الحريرية بديل  أيار

العدد الثامن والخمسون - نيسان 2011
الاحد 7 آب (أغسطس) 2011.
 

هل بدأت نهايةثالوثها؟

دأبت مراكز القرار في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة الاميركية على تثبيت قواعد استراتيجياتها القديمة فيما يخص عالمنا العربي، وتخصيصاً في لبنان وسورية وفلسطين وحديثاً العراق القائمة على ضرورة صياغة مخططات التقسيم والتفتيت وخلق حالات التناحر الطائفي والمذهبي وتعريض السلم الاهلي الى حروب تتناوله في الصميم، مصحوبة بحالات انعدام الوزن في السياسة أو الاقتصاد او لكليهما. فإذا ما اخذنا وجود الدولة اليهودية في قلب هذه الامة، وبالتالي مصالحها في تعزيز دينامية التفتيت والتقسيم هذه، يتكشف لنا بصورة واضحة، رغبة الغرب الدائمة وممارساته الهادفة الى التناغم مع المصالح اليهودية التي هي ذاتاً مصالحه وخططه ومشاريعه.

حرب الخليج الاولى والثانية، كما يسميها الغرب، وكل الحروب اليهودية - الاسرائيلية على لبنان وسورية، واجتياح عام 1982، واتفاق 17 ايار الذي جاء عقب الاجتياح، وايصال بشير الجميل ومن بعده امين الجميل، وحرب تموز عام 2006 ما هي الا نماذج اميركية - اوروبية - اسرائيلية على هذه الاستراتيجية المشتركة بين الغرب واسرائيل.

قد يكون اتفاق 17 ايار الذي رعته الولايات المتحدة الاميركية اثر اجتياح اسرائيل عام 1982، والذي ترأس الوفد الاسرائيلي فيه ديفيد كمحي، واللبناني أنطوان فتّال، بمثابة الصدمة الأولى والكبرى، لمراكز القرار الغربية والاسرائيلية ذلك لأنه لم يبصر النور، بل تمَّ اسقاطه في الشارع، والغرب واسرائيل يدركان ماذا يعني هذا ومدى ارتباط هذا الاسقاط المدَّوي مع المزاج الشعبي العام في لبنان، فأوكل الى مراكز الدراسات في الولايات المتحدة واسرائيل بايجاد البديل عن اتفاق 17 ايار، شرط ان يكون مقبولاً على الصعيد الشعبي. من هنا جاءت الحريرية كمقدمة لبديل مقبولاً اجتماعياً وسياسياً، ولو عدنا الى كل التقديمات الاجتماعية التي حصل عليها اللبنانيون على صعيد المنح الطلابية $ 32000 منحة# ومراكز الطبابة، و$الإعاشات# والمدارس، ومدارس العنايات الخاصة، والرعاية الصحية والانسانية لذوي الدخل المحدود، التي اضحت على كل شفة ولسان، والتي دخلت في النسيج الروحي والانساني وبالتالي رسمت معايير الوفاء الاستثنائية لآل الحريري وعزّزت من رصيدهم الاجتماعي والسياسي تعزيزاً يشبه حدَّ المبالغة.

فإذا كان هذا هو الزرع، فأين ومتى يكون القطاف؟

حريرية التقديمات الاجتماعية

مقدّمة للحريرية الاقتصادية

لم تكن الحريرية الاقتصادية في يوم من الايام، تلك الفكرة التي قامت على فكرة ابداعية في الاقتصاد او ادارة شؤون الانتاج والمال بل جل ما فيها تجربة رجل - فرد، اثبت نجاحاً في دولة خليجية هي السعودية، عبر شركات تعنى بشؤون الاعمار اهمها شركة اوجيه السعودية، بما تحمله شركات من ذلك النوع، من اوجه ثابتة في عالم الصفقات، والمناقصات بالتراضي، والمحسوبيات ورضى الطبقة السياسية الحاكمة، والحصص المستورة التي تلحظها بنوك الداخل السعودي أو الخارج في اوروبا او جزر الكاريبي هذه التجربة التي نقلت تفاصيل تجربتها السعودية الى لبنان الخارج من حربه الاهلية في بداية التسعينات 1991
-  
1992، وأسست شركة أوجيه لبنان. والتي بدأت بما يدهش ذلك الشعب الذي انهكته الحرب من رؤية عدد هائل من الاليات التي دأبت على تنظيف بيروت من اثار الحرب. ليلاً ونهاراً. وبسرعة قياسية حيث بدا واضحاً القدرات المالية الهائلة خلف هذه الشركة.

اما الانتقال من مرحلة التنظيف الى مرحلة البناء، فكان يعوزه الدعم السياسي والامني والعسكري في بعض الاحيان، وقد توفر للحريرية الاقتصادية، هذا الدعم من رجل القرار الامني والسياسي في تلك الاثناء، العميد الركن غازي كنعان. الذي وفر للحريرية الاقتصادية، حرية الحركة على الارض، وبالغطاء السياسي اللبناني المطلوب. وقد ذهبت هذه الحركة في ابداعاتها حداً تجلى بأكبر سرقة ممنهجة منظمة هادفة، لوسط بيروت التجاري، قائمة على الغاء الحقوق الفردية للناس، في عقاراتها واملاكها، وللأوقاف، والجمعيات، واستبدالها بحصص في شركة أسموها سوليدير، هذه الشركة التي نمت بفعل انشاءاتها في بيروت، واكثر في المسافات التي ردمتها في البحر، في النورماندي وما سمي في البيال.

