه المناسبة الطابع الاحتفالي، الطقسي والانشراحي، حيث تقام الصلوات التقليدية وتتم السهرات وتبادل الزيارات والتهاني والتمنيات بالصحة والسلامة والتوفيق. وفي البيئات المسيحية ـ الاسلامية المختلطة، يتم تبادل التمنيات الشكلية والتأكيد الكلامي على التعايش الاسلامي ـ المسيحي. ونظرا لسيادة الثقافة المملوكية والعثمانية، التي لا تزال تعشش في بعض الجماجم الفارغة وتجرجر اذيالها منذ مئات السنين، فإن بعض المسلمين، ولا سيما في المواقع السلطوية والنافذة، لا يجدون غضاضة في تمنين المسيحيين باستمرار وجودهم في المنطقة الاسلامية طوال الحقبات الماضية وحتى الان، وانهم ـ اي المسيحيين ـ ضيوف على الاكثرية الاسلامية، وليسوا اكثر من جاليات غريبة وغربية ومحميات اجنبية وتفاصيل متخلفة عن المسألة الشرقية. ولضمان استمرار وجودهم، فإن المسيحيين التقليديين في مختلف البلدان العربية، هم ملزمون عمليا بدعم السلطة القائمة، ولو كانت سلطة صدام حسين او سلطة الاحتلال الاميركي وعملائه في العراق، والا أفلتت عليهم العصابات المسعورة المتجلببة زورا بالاسلام لاقتلاعهم من جذورهم الضاربة في هذه الارض منذ آلاف السنين قبل ظهور المسيحية والاسلام. وهذا هو الدرس الاساسي الذي أريد تلقينه للمسيحيين المصريين، في التفجير الاجرامي الاخير لكنيسة القديسين في الاسكندرية. اي: اما ان يكون المسيحيون مع السلطة العميلة لاميركا، ويحملوا السلاح دفاعا عنها وعن انفسهم، واما ليرحلوا الى اميركا والغرب، واما... القبر!

وفي هذه الاجواء الاحتفالية الشكلية، من جهة، والسياسية والامنية المشحونة، من جهة ثانية، تضيع المدلولات القيّمة لميلاد السيد المسيح. ونترك لرجال الدين المسيحيين الصادقين التعامل اللاهوتي مع ضياع المدلول الديني ـ الروحاني لهذا العيد، وتحويله الى مناسبة كرنفالية تجارية لنشر التهتك والعربدة والاباحية والدعاية التجارية وتسويق السلع وعلى رأسها سلعة اللهو والاستعراض واستهلاك المسكرات والمخدرات والعاهرات.

ولكننا ـ كمواطنين في هذا العالم، ولا سيما كمواطنين عرب ـ نرى من الضروري التوقف عند ضياع المدلول التاريخي لرواية ميلاد السيد المسيح، ومجزرة قتل الاطفال في منطقة بيت لحم وجوارها، وهرب العائلة المقدسة واختبائها في مصر.

ونسمح لانفسنا ان نقول، امام تعجب من يريد ان يتعجب ونحن بدورنا نضع على تعجبه الف علامة تعجب والف علامة استفهام، انه، بعد ما يسمى الحروب الفونية التي كان من الممكن ان تنتهي بتدمير روما ولكنها انتهت بتدمير قرطاجة، فإن الرواية الانجيلية عن ميلاد السيد المسيح وتداعياتها هي اول حركة تاريخية كبرى، اجتماعية وقومية، في طريق التكوين اللاحق للقومية العربية والامة العربية. ولا يصح الاسفاف والقول انها كانت حركة توحيد ذات طابع ثقافي وحضاري عربي (جزيري)، كما هو الامر بالنسبة لظهور الدين الاسلامي والفتح العربي الاسلامي بعد بضع مئات السنين. ولكنه يمكن الجزم بأن ميلاد السيد المسيح، ومن ثم انتشار المسيحية، شق الطريق للتفاعل الاخوي (الحضاري والثقافي والاقتصادي والديموغرافي، ضمن القالب الديني) بين الشعوب القديمة التي كان يتشكل منها عالم الشرق الادنى وشمال افريقيا بما فيها شعب او قبائل شبه الجزيرة العربية، شمالها وجنوبها. ولولا هذه الحركة التمهيدية الاولى للمسيحية، لما كان بالامكان ان يضطلع الاسلام، فيما بعد، بدوره في استكمال عملية التفاعل وتكوين الامة العربية الواحدة.

