تكريم سايد كعدو في لقاء فاتنا عقده بحضوره

العدد الثامن والخمسون - نيسان 2011
الاحد 7 آب (أغسطس) 2011.
 

برعاية وزارة الثقافة وبمبادرة من مجلة $تحولات# نظم لقاء تكريمي للمخرج سايد كعدو الذي توفي إثر نوبة قلبية مفاجئة.

بدأ الحفل بعدد من الكلمات وتخلله عرض افلام من إعداد طلابه. الأول بعنوان $إلى سايد كعدو# نفذه رنا جبران و جاد شحرور والثاني هو مجموعة من الأفلام التي أخرجها كعدو، نفذه زين الشيخ واليسار نافع. كما وقُدم درعين تكريميين الأول من وزارة الثقافة والثاني من اصدقائه.

وقد حضر الحفل اصدقاء وأهل الفقيد 

 

 

كان مسكوناً بالابداع والتجدد

سايد كعدو حرض على التغيير ولم يركب موجته

 

لم يكن سايد كعدو يوماً سياسياً بالمعنى المتداول، بل المبتذل، للسياسة كما هو حالها هذه الايام، ربما كان سايد النقيض الكامل لمعظم السياسيين في الشكل كما المضمون، في الجوهر كما المظهر، في الغاية كما الوسيلة، في الهدف كما الاداء.

لقد كان سايد رجل مبادئ، اياً كان الثمن وكان همه ان يصل الى الناس فاختار الكاميرا ليصور معاناتهم، ويركز على قاضاياهم الكبرى، لا ليستغلها ويتاجر بها، ليحرضهم على التغيير لا ليركب موجته، ليحرك فيهم الكوامن لا ليخدر فيهم المشاعر، وليطلق داخلهم الطاقات بالاتجاه الصحيح لا ليدفعها بالإتجاه الخاطىء او المنحرف.

كان سايد مسكوناً بالابداع والتجدد رافضاً للجمود والتكلس، متمرداً على ما هو شائع وسائد من الافكار الضيقة والمتخلفة، جاداً وحاداً في ان يقول قناعته مهما كان القول مكلفاً، متحرراً من الحلقات الضيقة والحسابات الصغيرة منطلقاً الى الأرحب والاوسع من الآفاق، والأعمق والأغنى من الرؤى، لذلك كان محصناً ضد الاستعراضية والانانية والبهرجة المظهرية وحتى النجومية رغم امتلاكه لكل مقومات هذه الآفاق المؤذية في حياتنا خصوصاً بعد ان تحولت الى غايات لدى الكثيرين، وكذلك كان متفانياً في عطائه، بسيطاً في علاقاته، مخلصاً في صداقاته، أنوفاً، أبياً، مترفعاً عن كل صغير وعابر.

لقد كان سايد كعدو من جيل فهم السياسة رسالة، والعمل العام مسؤولية فكرية واخلاقية، فسكنته القيم، استنبد به التوق الى التغيير، فملأ حياته ابداعاً، وقدم لمجتمعه نموذجاً مميزاً في العطاء، فكان خطابه جامعاً بين وضوح القصد ورهافة التواصل، وبين الرؤية العميقة والصورة المباشرة، بل كان بهذا المعنى رسالياً، ولا اقول سياسياً، في السينما، وسينمائياً في السياسة وطلب التغيير.

وكم يحزّ في نفوس محبي سايد وعارفيه ان تبدأ موجة التغيير الشعبية العربية وسايد ليس موجوداً ليواكبها بروحه قبل عدسته، وبحدسه قبل افلامه، فهو كان ينتظرها او يعدّ لها، فلم يكن من الصدفة ابداً ان يكون عنوان فيلم سايد عن جمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو في مصر هو $ارفع رأيك يا أخي# هو ذاته الهتاف الاكثر دوياً في ميدان التحرير في القاهرة، وكل الميادين في مصر: ارفع رأسك يا اخي فوق... انت مصري...

