رحلتَ قبل أن أُصبح صالحة للعشق ومجلس الأمن تآمر على حبي

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

هل رحلت قبل أن أصبح صالحة للعشق؟، أم أن فراقنا مزّق بلادنا المفترسة بخطوط سايكس بيكو التي ترسم حتى اليوم حدودنا هو السبب، أم بلفور سرقك مني ولم تفلح كل الدماء المبتلعة في أرضنا أن تصل حبل الوريد بالوريد، أم أن مجلس الأمن تآمر على عشقي فلم تصنع قراراته جسراً يحملني لذراعيك..

عندما داهمك الموت في غفلة من حبي الذي حملته طوال سنين دون أن تدرك أن هذياني بك بلغ حد الانهمار عاطفة، تنشقت خبز الفجر، تأكدت من خوف الطغاة من الأغنيات، انتظرت تردد ابريل، طلبت من النساء أن تتوقف عن كتابة التعويذة للرجال، علمت أن الشعب لم يعد يهتف لمن يصعدون لحتفهم باسمين، ضاع كلنا في حمى الجوع بمخفر متنقل في كل واحد فينا يعلمنا الاتزان في النزوح من إنسانيتنا بهدوء، نقايض باللقمة ولاءاتنا، ونصلي لنصنع بيوتاً لنا في الجنة بعد أن انهارت في الوطن أحلامنا.

صنعت مني قلماً لم تباركه أصابعك، عانقتني في فضاء كلمة وبقيت أنا الطيف الذي يتحول للهاث عشق أسطوري، لكن لم تصل إليك آهاتي ومجاعة الحب والوطن الفردوس المفقود الذي أخذته مني معك..

لم يلمس عمري صفحة عينيك اللتين تعلمت منهما جغرافيا فلسطين وعذاباتي في إعلان انتمائنا المشترك لسوريا الكبرى، إيماناً مني باننا هاربان من عتق أسطورة آرامية، وحده صوتك كان يداعب عقلي المترع بقهر شراكتنا في الهزيمة، شراكتنا بالنحيب والنواح على أبواب وطن..

كنت تطلع في صحوة فجائية على شاشات تنفيك لصالح تشويهنا، شاشات تتجاهل حاجتي إليك، وترميني بشهوانية الحيوان على أقدام مسخ، صنعه ليل العهر والجوع ومخزون عصر الجواري يتلظى غريزة مدفوعة الثمن، أو ربما فضائيات تستبدل الوطن بين جناحي القبّرة بشهوة الدم والموت فتمزقه بحمى الفتاوى والاقتتال وتنفخ في الأبواق استنهاضاً لجيش الردة، أو مرة تجترني بكذبة رومانسية في مسلسل مدبلج دون أن يسألوني عن طهر الحب في محراب شعرك، لكنك حين تطلع كشروق الشمس في السجن، يتوقف الكون عن بث الخوف في قلبي ، آمن، أسكن، أتألم، أتعلم، أرتعش، أهتز، أصرخ، أعبث، أرتمي منهارة لأنك رحلت دون أن تعلم كم أحببتك..

طالما بثت دفاتر المراهقات عواطفها البسيطة وقصصها المخبوءة في صدور تفتحت على باب منزل ابن الجيران، أو من على شرفة تستقبل رسالة طفولية، أو بحلم ساذج بكتفين عريضين لنجم سينما أو مطرب جميل مصفف الشعر، وأحياناً مع بطل لرواية بدائية العشق، لكن لم يعرف أحد أنني تعلمت الرغبة فوق أوراقك في وليمة حب أممية..

قلت انتظرها، فلماذا لم تنتظرني.. ها أنا أكتب إليك اليوم عن عشقك السري في قلبي السري، لأني اليوم امتلك جرأة الإعلان عن حبك، دون أن أحتال على الكلمة.. لقد كنت طوال الوقت أنسج أسطورة حبي المجنون، لأقنع الآخرين وأنا أجبرهم على الخشوع في محراب قصائدك، أني مجرد قارئة معجبة من مليون معجب ومعجب، والحق أني بعد موتك المشتهى الذي لم تأخذني معك فيه كنت مسبية بجحافل وطن يرفل حراً فقط في دواوينك..

ها هم ينكبون على أوراق حياتك ليخلدوا أنفسهم بتمثيل حكايتك، دون أن يعلموا أن الغوص في ثنايا وجهك، وتلاوة شعرك، تستلزم خليطاً من الأرواح التي ثملت حتى قطر النبيذ من شرايينها على حافة كلمة، وعاشت معك يوماً من الأيام يوميات جرحك.

ماذا ينوون أن يفعلوا بي، هل سيرجمونني بحبيبة وجدوا احمر شفاهها على حافة فنجان قهوة سرحان، أم سينهبون حبي الذي اختزنته ليوم ازور قبرك فأسكبه مع ما تبقى من روحي على أديم يحتضن بقاياك.

من هذا الذي سيقطع حبل الغسيل، ويسخط الغناء وهو يلقي قصيدتك على الطريقة المدرسية، ويعبث برحم أمي ويقول بعدك: لديني لأشرب منك حليب البلاد..

أيها السادة الطامحون بمجد مسروق من حبيب بحجم الوطن، أرجوكم أن تتوقفوا عن نهش قلبي ونبش رفاة حبيبي..أنا عاشقة الأرض.. عاشقة الطين.. عاشقة محمود درويش

ميس الكريدي