ولنأخذ ما يقوله الانجيل المقدس عن ميلاد السيد المسيح وعملية قتل الاطفال في محيط بيت لحم وفرار العائلة المقدسة الى مصر:

متى (2: 1 ـ 6) ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك اذا مجوس قد اقبلوا من المشرق الى اورشليم قائلين اين المولود ملك اليهود فإنا رأينا نجمه في المشرق فوافينا لنسجد له. فلما سمع هيرودس الملك اضطرب هو وكل اورشليم معه وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واستخبرهم اين يولد المسيح فقالوا له في بيت لحم اليهودية لانه هكذا كتب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغيرة في رؤساء يهوذا لانه منك يخرج المدبر الذي يرعى شعبي اسرائيل.

وطلب هيرودس من المجوس ان يعودوا ويخبروه بمكان وجود الصبي حتى يذهب هو ايضاً ويسجد له، ولكنه في الحقيقة كان يزمع قتله. الا ان المجوس (متى 2: 12 ـ 16) أوحي اليهم في الحلم ان لا يرجعوا الى هيرودس فرجعوا في طريق اخرى الى بلادهم. ولما انصرفوا اذا بملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلاً قم فخذ الصبي وأمه واهرب الى مصر وكن هناك حتى اقول لك فإن هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه. فقام واخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف الى مصر. وكان هناك الى وفاة هيرودس... حينئذ لما رأى هيرودس ان المجوس قد سخروا به غضب جداً وأرسل فقتل كل صبيان بيت لحم وجميع تخومها من ابن سنتين فما دون على حسب الزمان الذي تحققه من المجوس.

وجاء في انجيل لوقا ان يوسف ومريم ذهبا الى بيت لحم (لوقا 2: 6 ـ 12) وبينما كانا هناك تمت ايام ولادتها. فولدت ابنها البكر فلفته وأضجعته في مذود لأنه لم يكن لهما موضع في المنزل. وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البادية يسهرون على رعيتهم في هجعات الليل. واذا بملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب قد اشرق حولهم فخافوا خوفاً عظيماً. فقال لهم الملاك لا تخافوا فهأنذا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. وقد ولد لكم اليوم مخلص وهو المسيح الرب في مدينة داود. وهذه علامة لكم. انكم تجدون طفلاً ملفوفاً مضجعاً في مذود.

(انتهى استشهادنا بالانجيل المقدس)

ان اللاهوتيين والمتدينين المسيحيين يحملون هذا الكلام على محمل لاهوتي او الهي، فوق طبيعي وفوق بشري، ويؤمنون بأن السيد المسيح جاء لتخليص البشرية من الخطيئة ولبناء ملكوت السموات. ولهؤلاء اللاهوتيين والمتدينين الحق في أن يؤمنوا بما يشاؤون، شريطة ان لا يعملوا على ايذاء الغير (كما كانت تفعل الكنيسة في القرون الوسطى، وخصوصاً كما فعلت في الحروب الصليبية). واذا كانوا حقا يحبون الله ويحترمون مشيئته، فعليهم ان يتركوا الله يتدبر شؤونه مع خلقه.

وفي الوقت نفسه هناك من يشككون في رواية ظهور المسيح وألوهيته الخ. وهناك بعض الناس يدعون انهم مسلمون ينكرون على المسيحيين ايمانهم، ويدعون ان الايمان الحق هو الايمان بالدين الاسلامي. ولهؤلاء ايضاً الحق في ان يؤمنوا بما يشاؤون، ويرفضوا الايمان بما يشاؤون، على ان لا يعمدوا الى اكراه الآخرين على الايمان بما هم يؤمنون به.