وكم يحز في نفوسنا كذلك ان يغيب سايد فيما طلائع من شباب لبنان تحمل افكاره المناهضة للطائفية والفساد والانقسام وتملأ الشوارع والساحات بمسيراتهم واعتصاماتهم.

كان لدى اعداده فيلم $ارفع رأسك يا اخي# يقول $ان افضل من يستطيع ان يؤدي دور قائد عظيم كجمال عبد الناصر هو عبد الناصر ذاته... لذلك فليكن فيلمي عنه وثائقياً لان الافلام الاخرى، مهما نجح ابطالها، تبقى قاصرة عن نقل صورة القائد المميز...#.

وكذلك الامر يوم الحصار الاميركي على العراق، كنا نحن ننظم حملات التضامن، نركب الطائرات لكسر الحصار الجوي، وكان هو ينسل بكاميراته البسيطة الى عمق الجرح العراقي، وقد بات اليوم جرحاً عربياً وانسانياً شاملاً، فيصور مشاهد حيّة للانسان العراقي تجمع بين مرارة الواقع وحلاوة التصميم على قهره... لم يخذل العراق، بمقاومته الباسلة، وثورته الشعبية الاجتماعية، احلام سايد التي حوّلها الى $تقاسيم من بغداد# واستمع الى انغامها الملايين من العرب وغير العرب بعيونهم وقلوبهم قبل الآذان.

حروب الصهاينة العدوانية على لبنان عام 1982، وعام 1996، وعام 2006، بكل ما فيها من وحشية ودموية وإرهاب وإجرام، لم يتركها سايد مجرد كلمات في خطب وقرارات في محافل، ومذكرات لسياسيين وذكريات لمواطنين، بل صورها بدقة المؤرخ، وحولها الى مرافعات موثقة ضد عدو تثبت الايام انه لا يفهم لغة الا لغة القوة، ولا ينفع معه الا سلاح واحد هو سلاح المقاومة...

كان سايد يضيق ذرعاً بلغة التكاذب المشترك التي تملأ صالونات السياسة وأجهزة الاعلام، فيما اصحابها يعرفون، والناس معهم تعرف انهم يعرفون، ان لغتهم الحقيقية هي لغة التحريض الطائفي والإثارة المذهبية بأبشع اشكالها، لذلك نقّب سايد في تاريخ لبنان الحقيقي غير المتداول عن نموذج حقيقي للانفتاح والدعوة الى العيش المشترك، فوجد في الإمام الاوزاعي ضالته، وحول كلماته، وشهادات ادلى بها عنه مؤمنون من أديان ومذاهب، الى وثيقة انسانية رائعة يظهر فيها، وهو المولود في بيت مسيحي ماروني زغرتاوي سمو فكر، وعلو خلق هذا العلامة المسلم المتنقل بين سهول البقاع وسواحل بيروت.

في المنتديات والمؤتمرات والملتقيات العربية والدولية التي لم يغب عنها سايد كعدو مرة، متنقلاً بين سورية والعراق، بين المغرب والجزائر، بين مصر والسودان، بين قطر والبحرين، بين تونس واليمن، بل بين اسطنبول وطهران، كان كثيرون يسألونني وقد شوهت حروبنا العبثية نظرتهم الى لبنان، ما الذي يدفع بهذا الزغرتاوي ابن العائلة المارونية المعروفة للاهتمام بالإمام الاوزاعي، وجمال عبد الناصر، بفلسطين والعراق، بالمقاومة والعروبة، بل بسلاطين بني عثمان وكان سايد يعد، قبل رحيله، فيلماً عنهم.

اما الجواب فكنا نردده عن لسان سايد: ان المبدع اللبناني هو ابن بيئة انجبت يوسف كرم صديق الامير عبد القادر الجزائري، وحميد فرنجية الذي دعا يوماً الى اضراب شمل الوطن العربي من محطه الى خليجه انتصاراً لمصر ابان معركة السويس، ورينيه معوض الذي قاوم مشروع ايزنهاور وحلف بغداد في اواسط الخمسينات ولوحق وطورد ولاذ بالشقيقة سورية، وسليمان فرنجية الذي حمل حق فلسطين باسم العرب كلهم الى منبر الامم المتحدة وقدم نجله طوني شهيداً على مذبح رفض تقسيم لبنان والعلاقة مع الصهاينة، وفي اليوم ذاته الذي كان العدو يعلن دويلة انفصالية عن جنوب لبنان لم تسقط الا مع التحرير عام 2000. بل ان سايد ابن بيئة فكرية وسياسية، لبنانية وعروبية تقدمية ديموقراطية، انجبت ابطالاً وشعراً وفنانين ومثقفين واعلاميين شكل الوطن العربي بأسره ساحة لابداعهم.

