ناقصات عقل ودين

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

كتاب ليحيى جابر دفاعاً عن المرأة

ألقت المرأة بما ثقلت من الموروثات الجاهلية قبلها وبعدها، على عاتق الباحث يحيى جابر، فقام ناهضاً ناقداً ومدافعاً بشراسة عن المرأة وإنسانيتها، وجاء بكتابه ناقصات عقل ودين؟! الصادر عن دار أبعاد لينقد الموضوعات التي تثير تساؤلات مشروعة ومحقة تحتاج إلى أجوبة، فاستفاض بالأدلة والبراهين غير المرتجلة، مستنطقاً الدين من خلال الأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد (ص)، ومستنبطاً مجتهداً في استقراء النصوص، بعيداً عن الأساطير والتقاليد.

ويهدف جابر إلى تنقية صورة المرأة من الشوائب والعودة بها إلى الأساس إلى المرأة الإنسانة التي خلقها الله كما خلق الرجل، وإلى التوازن العقلي والمساواة بالإنسانية بين الذكر والأنثى، فكلاهما إنسان وخليفة الله في أرضه.

ولأن المرأة ليست ناقصة عقل ودين كان كتاب جابر كمحاولة لرفع الظلم الواقع عليها، ولكي لا تكرس النظرة الدونية للمرأة من قبل بعض الفقهاء والمؤسسات الدينية كافة التي اتبعت تمييز الرجل تفاضلياً في الحقوق والواجبات، وما استتبع ذلك من قراءات وأحاديث تحملها وزر الخطيئة الأولى، ومن أنها فتنة، وشر لا بد منه.

كما وينقد جابر ثقافة المجتمع الذي يعد نفسه تقدمياً، الذي جعل من المرأة مادة إعلانية، إغرائية، تسويقية، ومجرد أداة وسلعة. وعلى ذلك تتكامل الثقافتان في الحط من قدر المرأة كإنسان، وتنال من مكانتها ودورها وكرامتها في إعمار الحياة..

وتندرج محاولة يحيى جابر هذه في سياق التفسير والتحليل والمقارنة والنقد، فيقسم حديثه إلى مستوى التجربة التاريخية من ناحية نظرتها إلى المرأة، ومستوى المقارنة بين النص والحديث.

أولاً: قدم للتجربة التاريخية بتمهيد مستعرضاً حركة الفكر في التاريخ والمقارنة بين أهل الرأي بزعامة المعتزلة، حيث كان الاجتهاد بالرأي والنظر العقلي في مسائل التشريع، وأهل الحديث ورائدها أحمد بن حنبل، وتسمى مدرسة النقل وهي بخلاف أهل الرأي حيث بالغ بعضهم وجعل الحديث مقدماً على القرآن نفسه.

بعد هذا التمهيد استعرض جابر التصور الديني للمرأة في التاريخ والحضارات، بدءاً من المجتمعات القديمة قبل ظهور الرسالات، حيث عانت المرأة ظلماً كبيراً وعوقبت، ثم مجتمع اليونانيين حيث حرمت المرأة من التعليم تباع وتشرى في الأسواق، إلى بلاد ما بين النهرين الذين احتقروا المرأة واعتبروها أنها لم تخلق إلا لإسعاد الرجل.

ثم استعرض تصور المرأة في التوراة الملحقة والتابع للرجل لأنها عصت وصية الرب الإله وارتكبت الحرام فوقعت وأوقعت معها زوجها في الخطيئة.

إلى المرأة عند العرب في الجاهلية: حيث النظرة التشاؤمية من ولادة الأنثى، وكانت بعض القبائل تئد بناتها عند ولادتهن.. والعرب مثل غيرهم كانوا يفرحون بالولد الذكر ولا يقرون الاختلاط بين الرجال والنساء لأن المرأة ليست نداً للرجل.