وفيما يلي عينة لاحدهم باسم محمود خليل يكتب في احد المواقع الاسلامية المصرية عن اكذوبة رحلة العائلة المقدسة الى مصر، وهو يقول:

لا ندرى ما سبب إخفاء المسيحيين واليهود حقيقة سفر أسرة المسيح إلى مصر وهى الأسرة اليهودية المتدينة التى تعبد الله الواحد حسب العقيدة اليهودية؟.. فهم يدعون أن المسيح عليه السلام سافر إلى مصر فاراً من الرومان وهو ما زال بعد طفلاً لم يكمل الشهر من العمر لكنهم يدعون ذلك بدون توضيح متى تركوا فلسطين ومتى قدموا لمصر ومتى رحلوا منها وما هو عمر كل فرد فى عائلة المسيح (المسيح ويوسف النجار والسيدة مريم) فى ذلك الوقت كما أخفوا أيضا أعمار إخوته الأربعة وأخفوا كل المعلومات عن أخواته البنات وعائلاتهم كما أخفوا عمر يعقوب عندما قتله اليهود رجما بالحجارة وكان شخصا عادلا لقبوه بالبار وأخفوا عمر السيدة مريم عندما ماتت واخفوا كل المعلومات التى قالتها مريم بعد صعود المسيح فلقد كان الجدير بالذكر - لمن يهمهم أمر المسيح - هو تسجيل أقوال أمه وإخوته عن حياته ومطاردة اليهود والرومان له ثم رفعه إلى السماء كما لم يوضحوا كيف تسافر الأسرة كل هذه المسافة؟.. فتارة قالوا أنهم سافروا على جحش وحاليا يدعون بأنهم طاروا من فلسطين إلى مصر ولم يوضحوا أيضاً كيف طاروا ومتى وباى وسيلة وأين نزلوا وهو ما يتناقض مع الخريطة المكذوبة التى يرسمونها لسير الأسرة كما تتناقض مع الرسومات التى يدعون أنها للمسيح وأسرته وتصوره راكباً مع أمه السيدة مريم على حمار وبجوارهما يوسف النجار! والغريب حقا أن مرقص ويوحنا ولوقا - أصحاب الأناجيل المعروفة - لم يذكروا شيئاً عن ذهاب أسرة المسيح لمصر فى أناجيلهم فمن أين أتى المسيحيون بهذا الادعاء؟ 

ويخلص السيد محمود خليل الى بيت القصيد في اقواله كما يلي:

ولأن هذه الأمور جميعها لا يمكن إثباتها وكاتب الإنجيل نفسه لم يكن موجودا وقتها ليعرفها يصبح من المؤكد أن كل ما قيل حول تلك القضية مجرد أوهام لا دليل عليها إلا محاولة كاذبة وممجوجة لربط مصر بالمسيحيين أو العكس للتأكيد على أن للمسيحيين مكان فى مصر وهى ذات الأساليب المعتادة التى تدعى كذبا وجود علاقة بين اليهود وبين أى بقعة فى العالم ومن خلال هذه الكذبة التى يصدقونها ويقنعون السذج بها تصبح كالحقيقة كما فعلوا فى فلسطين ويحاولون بشتى الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة أثبات علاقتهم بالقدس والهيكل المزعوم أو الادعاء الكاذب بأن اليهود هم بناة الأهرام رغم أن اليهود كانوا وقتها مجرد رعاة فى الصحراء ولم يقطنوا فى الحواضر المصرية وقتها ألا كعبيد للمصريين. وعلى الدرب يسير المسيحيون مدعومين باليهود والصهيونية فيدعون كذبا وباطلا بأن المسيح جاء إلى مصر لتبرير مطالبهم بطرد المسلمين من مصر وأنهم أصحاب البلاد الأصليين؟!!.. ولكن ساء ما يمكرون فلا يوجد دليل على ما يدعون وألا فليجيبوا على الأسئلة السابقة وليأتوا بدليل مادي أو تاريخي على ما يدعون؟!!..