وسيأتي يوم، دون شك، ينتصر فيه مفهوم سايد كعدو للسياسة على مفاهيم غيره، الشائعة هذه الايام، بل ستطل دون شك تلك الساعة التي تشرق فيها، كما الشمس، افكار سايد العروبية والتقدمية والديموقراطية على ربوع هذه المنطقة، وما ثورات الشباب في لبنان والامة كلها الا السحر الذي يسبق طلوع الفجر، والغلس الذي يليه ممهداً لشروق الشمس 

معن بشور

 

 

امثال سايد يرحلون ولا يموتون

 ايها السيدات والسادة،

يا أصدقاء وأحبة سايد كعدو...

يكسرنا الشوق حين يحاصرنا الغياب، وتمتحننا الانواء حين يستبدُّ بنا النزيف.. ماجنٌ من يستلقي على خشبة الخلاص معتقداً انه خارج الحياة..

ولأن الحرية صراع، والموت قضاءٌ وقدر ومصيرٌ محتوم، دأب الفكر على سؤال، ما جدوآ ان نكون لنموت... جاء المخرج الراحل سايد كعدو ليؤكد غير مرة، ان الغياب قضية المعنى، لكن من منا يموت ليحظى يشرف محاولة الحياة.. فيظفر بحق الصراع وحق التقدم.

يا احبة سايد كعدو..

لن نقول رحل الصديق الذي كان بوجهه القلق يبحث دائماً عن فكرة تلده مرة تلو مرة، وحين كانت الفكرة تأتيه يشرد لهنيهات قليلة كأنه حصل على كنزٍ مؤجل في زوايا العدستين الصغيرة والكبيرة.. ويكفي ان سايد كان خارج الصغائر فأعاد ترتيب احلامه على قدر وعيه العالي في قراءة الاحداث.. وهذا ما يتضح من خلال اعماله التي انجزها، (تقاسيم من بغداد، وفيلم عن القائد الراحل جمال عبد الناصر، وآخر عن الامام الاوزاعي وغيرها).

ولكن المذهل، ان مخرج الافكار الكبيرة هذه، هو طفل يكابد اوجاعه وآماله باحلام العاشق ونقاوة الوردة، وعفوية الارض، وبراءة الحزين...

لن نقول رحل سايد كعدو، بل باغتنا، بحنينه الراقص على حافة الفكرة، وفي عمق المشهد، الذي اصطحبنا معه الى غاية جميلة تقول ان هناك اناساً يولدون، ولا يخلقون، وهناك امثال سايد يرحلون لكنهم لا يموتون...

حين قال لي الصديق الشاعر نعيم تلحوق ان سايد كعدو رحل، وان اصدقاءه يقيمون له تكريماً، اصررت ان اكون واحداً من الاصدقاء الذين يكرمون انفسهم بحضور سايد كعدو لا بغيابه، وان أُلبّي دعوة سايد والاصدقاء الى رفض الغياب وتأكيد الحضور عبر درع تكريمية له باسم وزارة الثقافة اللبنانية، يتسملها عنه اهله واصدقاؤه ومحبوه.

شكراً لحضورك سايد في قلوب محبيك!

وشكراً لحضوركم اليوم اصدقاء ومحبين... 

مدير عام وزارة الثقافة عمر حلبلب

 

 

رحيلك سايد كما عيناك

صاخباً بهدوئه حالماً بتمرده

 لم أكن في مكتبي بعد ظهر ذلك اليوم الجمعة عندما جئت مرتين ولم تجدني. فقد كنا نقيم تكريماً لأحد كبار المبدعين في الخط العربي بطرابلس.