كما ذهبت الحريرية الاقتصادية حدّ الابداع في قوننة هذا النهب وتأمين كل الترتيبات القانونية، حيث تبدو هذه السرقة الكبرى لبيروت ولبنان، وكأنها هدية إلهية من اجل اعمار البلد وتحضير بيروت الى افضل مستقبل في عالمنا العربي. على صعيد البنى التحتية، والطرقات، والجسور، وقد تم لها هذا في ظلّ قيادة سياسية ضعيفة اثناء توليّ الرئيس الياس الهراوي، الذي هو نفسه كان نزيل البيت الحريري بانتظار ترميم القصر الجمهوري، والذي انعمت الحريرية الاقتصادية على لبنان وناسه وعباده، بإعماره وإعادته قصراً لائقاً قابلاً لاستقبال ضيوف لبنان الكبار.

اما أخطر ما في ابداعات الحريرية الاقتصادية، هي في اقناع الناس ان الحريرية الاقتصادية بنت بلداً جميلاً، وشبكة طرقات حديثه، ومطاراً دولياً راقياً. وشركة عالمية تعنى بشوون النفايات ولمّها وتحسين صورة البلد، بمشهدية العربات الخضراء، والعمال باللباس الاخضر، شركة اسمها سوكلين والتي تقتطع فاتورتها من ارصدة البلديات مباشرة كما تقتطع للحريرية السياسية حصتها والتي تفوق 150 مليون دولار سنوياً.

والأدهى في هذه السياسة الاقتصادية، هي تلك القروض الداخلية والخارجية، التي ابرمتها الحريرية الاقتصادية، بحجة الاعمار والتي انتهت في يومنا هذا الى حدود الـ60 مليار دولار، وحيث بدا واضحاً ان المال المصروف على لبنان وعاصمته لم يتجاوز الـ4 مليارات في حين ذهب الباقي الى جيوب الحريرية، وازلامها، والمستفيدين.

اما لماذا القروض، فهذا يعود الى الدور الموكول لهذه الحريرية من دوائر القرار في العالم الغربي برعاية عربية واسرائيلية لها علاقة بدور لبنان من مسألة الحل السلمي والمقايضة التاريخية لتوطين الفلسطينيين في ارضه مقابل شطب الديون وايفاء القروض.

الحريرية الاقتصادية

مقدمة للحريرية السياسية

حتى العام 1992 واتفاق الطائف الذي انهى الحرب اللبنانية، كان رفيق الحريري مندوباً سعودياً وأحد أهم الفاعلين على صعيد تنفيذ هذا الاتفاق. وخلال مؤتمر الطائف لمع إسمه وبدأ يتم التداول فيه، وقد أضافت الدكتوراه الفخرية التي منحته إياها إحدى الجامعات الاميركية اضافة جديدة لهذا اللمعان المدوزن. اما الاضافة الكبرى فكان وصوله الى سدة رئاسة الحكومة في لبنان في ظل رئاسة الياس الهراوي، والراحل حافظ الاسد في سورية، وكانت ثروة الرئيس الحريري تقدر آنذاك بـ مليارين دولار.

لقد كانت السمة الاساس للحريرية السياسية هي انها الراعية الكبرى للفساد، فقد أدخلت هذا الوباء الى عالم السياسة والسياسيين، عالم الاقتصاد والاقتصاديين، الاعلام والاعلاميين، ادخلته الى شرايين حياتنا على تشعب حالاتها واحوالها.

الظاهرة الاخطر في كل هذا، ان الطبقة السياسية باتت مدفوعة الاجر فغابت عنها وظيفة المراقبة والمحاسبة لصالح الوظيفة الجديدة أي القبول بالاملاءات والسكوت عن الصفقات الكبيرة بدءاً من سوليدير وانتهاءاً بسوكلين، وما استتبعت هذه من مواقف سياسية غب الطلب من قبل هذه الطبقة السياسية في خدمة الحريرية السياسية ومشاريعها في لبنان. ولم يشذ عن القاعدة حملة الافطار القومية والتقدمية، والفكر اليساري من هذه الطبقة التي بدَّلت وغيرَّت في مواقفها ومواقعها، بدءاً من موافقتها على نهائية الكيان اللبناني، وانتهاءاً باقتراحها مشاريع قوانين للاصلاح المدني والاجتماعي والاحوال الشخصية ومن ثم تلجأ للتصويت ضدها في ساعة الحسم المدوزن على وقع تلك السياسية الحريرية البشعة، اما اليساريون الآخرون فباتو كتبهة وشعراء ورجال اعلام وقانون عند هذه الليبرالية المتوحشة وسلاطينها.

هل نحن في لبنان، وبعد سقوط حكومة سعد الحريري، وتكليف الرئيس نجيب ميقاتي، امام مرحلة أفول لهذه الحريرية، ام أن ثالوها اعتى من أمنياتنا