العدد السابع-كانون الثاني2006

الألم في التجربة الإنسانية.

السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 
لقد تنبه العالم منذ أقدم العصور إلى الحاجة للتحرر من ذلك العبء الأبدي الذي رافقه منذ وجوده، وهو الألم.

تلك الظاهرة غير المفهومة حتى يومنا هذا تماماً رغم المحاولات الجادة في

هذا المجال، وذلك بسبب عدم القدرة على الجمع بين العناصر الجسدية

والنفسية التي يتكون منها الألم.

ويبدو أن الإنسان اعتاد عليه وأصبح تجربة مألوفة جداً وعادية

تماماً حيث أننا نادراً ما نتوقف عنده ونخضعه لنقاشات جديدة أو

لكي نحدده.

ورغم المحاولات لفهمه نجد أن حتى المختصين لم يجدوا تعريفاً دقيقاً له

ولكن نعرفه من مميزاته الحسية الأكيدة وامتلاكه لمواصفات تتعلق

بالعاطفة وبعض المحفزات الأخرى.

أحياناً تكون هناك إصابات فيزيولوجية حقيقية لكنها تحدث دون

الشعور بالألم وهناك حالات أخرى إذ يعترينا شعور بالألم دون إصابات

جسدية.

والألم هو تجربة شخصية على علاقة بالتعلم الذي تمارسه الثقافة

وبالمعنى الذي تتخذه الوضعية التي يتعرض فيها الشخص للألم..

وبعوامل فردية بشكل جوهري.

ليس المرض وحده هو الذي يثير إحساسنا بالجسد (فالقلب والمعدة

والرئتان وغيرها تثير فينا الانتباه بمعزل عن المرض، هناك وضعيات

من حياتنا العادية تجعلنا نشعر بجسدنا بطريقة مشابهة فالجسد كثيراً

ما يفلت من سيطرتنا ولا نعود نفعل حياله شيئاً سوى تسجيل ما يحصل

له من متغيرات كما يحصل عندما نتألم. تحدث عندها صلة ما لا نستطيع

مغالبتها على مستوى بعض الوظائف النباتية للجسم.. فهذه الصلة

كأنها نوع أو طريق أو قناة تصل بين أنواع الألم (أقنية الدمع أو

بين الخوف ووتيرة ضربات القلب)

والألم ليس عكس اللذة بل هو كاللمس. فحتى السطحي منه يكون من

موضع يقع تحت حافة سطح الجلد الظاهر.. وبهذا يتضمن الألم الشعور

بأننا تعرضنا لعنف ما، لشعور بالكدر والمعاناة. كما أن ما هو

مضنٍ لا يؤلم إلا إذا كان يحمل الألم لمجرد الألم أما إذا كان للتعب غاية

فإنه لا يؤلم، لأنه يتضمن الشعور بالمشاركة أو بتحقيق الذات.

بينما الألم المجرد لا يحمل أي نشوة مرتبطة بغاية تجعلنا نقبل التعرض

له من أجلها كما يفعل المغلوب من أجل الحفاظ على حياته، ولا يصبح

الجهد ألماً إلا عندما يكون اللا توازن بين كثافته التي يثقل بها وبين

الغاية التي ننشدها كبيراً وواضحاً. وهذا ما يورث الإحساس بالهزيمة.

إن الشعور بالحاجة يخلق انزعاجاً عادة، ويسبب عدم اطمئنان وعدم

قدرة على الراحة.

ويحدث الألم الجسدي تغييراً مباشراً في البنية الجسدية والنفسية للجسد

والبنية (الليبيديو) لنموذج الجسد حيث تتجمع الطاقات وتحتشد في

الجزء المتألم ويصبح النموذج الوصفي للجسد مثقلاً (باليبيدو)

النرجس في جزئه المؤلم.

ويصبح العضو المتألم مركزاً جديداً لتعلم الجسد ويأخذ على عاتقه

الدور الذي كان عائداً للمراكز الأخرى.

وبأي حال لا يمكن الفصل بين الألم الجسدي والألم النفسي فكل مرض يصيب

عضواً معيناً يكون مرتبطاً بموقف نفسي خاص به.

منذ أن يتمكن الجسد من أن يعبر عن أحاسيسه الأولى تغلب عليه

الرغبة في السيطرة على الألم، والحاجة للتعبير عن هذا الألم وغالباً

ما يصبح الصراع بين ضد الألم محاولة جادة لنفيه.

في حال العذاب النفسي، لا يكون الألم موضع الخوف بل من هو سببه

موضع الخوف، في الألم الجسدي يكون الجرح هو نفسه موضع الألم، إنما الألم

هنا ذو المنشأ الجسدي (كالجرح في اليد) هو الذي سبب لنا الجرح

النفسي (الألم النفسي) لذا لا نشعر بالخرق فقط ينتابنا شعور

بالمتمزق.

ويمكننا القول: الكائن المتألم هو كائن للتخطي، أي تخطي الألم.

وهكذا دائماً موقف البشرية تجاه الألم موقف الإبعاد والإقصاء. بمقدار

ما يمكن القضاء عليه نرفض إعطاءه أكثر من وجود وهمي. ولكن ألا

نرى أن بمقدار هذا الإقصاء يوجد صناع مهرة للألم؟!