هل كنت تريد ان تحدثني عن انجازات طلابك في قسم السينما في معهد الفنون، ام كنت تريد ان تخبرني اين صرت في فيلمك الذي تعدّه عن السلطان عبد الحميد؟ أم جئت تسألني عن شقيق روحك وشقيقي العميد محمد الايوبي الذي اجتمعتْ عليه هموم الدنيا ولم يذرف دمعةً الا عندما حملتُ اليه نبأ رحيلك، ام جئت تقول لي انّ مشوار الاربعين سنة من عمرنا قد ازفتْ نهايته؟!.

كما عيناك، هكذا كان رحيلك يا سايد، صاخباً في هدوئه، حالماً في تمرده.

كنت متردداً عندما طلبت منك ان تدرّس في معهد الفنون (لنستفيد من خبرتك ومن فنك الملتزم دون تحجّر، المحلّق دون ضياع) فقد كُنتَ تخشى ان يؤثّر التدريسُ على مسيرة إبداعكَ وان يقيّد جناحيك. وعندما طاوعتني وأنت العصيُّ قلت لي إنّ سعادةً بلونٍ جديد دخلتْ حياتك، سعادة العطاء وأن ترى هذا العطاء في اعينِ طلابك، متمثّلاً في اعمالِهم.

كنت تحدثني والفرح يغمر وجهك الطفل، عند مقدرة الطلاب وإبداعاتهم وعن مشاريعك معهم وعن ضرورة فتحِ آفاق جديدة لهؤلاء التوّاقين الى الجدّة والابداع.

كنت حاضراً بقوة في مخيلتي يا سايد، وانا اتابع تحركات الشباب الثائر في العواصم العربية، وكنت اراك تحمل آلة التصوير وتنتقل من ساحة الى ساحة مملوءاً بالفرح والامل تحاور مجموعة هنا وتناقش مجموعة هناك، فقد كنت دائماً واثقاً بطاقات شعوبنا وعزيمة شبابنا، ورأيتك في ميدان التحرير بالقاهرة تنظر الى النسر الذي صورته في فيلمك مرفرفاً بجناحيه حول ابتسامة عريضة لعبد الناصر، وسمعتك تهتف والوف الحناجر تردد وراءك:

ارفع رأسك يا اخي

ارفك رأسك يا اخي

سلام عليك يا سايد

سلام عليك 

الدكتور هاشم الايوبي

 

 

$الحرب هنا وليست هناك#... نهديك أجمل ما عندك

 

 

 

بحثنا عنك يوم الأحد كانت التظاهرة العلمانية، بحاجة الى كاميرا تلتقط تقاسيم وجوه جديدة، تسجل كلمات لغة جديدة، تبث حياة في أمل كان يابساً وعاقراً لماذا اخلفت مواعيدك يا سايد كنت، قبل تونس البو عزيزي ومصر الثورة، مستغرقاً في نسج مخيلة من صور المآسي: $زوار الصدفة# عن حرب لبنان، $بيروت #1979 الشباب اثناء الحرب، $اغنية في لبنان# عن مسيرة المعوقين، $طرق العودة# عن المهجرين في بلدهم، $قانا (97)# دم قانا الجيل على حواشي الفيلم و$تقاسيم من بغداد# العراق تحت الحصار.

كنا نريدك بيننا لتعلن $ارفع رأسك يا اخي# فها قد استجابت شعوب للنداء الذي سجلته وثائقياً في شريط عن جمال عبد الناصر. كنا نريدك بيننا، لترى شعوباً رفعت رأسها ولغتها وقبضتها، ولترى حكاماً جبناء خائفين يلوذون هرباً او دماً او قمعاً.

افتقدناك نهار الاحد في 20 آذار، كانت مسيرة كما تشتهيها، من شباب رفعوا رأسهم يا اخي، وقرروا ان يأخذونا الى لبنان بصيغة علمانية صافية لا لبس فيها.. وانت من الذين كرهوا تسمية الاشياء بغير اسمائها، كأن نستعيض عن العلمانية بالمدنية او باللاطائفية لانك كنت ترى ان الطائفية والمذهبية مذمة وجريمة، والعلمانية فضيلة ومحبة.