أما الحقائق الثابتة فهي أن مصر لا علاقة لها بالمسيحية التى لم تدخلها ألا من الهاربين اليهود (الذين اتبعوا تعاليم المسيح) من اضطهاد الرومان أو من الرومان الذين عبدوا المسيح ولقبوا أنفسهم مسيحيين اسماً فقط.

إذاً فتلك أكذوبة أخرى من أكاذيب المسيحيين فى مصر يتم كشفها ولن يستطيع أحد أن يقنعنا بعكس ذلك كما لن يستطيع أحد أن يخبرنا مدعما بالدلائل والقرائن متى ولد المسيح وأين ومتى سافر إلى مصر ومن كان معه فى تلك الرحلة وكيف سافروا ومتى عادوا إلى فلسطين وما هى أعمار المسيح وأسرته حينما سافروا وبعدما عادوا وماذا حدث فى تلك الرحلة وما هى أقوال السيدة مريم عليها السلام حول الرحلة وحول حياة المسيح نفسه منذ ولادته وحتى يوم رفعه؟؟؟؟!!.

اي ان محمود خليل وامثاله يستنكرون مسيحية اقباط مصر، ويطعنون في مواطنيتهم لمجرد كونهم مسيحيين، ويدعون الى طردهم، ومن ثم الى دفعهم للارتماء في احضان الامبريالية والصهيونية دفاعاً عن وجودهم.

اننا لا ندعي لانفسنا الاهلية او الرغبة في الخوض في الجوانب اللاهوتية والدينية لظهور المسيح والرواية الانجيلية او غير الانجيلية عنه. ولكن لو سلمنا جدلا بعدم ظهور السيد المسيح وبعدم فرار العائلة المقدسة الى مصر واقامتها فيها، فإنه ـ بالمقابل ـ من المؤكد انتشار المسيحية في مصر وثباتها فيها، والا فعلى من تقوم قيامة محمود خليل وامثاله ومن يقف وراءهم او فوقهم ويحركهم ويوجههم. وبكلمات اخرى، فمن المهم التثبت تاريخيا من صحة او عدم صحة رواية ظهور السيد المسيح وفرار العائلة المقدسة الى مصر؛ ولكنه من المهم اكثر، من وجهة النظر التاريخية، النظر في المفاعيل الواقعية للرواية الانجيلية حول ولادة السيد المسيح. (ومما يؤكد تاريخية واصالة الوجود المسيحي في مصر)، ان التسمية العالمية لمصر لا تزال الى اليوم اجيبت، المشتقة من لفظة القبط، اي ان لفظة القبط ـ كلفظة العرب او الفرس ـ كانت في الاساس تعني قوماً معينا هم سكان مصر الاصليين، وان هؤلاء القوم كانت البلاد تسمى باسمهم، ومن ثم فإنهم تنصروا جميعاً، فأصبح اسم قبطي يرادف اسم مسيحي. ولكن هذا لا ينفي الاصل القومي. ونستشهد على ذلك بأن الرسول (ص) كان قد وجه رسالة الى من سماه المقوقس... عظيم القبط اي عظيم قوم القبط داعيا اياهم للدخول في الاسلام. كما ان احدى زوجات الرسول (ص) كانت تدعى مارية القبطية، وظلت تحمل هذا اللقب حتى بعد اشهار اسلامها. وهذا يشير الى ان لقبها القبطية يدل على انتمائها القومي لا انتمائها الديني. (راجع كتاب: نداء السراة، اختطاف جغرافيا الانبياء، قسم الدراسات والبحوث في جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، مملكة البحرين).

اي انه ـ وبصرف النظر عن مختلف الآراء المؤيدة او المعارضة للمسيح والمسيحية ـ فإنه من الثابت تاريخيا:

أ ـ ان المسيحية، كحركة دينية واسعة وبكل ما ترتب ويترتب عليها، قد وجدت وهي موجودة الى اليوم.

ب ـ ان الانجيل المقدس (الاناجيل الاربعة المعترف بها كنسيا) هي ايضا موجودة وصحيحة بنظر من يؤمن بها، ومعتمدة من قبلهم، شاء من شاء ورفض من رفض.

