"إمرأة كثيرة" للإعلامية كاتيا يمين

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

حريق شهي

في جحيم المعركة

ليست هوية إمرأة كثيرة بغريبة عن المجاهل المتجذِّرة في روح مؤلفة الكتاب، الإعلامية المعروفة، كاتيا يمين، أو، لنقل، في جزء أو قليل من كثيرها. فقبل أن ترى عيناها النور ورغم أنها لم تخضع لتجارب ولم تتخطَّ الهمسات الشاردة واللمسات البريئة، تجد نفسها في جحيم المعركة يتأجج قلبها في حريق شهي مفتشاً في تساءل مريب كيف للظلّ أن يمدّ أطرافَهُ ليحبو قلبُ العصفورة ِ إليه...

لم تدخل هذه الكثيرة الميدان هاوية؛ فتمرُّسها الطويل بالكتابة ومعرفتها العميقة باللغة واصولها، كل هذا يسَّرَ لها إقتحام المعركة، معركة الشعر، باحتراف وبكل ثقة وجدارة، ليتميَّز كتابُها ببلاغة وشفافية ورموز مبتكرة ومضامين لا ابتذال فيها ولا إسفاف. ورغم جهدها المضني وقدرتها على حبك العبارة وتجريد رموزها من الغموض، يبقي اللغز في ديوانها موسوماً بأبعاده الغريبة المرامي.

فمن هي هذه الإمرأة الكثيرة؟ هل هي جزئيات موزعة بين الأرض والفضاء، يصعب جمعها أو الإمساك بها؟

هل جاءت من زمن آخر لتكتب لزمن آخر؟

تقول في إحدى خاطراتها: غريبة عن هذا العالم أنا .. كتلة من العواطف سقطت من عل.

ولأنَّ الغزل له السيادة الأولى على الكلمات الشعرية، وجدت يمين طريقاً تستهلَّ بها طلَّتها في رحلة البحث عن عينيهِ، رحلة تتقاطع معها هواجسها الكثيرة.

فالنجمة المستحيلة تحفر درب اللقاء إذ لا بدّ من ولادة جديدة لعشق جديد لكنها تبقى في ضياع لا تعرف هل باستطاعتها ان تعبر أم لا. إنها تبحث وتظلّ تبحث لأن انتماءها، يبقى أبداً، كأنه انتماء..

/أنا خضراوية الانتماء من أجل عينيكَ / تركتني عزلتي قاطعة أيام اليباس.. / انطلقت هائمة في الوجود رانية نحو عينيك.. / أطفىءُ فيكَ ـ بالغوص ـ ظمئي فلا تسَلني عن هويتي / هويتي وجدتها بعد سهول انتظار /.

 وتعود الى جذورها في الما وراء فتكمل:

دعني أرشف من عينيك نشوتي، أسرقها.. من أزمنة آتية..

وإذ تكمل البحث، تستوقفها الأسئلة في لوحة شعرية بعنوان الأسئلة تطرحني حيث نكتشف وصفاً جديداً يكثِّف كثرتها فتنتصب في المواجهة بخاراً من ألف سؤال ثمَّ تُدْهَشُ لذاتٍ غريبةٍ تمثلُ أمامها لتصفعها بنهمها الفضائي ... فتسأل: من أنت ايتها الذات؟؟

إنها المرأة الكثيرة التي ضجَّ منها المغامرُ السوّاح وقال لها: / أنا ألقيت المرساة / يا التي تنام في شرايين القصيدة .!

إنها في الهيولى لا تؤمن بأن الظلّ يستطيع أن يكبر ويمدّ أطرافه معوضاً عن وجود ما، وهي باقية في ضياع، في هوامش تعذّبها لكنها، ولأنها إمرأة كثيرة، تعلن تحررها:

 لا / لن تقاسمَني الهواء بعد اليوم / لن أسمعَ حروف اسمك في كل الكلمات / لن تجتاحَني عبر كلّ الوجوه / سوف أغيِّر عيني / أهجر فضاءات صوتكَ / أشرع النوافذ لأخرج منكَ / ترى، إلى أين ستمضي الكثيرة بعد أن تهجر كل الفضاءات؟

 تقول انها ستتوحد بالنور لتحتفل بعرس تحررها ولا تستيقظ بهزيمة المدن العريقة.

السؤال الأخير: هل تستطيع الكثيرة أن تصمد في مرجوحة ضياعها أم أنها ستطلع علينا بلآلىءَ من مخزون تجارب جديدة تتحفنا بالمزيد من شعرها الجميل بعد هدوء العاصفة، عاصفة العيون والما وراء!

هذا ما نتمناه ليكون لنا موعد ملموس وأكثر وضوحاً مع النساء الكثيرات.

لويس الحايك