لم تمارس يا سايد، معي على الاقل، ومع كثيرين اعرفهم، لغة ملتبسة. كنت فجاً ومزعجاً. وتختار لغة مستفزة وساخرة، عندما تخاطبني في السياسة بلغة الامر ومن اقوالك لي بعد 11 ايلول: $غريب انت يا نصري. تشم رائحة الدماء في نيويورك، ولا تشم رائحة النفط في افغانستان، وتعمي عينيك عن انابيب النفط التي يمدها ملوك النفط الدوليون، بين القوقاز وقزوين والمحيط.. الحرب هنا وليست هناك#، ولم اكن اصدِّقك الا بعد فوات الاوان ومن اقوالك: $حرب افغانستان والعراق ليسا لسرقة النفط وتأمين تدفقه. ستأخذ النفط وستصدر لنا الارهاب ستجعل المنطقة قاعدة للارهاب، وهكذا تنجو اميركا من الارهاب الاصولي، تريد توطينه عندنا ولقد فعلت#.

ولم اصدقه الا بعد النزف ومتأخراً جداً 

نصري الصايغ

 

 

من النادرين جداً

قال كلمتين ومشى

الوفاء صفة شاملة لا يستحقها الا النادرون في نسج صداقات عارية عن كل مصلحة وأحد النادرين صديقنا سايد كعدو.

حين رحل جورج يمين مساء 21 آب 2000 ولدت عائلة من اصدقاء لاحياء ذكراه التي تحولت فيما بعد الى موعد ثقافي لان في المواعيد لقاءات وولادات اما في الذكرى فرحيل دائم. ومن العائلة كان سايد كعدو الذي ضبط ايقاع الموعد الاول على جبل سيدة الحصن في اهدن، الجبل الذي كان معلقاً عشية الذكرى بين السماء والارض يحمله شرشف من ضباب، أطل سايد مفتتحاً بكلمتين مختصرتين رافعاً يده باتجاه السماء وكأنه يوحي انه يتحدث الى صديقه من موقع سماه جورج يمين $بلكون الله#.

قال كلمتين ومشى عائداً الى صمت المراقب للموعد ومن حينها لم يغب سايد كعدو عن اي من المواعيد السنوية وفي كل مرة كان يواجهني بالقول: وتسألين اذا كنت سأحضر، انا لا أدعى الى موعد اخي بل أدعو اليه وأدعو لان يستمر هذا الموعد نقطة مضيئة على رزنامة الصيف الاهدني.

ومن الموعد الى جلسات الميدان نسأله عن جديده قد يجيب او لا يجيب فأجوبته لم تكن يوماً معلبة بل مقرونة بشيء او من فكاهة ممزوجة بوجع دائم او زهد بالكلام المألوف.

من هو سايد تسأله في اهدن اذا كان اهدنياً يجيب انا من لبنان، تسأله في بيروت اذا كان لبنانياً يجيب أنا من هذه المنطقة العربية، وتسأله في اي دولة عربية انت من اين يجيبك كمشرقي وكلما ابتعد في الجغرافيا يعود بينه وبين نفسه للاعتراف وبفخر انه اهدني لبناني عربي مشرقي أممي، لان وجع الانسان واحد وسايد كعدو التزم القضايا الانسانية وارتبط بها، فاعتنق القضية العربية ديناً وايماناً هو المتحرر من كل قيد طائفي او مناطقي او كياني.

وسايد المتحرر من كل القيود تنفس حرية كونه ابن تربة منحته هذا المخزون من الاوكسيجين ما زاده ارتباطاً بالارض التي انبتته وعليه فإنه أسس الـ Cine Club في زغرتا من شغفه بضرورة ادخال الثقافة السينمائية كما عمل على اقامة معارض للفن التشكيلي وللنحت، سنتان اختتم بها ثمانينات القرن الماضي في زغرتا ليعود الى بيروت حتى نادته إهدن جورج يمين فحضر واستحضر افكاره.