ج ـ ان الوجود المسيحي (كدين ومذاهب، وكمجتمعات بشرية متعددة الاقوام واللغات والثقافات والطبقات) له حضوره وحركيته التاريخيان، في ذاته، ولذاته، وكجزء عضوي لا يتجزأ من الكينونة البشرية، بالتعميم، ومن كل مجتمع او فئة اجتماعية يوجد فيها مسيحيون، بالتفصيل والتخصيص.

وهذا الوجود المسيحي التاريخي هو واقع لا يمكن انكاره، بصرف النظر عن طبيعة المعتقدات المسيحية وصحتها او عدم صحتها، بأي مقياس كان.

ولتوضيح هذه النقطة المعرفية الجوهرية نستميح القارئ عذرا في تقديم المثال التالي: في المرويات الشعبية ان شيخا قرويا كان أشرف على الموت، وكان لديه عدة ابناء وقطعة ارض لا تكفي لتقسيمها على ابنائه كي يبني كل واحد منهم بيتا مستقلا. وكي يبرر الشيخ عدم تقسيمه الارض فيما بينهم، قال لاولاده انه يترك لهم كنزا مطمورا في الارض ولكنه لا يتذكر اين دفن الكنز، واوصاهم ان ينقبوا الارض بعد مماته ويجدوا الكنز ويتقاسموه. وفي اليوم التالي لوفاة الشيخ شرع ابناؤه في تنقيب الارض الى عمق معين، ولما لم يجدوا شيئاً تابعوا التنقيب اكثر فأكثر، حتى يئسوا او تعبوا وتوقفوا عن التنقيب وهم يندبون حظهم مع والدهم الخرف حسب زعمهم. وبالصدفة مر بهم شيخ آخر من اقاربهم، فحكوا له حكايتهم، فرثى لحالهم، ولكنه قال لهم اخيرا، ان والدهم الشيخ المتوفي لا يمكن ان يكون كذب عليهم لانه يعرفه عن قرب، وهو يؤكد صدقه، وخصوصاً انه كان على فراش الموت، ولكن طالما انهم تعبوا ونقبوا الارض بهذا الشكل العميق فليستفيدوا منها ويزرعوها ويتقاسموا غلتها عند الحصاد؛ ففعل الاخوة ما نصحهم به قريبهم الشيخ، وحصلوا على غلة جيدة تقاسموها فيما بينهم؛ وكانت غلتهم افضل غلة في قريتهم نظرا لعمق تنقيب الارض الذي كانوا قد انجزوه. وفي السنوات التالية كان هؤلاء الاخوة الباحثون عن الكنز الموعود والمفقود يعيدون التنقيب عملاً بنصيحة قريبهم الشيخ، ويعيدون الزراعة، ولا يجدون الكنز ولكنهم يحصلون على افضل الغلال، واصبحوا من اغنى اغنياء القرية والمنطقة.

فسواء كان حديث الشيخ المتوفي كذبة؛ او سواء انه حينما دفن الشيخ الكنز في الارض رآه احد اللصوص واختلسه من حيث لا يدري؛ وسواء ان الكنز لا يزال موجودا في الارض ولم يستطع الاولاد الوصول اليه؛ فإن هؤلاء الاولاد ـ ومن حيث يقصدون او لا يقصدون ـ تحولوا الى مجموعة زراعية هي الافضل والارقى والاغنى في القرية المعنية. وسيكون من السخف تماما ان يمر احدهم بهؤلاء الاخوة وهم ينقبون في ارضهم ويعتنون بزرعهم، ويسخر منهم بأنهم مخدوعون يضيعون وقتهم في البحث عن كنز غير موجود.