كما واستعرض جابر صورة المرأة في التاريخ وبالأخص في الجاهلية ليقول بأن بعض تلك السلوكيات ما كان يستطيع الإسلام في سنواته الأولى أن يغيرها دفعة واحدة، ولعل بعض الأحاديث والتقاليد ما زالت إلى يومنا هذا وقد تغلغلت في نفوس البعض وتناقلت عبر الأجيال.

ثانياً: المرأة في الفكر الإسلامي والتناقض بين القرآن والحديث:

يرى جابر أن هناك تناقضاً بين الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) حول المرأة، وبين النص القرآني، فالمرأة بموجب الأحاديث لم تخرج اطلاقاً عن التصور التوراتي باعتباره أن الرب الإله خلقها من ضلع آدم والأضلع عموماً بها عوج أي لا يوجد فيها استقامة، والتبعية للذكر الذي عليه أن يقبلها كما هي، لذلك لا يتعجب جابر بأن تعد النساء في ثقافة واضعي الحديث ناقصات عقل ودين وافتروا على رسول الله ونسبوا هذا الحديث إليه، فجاء عن عبد الله بن عمر عن النبي(ص) أنه قال: يا معشر النساء تصدّقن وأكثرن من الإستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت إمرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار، قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن. قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلّي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين (صحيح مسلم ـ 132). وهذا بالطبع يناقض ما جاء في القرآن الكريم من تكريم للإنسان ذكر وأنثى، وهذا الحديث من مظاهر الافتراء على النبي (ص) كما رأى جابر والكثيرون، ومن الافتراء أيضاً أن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى بشهادة النصوص القرآنية كما جاء في سورة النحل آية 65: قل لا يعلم من في السموات والأرض والغيب إلا الله وفي سورة الاعراف آية 188: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير.. وفي الحديث عن النبي جاء ما يناقض حديث ناقصات عقل ودين، حيث يقول: النساء شقائق النعمان، ويقول: ما أكرمهن إلا كريم وما أبغضهن إلا لئيم. ويستشهد جابر بمعاملة النبي (ص) لزوجته خديجة حيث أودعها سره عندما نزل عليه الوحي لأول مرة فوجد فيها الثقة والعون والطمأنينة.. فكانت أول نفس آمنت، وكان شديد التقدير للمرأة كأم وهو القائل: الجنة تحت أقدام الأمهات، وهو الذي فضل البر بالأمهات على البر بالآباء.

وفي مسألة سطوة الأحاديث والتقاليد والأعراف سئل المرجع والفقيه السيد محمد حسين فضل الله حول انتقاد الفقهاء المجددون في فقه المرأة لمرجعية العرف الاجتماعي في فهم النصوص الدينية، كما انتقدوا عدداً من الأحاديث لأنها ضعيفة أو معلولة سنداً أو متناً، ويرون أن أي اجتهاد معاصر يجب أن يتحرر من اجتهادات القدامى، وإعادة النظر في قراءة الأحاديث والروايات.

فكان جواب السيد فضل الله: أنه علينا أن ندقق في العرف الإجتماعي، ومدى تأثيره على ذهنية المجتهد في استنباط هذا الحكم أو ذاك، وهكذا لا بد لنا عندما نريد أن ننسب شيئاً إلى الرسول (ص) من أن نوثق هذه النسبة، بأن تكون المصادر لهذا الحديث أو ذاك الحديث، مصادر موثوقة، أما إذا كان الراوي ضعيفاً، أو كان مختلطاً، فمن الطبيعي أن نتحفظ في أخذ فكرة استنتاج الحكم الشرعي أو المفهوم الإسلامي من هذا الحديث، لأن نسبته إلى الرسول لم تثبت على الوجه القطعي. وورد عنه أيضاً بأن أي مسألة يجب أن تخضع لاعتبارات علمية، تنطلق من الكتاب والسنة، مع تأكيد الاتفاق على أصول تصحيح النصوص الواردة في السنة، بطريقة علمية أيضاً، ولكن المشكلة لدى الكثيرين من الذين يجتهدون سلباً بالنسبة إلى المرأة، كما في الذين ينكرون عليها أن تتعلم، وينكرون عليها أن تشارك في القضايا العامة، بل وينكرون عليها حتى إنسانيتها، في عقلها وفي موقفها الفكري والإنساني.. إن المشكلة تنطلق من عنوان التخلف في فهم الكتاب والسنة، أو الاعتماد على بعض الأحاديث من دون مقارنتها بالأحاديث الأخرى. (راجع كتاب الإجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل).