سايد كيف لي ان اخبرك والكل هنا اصحاب همّ واحد، الهم العربي، شهدت على ثورة ياسمين تونس، ولكن تونس بالرغم من اهمية ثورتها لا تروي عطش استعادة التاريخ بل انقاذ التاريخ لان عينك كما عيننا على مصر.

"ارفع رأسك يا اخي" مصر اسقطت جلاديها وثارت على من باعها في سوق العرض والطلب، انتصر حلمك في غيابك الا اذا انت من حوّل الحلم الى حقيقة حين غادرت حقيقة هذه الدنيا الى الحلم الآخر.

"ارفع رأسك يا سايد" الارض العربية تستولد ثوراتٍ من رحم المقاومة التي انطلقت من لبنان وصيف 2006 اللبناني انسحب على شتاءات الدول العربية ليحولها ربيعاً بل صيفاً بل سيفاً استلته الشعوب لتنتصر إرادتها.

كلما جان موعد جورج يمين الثقافي سننتظرك على درج الدير العتيق آتياً على عكازة الوقت الهارب او المهرّب سائلاً عنّا وعن جورج. سلام لكما لأنكما اهل السلام من منطق الكبرياء والتطرف للارض والانتماء 

فيرا يمين

 

 

طائر لم يتعبه الزمن ولم ينكسر

سايد عاش وغاب مناضلاً

 طائر لم يتعبه الزمن... حلق... غاب... ولم ينكسر.

من الجذور من اهدن الطفولة والشباب المبكر الى الحياة العامة الى ساحات النضال جمعتنا صداقة.

بلا ضوضاء رحل... فأعتقدنا انه توارى خجلاً من اجواء العصبيات الطائفية والمذهبية وهو الذي كان يردد: $... انه مهما حصل لا يمكن سجن الناس والتاريخ بالعصبيات والاستبداد والفساد#.

انساناً كان. صادقاً وفياً كان. فناناً مبدعاً كان. علمانياً ملتزماً كان. عروبياً كان.

في ظل السبات العربي والغيبوبة الفكرية وتعطيل العقل كان متمرداً مقاوماً عروبياً، ثورياً لكل الفصول تغييرياً لكل المراحل.

كان كتلة من المزايا الانسانية والاخلاقية والابداعية اغناها بفنه وعقله والتزامه قضايا الناس ومعاناتهم والوطن ومعضلاته.

صقل على امتداد الايام موهبته وحقق انجازات تحمل بصمته الواضحة اذ يمكننا التعرف على اعماله من دون توقيع... هكذا كان.

اخترق ذاكرتنا البصرية وانتج افلاماً وثائقية لا لتتحول ارشيفاً بل لتحكي معاناة الشعب اللبناني والفلسطيني والعراقي والمصري.

في فيلمه الوثائقي $تقاسيم من بغداد# نقل معاناة الشعب العراقي تحت الحصار قبل غزوه واحتلاله. كما كشف بالصوت والصورة عدوانية اسرائيل ووحشيتها بفيلمي $قانا# و$حرب تموز #2006 موثقاً جرائمها بحق اللبنانيين والفلسطينيين معتبراً ان جرح فلسطين لا بد ان يزهر انتفاضات وثورات عربية.

قد ادرك اهمية مصر ودورها فانتج فيلمه الوثائقي $ارفع رأسك يا اخي# مستعرضاً معالم مصر التاريخية وخطابات جمال عبد الناصر التي الهبت الجماهير المصرية والعربية وظروف تأميم قناة السويس وبناء السد العالي.

ابدع سايد بابراز النسر المصري محلقاً في سماء مصر... ثم يختفي.. ليعاود الظهور في نهاية الفيلم متزامناً مع صور عبد الناصر وكأنه يستشرف المستقبل بإندلاع ثورة الشعب المصري التي اسقطت حسني مبارك ونظامه.

ناضل سايد بفكره وعقله وفنه ووجدانه... عاش وغاب مناضلاً...

سايد فرنجية