 ومع كل احترامنا لكل معتقد ديني، مسيحي او غير مسيحي، نقول انه ليس المهم صحة او عدم صحة معتقدات الاديان عن نفسها او عن بعضها البعض، واستطرادا ليس المهم صحة او عدم صحة المعتقدات العلمانية والالحادية والفلسفية عن المعتقدات الدينية وبالعكس، بل المهم هو السلوك الاجتماعي والاخلاقي والاقتصادي والسياسي (الوطني والقومي والاممي، الانساني، او غير الوطني والقومي والاممي، الانساني) لكل جماعة بشرية، دينية او غير دينية. (ولبنان هو نموذجي على هذا الصعيد: حيث هناك مسلمون ومسيحيون وعلمانيون وطنيون وفي صف المقاومة؛ ومسلمون ومسيحيون وعلمانيون في صف اميركا واسرائيل واعداء للمقاومة).

وفي المحصلة التاريخية نرى (كما في قصة الاخوة الذين نقبوا ارضهم جيدا بحثا عن الكنز) ان منطقة الانتشار الاكبر للمسيحية في المنطقة العربية، قبل ظهور الاسلام، وبدونه، وبدون اي انتقاص من دوره اللاحق، هي المنطقة الارقى في جغرافية الخلافة العربية الاسلامية. وهو ما اعترفت به موضوعيا الخلافة ذاتها حينما نقلت مقرها من الجزيرة الى دمشق، ثم الى بغداد. وحينما انقسمت على نفسها الى خلافتين، انقسمت بين بغداد والقاهرة. والسبب طبعا ليس دينيا ـ ايمانيا، بل لان مناطق سوريا والعراق ومصر كانت ارقى حضاريا من شبه الجزيرة العربية، وهي كلها مناطق كانت، بمعزل عن السلطات الوثنية او المسيحية، ذات طابع شعبي مسيحي.

وبناء على فهمنا التاريخي الواقعي هذا فإننا نقول انه يجب مناقشة الفعل التاريخي للوجود المسيحي كما هو، اي من خلال معتقداته هو عن نفسه، ومن خلال تنظيمه ونشاطه وحراكه الخاص، وليس من خلال المعتقدات والاحكام الغيرية والمغايرة، عنه وعليه، الدينية او الفلسفية او السياسية.

ومع كل الاحترام لاجتهادات السيد محمود خليل وكل الضاربين على طبله، ليسمح لنا عطوفته في ان ننظر فيما تقوله الرواية المسيحية ذاتها (الاناجيل المقدسة والنصوص الكنسية) عن ولادة السيد المسيح، ورد فعل روما وعملائها ويهودها على ولادة السيد المسيح، وهروب العائلة المقدسة الى مصر، والحقائق التاريخية التي تؤكدها تلك الرواية:

ـ1ـ الانتماء الى الفقراء:

تقول الرواية المسيحية ان السيدة مريم العذراء وضعت الطفل يسوع في مذود. وبصرف النظر عن البحث في الحد الفاصل بين المشيئة الالهية والامكانيات المادية لعائلة يوسف النجار من الناصرة، فإن الواقع الذي تأخذ به الرواية المسيحية ويصدقه المسيحيون الصادقون هو ان يسوع المسيح ولد فقيرا وفي عائلة فقيرة، كأي عائلة فلاحية فقيرة يولد اولادها ويعيشون في غرفة واحدة، او خيمة واحدة، او زريبة واحدة مع الحيوانات الاليفة التي تعتاش منها العائلة. وبالرغم من كل هذا الفقر المدقع، فإن الرواية المسيحية، تسمي المسيح المولود المخلص، ولكن ليس الملك.

وهناك الكثير من المسيحيين، ناهيك طبعا عن اعداء المسيحية، الذين يمرون بهذه النقطة مرور الكرام، او اللئام. ولكن هذه النقطة هي نقطة جوهرية، انقلابية او ثورية في التاريخ البشري. اذ ان الحركة الدينية الالهية التوحيدية، المغايرة للدين او الاديان الوثنية عامة والرومانية خاصة، وهي الحركة التي تنسب الى ابرهيم الخليل او النبي موسى، كانت تضم اليهود والمسيحيين على قدم المساواة. وقد عبرت هذه الحركة عن نفسها من خلال كتابة الكتاب المقدس المشترك، اي ما يسمى التوراة والعهد القديم، والذي شارك في كتابته مئات الحاخامين والكهنة ورجال الدين والمفكرين، على مدى 1500 سنة واكثر. وكانت تنبؤات هذا الكتاب تبشر بمجيء المسيح من سلالة الملك داود. وكان اليهود يؤمنون ان المسيح سيأتي كملك. ولكن المسيح الذي أتى وآمن به المسيحيون، أتى كطفل فقير يولد في مذود بقر. اي ان المسيح الذي آمن به المسيحيون قد اعلن، بولادته ذاتها ومنذ لحظة ولادته، وحتى قبل اشهار رسالته، اصطفافه او انتمائه الى الفقراء والتعساء والبؤساء، وذلك ليس كإله او حاخام او كاهن او ارستقراطي متعاطف معهم، بل كأي انسان بسيط هو واحد منهم وفيهم.

