العدد السابع-كانون الثاني2006

أجساد تمضي إلى حتفها

تطور لصيغة اليأس
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

لم يعش الجسد بسلام دائماً ولم يكن الاهتمام به إيجابياً بالمعنى الترفيهي

كالرياضة والرقص والنحت والجمال. بل لدى البشرية اهتمامات به من

نوع آخر أكثر خطورة وهو ممارسة العنف عليه وأحياناً إبادته.

تطالعنا وسائل الإعلام من فضائيات وإنترنت وصحف يومياً بالمزيد من

الأخبار التي ترصد شتى أنواع الحروب على الجسد منها غير المنظم الذي

يعتبر عرضياً كالمتفجرات وحوادث القتل والاغتيال والأسباب المختلفة،

وتوظيف هذا الجسد حتى بعد ممارسة العنف عليه لأغراض خاصة.

وقد خضعت وسائل الإبادة لتطورات رافقت تطور البشرية حيث كان

الناس يعبرون عن عنفهم عبر العراك بالأيدي ومن ثم السيف والرمح

لنصل إلى وسائل عصرية ومعقدة ولتصبح لها أسماء لا تلتقطها الذاكرة

بسهولة نظراً لحداثتها (قنابل عنقودية).

ولبعض وسائل الإبادة البشرية خصوصية عالية إذ يحق لبعض الشعوب

والدول امتلاكها دون الشعوب والدول الأخرى.

ولوسائل العنف هذه وزارات حربية وأرصدة مالية ضخمة دون

الالتفات إلى أن هذه الوسائل ليست إلا وسيلة من وسائل ممارسة

العنف على الجسد البشري حتى فنائه لكنه جسد الآخر ..جماعات ـ

أحزاب ـ بلدان ـ أفراد.

هل تحلم القنبلة أو طلقة المدفع أن تخرج من الفوهة لكي ترسم صوتاً

للضحكة أو شكلاً.

هناك من اعتبر الإنسان مستودعاً للسرّ الإلهي كالمتصوفة، لكن هناك

مؤسسات ترهن نفسها في سبيل البحث عن أجدى وسائل القتل والإبادة

فلا تنفك مخيلتها عن اختراع كل ما من شأنه أن يفتك أكثر

بالبشرية.

ها هم الأميركان ينتقدون النظام العراقي السابق ويبررون اجتياحهم

لهذا البلد بحجة أن النظام السابق كان يمارس عنفاً على الشعب وهم

بدورهم يفعلون الأمر نفسه، وكأن العالم في سباق للعمل على إبادة

الجسد الإنساني والاعتداء عليه.

وبكل هذا تغدو الأجساد راعشةً مترديةً، خائفة لا تعرف أماناً لها فكل

ما يحيط بها غامض وقابل للقتل.

وفي لعبة القتل نجد أن هناك أجساداً أغلى ثمناً من أجساد أخرى.

لننتقل قليلاً إلى المشهد الفلسطيني فأجساد الفلسطينيين صيغت دماً في

(غزة وجنين) وغيرهما حتى لم نعد نميز بين هذه الأسماء هل هي أماكن أم

أسماء لأنهار من الدم.

وما وجدت بعض المنظمات الإنسانية إلا للتخفيف من حدة هذا العنف

ولتؤرخ للقتل أو لتعد الضحايا في كل مكان من هذا العالم الذي لا

يسمع، والذي اختلط فيه القاتل بالقتيل والجلاد بالضحية.

وللإبادة في هذا العصر طقس جديد إذ غالباً ما يتم تحت سمع وبصر

عدسات التلفاز والكاميرات المحمولة فيجعل الذاكرة تختزن صوراً

مقززة لأجساد تئن تحت الذبح أو السلخ أو التعذيب المنهجي المنظم

فهل أصبح من نصيب عصرنا أن نكره العلم ونحن نراه يوظف لأغراض

وحشية تمحو مزاياه في خدمة التطور البشري وسعادة الإنسان.. ونحن

نراه يعزز سطوة القوة المدعومة بالوسائل المتطورة ويدفع بالمزيد

من البشر إلى حتفهم وموتهم القسري؟