وقد يكون التمييز بينهما تبعاً للاحاديث التي تسلب المرأة حقوقها وجعلها دون الرجل وأداة للمتعة والتوليد والمكوث بالبيت يعود إلى فقدان العدالة الإجتماعية ككل، وإلى غياب الأخلاق ووضع العراقيل لعدم وصول بعض المجتهدين عبر محاولاتهم لخلاص الإنسان من العبودية. وقد تكون المكابرة والمصلحة في بعض الاحيان والمنافسة غير المشروعة هي التي تبقيهم على عنادهم والبقاء على ما جاء به السلف من أحاديث.

أما المرأة في القرآن، يقول الله تعالى: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها (الزمر آية: 22)، وقوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات: 13). واستناداً إلى هذه الآيات وغيرها.. يبدو جلياً أن المرأة ليست ملحقاً أو تبعاً أو قاصراً أو معوجاً أو ناقصة عقل ودين، إنما هي ندٌ للرجل من نفس واحدة.

ومن خلال النصوص يعيد جابر مناقشة عناوين رئيسية تخص المرأة منها:

الرجال قوامون على النساء والثاني في الميراث: للذكر مثل حظ الانثيين والثالث في الشهادة: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان.

ويبدو أن جابر حاول أن يناقش هذه النصوص لينقدها، لأنه اكتفى بآراء بعض الفقهاء السلبية في تفسيرها، وأصحاب النظرة المحدودة فيها، رغم أنه كان قد راجع تفسير العلامة السيد محمد حسين فضل الله في مسألة تحريم المصافحة دون غيرها من المسائل، مع العلم بأن للسيد آراء متقدمة جديدة في هذه الموضوعات وتفسير هذه النصوص مما لا ينقص من قدر المرأة شيئاً، إن من ناحية قوامة الرجل على المرأة، أو في العمل السياسي، أو في الميراث، أم في الشهادة وكلها تفسيرات علمية وموضوعية ترفع من قدر المرأة وتحثها على الانفتاح والخروج إلى العمل جنباً إلى جنب مع الرجل. وأكثر من ذلك فالسيد فضل الله يرى بأنه لا مانع عنده إذا بلغت المرأة مرتبة الإجتهاد من أن تكون في موقع المرجعية، ويؤخذ برأيها وأن يرجع إليها في الإفتاء، وهو من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم. وكذلك في تولي المرأة القضاء، ويتحفظ على الحديث الذي يقول: لا تُولى المرأة القضاء.

ومن الطبيعي جداً أن يكون الاختلاف في الاجتهاد بحسب الزمان والمكان مرتكزاً على اختلاف الثقافات البيئية حينها، ولا بد من دراسة جديدة وتأويل عقلي علمي منطقي من قبل الباحثين ودراسته من جميع جوانبه وقواعده العلمية.

وربما على المرأة أن تنسى نفسها بأنها امرأة، وتصبح ذات نفس إنسانية، كإنسان ماهيته العقل والعلم والعمل، تتقوّم ماهيتها بإنسانيتها وإرادتها بثقل صفاتها الأخلاقية والعملية، وبذلك تصبح نداً للرجل ولعل حينها ينسى الرجل أيضاً بأنها امرأة يلحق بها بالموروث الجاهلي، والنقص العقلي أو الديني 

سنا الحاج