اي: ان المسيح الفقير، الذي اعطاه الانجيل صفة المخلص، وضعه الانجيل منذ لحظة ولادته بالذات ضد المجموعة اليهودية، وضد عملاء روما، وضد روما ذاتها، وضد طبقة الاغنياء بكاملها، ومن ثم ضد المجتمع الاستغلالي ـ الاستعماري السائد بأسره

ـ2ـ صراع الوجود مع اليهود وروما:

وتقول الرواية المسيحية ان ممثل السلطة الرومانية هيرودس لما علم بولادة السيد المسيح في حالة هي غير الحالة التي كان يتوقعها اليهود، اضطرب هو وكل اورشليم معه وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب. ولما رأى ان المجوس قد سخروا به اي لم يرجعوا اليه ويخبروه بمكان وجود الصبي الذي كان قد أزمع على قتله غضب جدا وأرسل فقتل كل صبيان بيت لحم وجميع تخومها من ابن سنتين فما دون على حسب الزمان الذي تحققه من المجوس.

وهذا ما يذكرنا بالحصار الروماني لقرطاجة في 146ق.م، فبعد محاصرة المدينة وبدء الهجوم عليها من قبل الجيش الروماني بقيادة سكيبيو تمكن صدر بعل قائد فرق الخيالة من تنظيم المقاومة بين الجيش والشعب وشن هجمات كاسحة في إتجاه الميناء في محاولة مستحيلة للخروج بالاطفال والنساء إلى البحر، وبعد أن أدركه اليأس وضع سيفه على الأرض وانحنى أمام سكيبيو طالبا لهم الرحمة. ولكن سكيبو لم يستجب له. إذ ذاك تقول الروايات تقدمت زوجة صدر بعل ورمت بنفسها في النار مع طفليها لكي لا تحوجه استعطاف الرومان المتغطرسين، وأندفعت قرطاجة تقاتل من جديد في آخر معركة وآخر يوم فيما أشرف سكيبيو من موقعه في البرج على عمليات القوات الخاصة لإشعال النار في كل بيت. وظلت قرطاجة تقاتل وتشتعل فيها النيران مدة 17 يوما حتى دكت بالكامل (راجع موسوعة ويكيبيديا).

وبعد مرور 2100 سنة على تدمير قرطاجة واقل من 1950 سنة على ميلاد السيد المسيح وصف المفكر اللبناني انطون سعاده الصراع مع اليهود، واستطرادا: الصراع مع روما القديمة وكل روما بعدها حليفة استراتيجية لليهود، بأنه صراع وجود لا صراع حدود. ويضيف سعاده ان الصراع مع من يسميهم يهود الداخل هو جزء لا يتجزأ من صراع الوجود مع اليهود. ونذكر هنا ان الحاكم الروماني هيرودس لم يكن روماني القومية، ولم يكن يهوديا عبرانيا، بل كان أدوميا متهودا، اي كان احد كلاب روما من يهود الداخل حسب تعبير انطون سعاده. وقد نظم يهود الداخل في لبنان مسرحية محاكمة واعدام انطون سعاده في 1949، ولكن هذا لم يلغ افكار انطون سعاده بل اكدها بالملموس. ذلك ان انطون سعاده لم يأت بافكاره من فراغ، بل كان يقرأ التاريخ والانجيل

 كاتب لبناني مستقل