سطو اليهود على تراث الرافدين

العدد 58 - نيسان 2011
الاحد 7 آب (أغسطس) 2011.
 

الآثاريون وعدم أصالة التوراة

 

يفترض أن تكون الديانة السماوية "ديانة موسى" المتمثلة في "التوراة" مادة منّزلة من عند الله دون شوائب بشرية، بمعنى آخر أن تكون مادة التوراة صافية وليست مأخوذة أو منقولة من أفكار وقصص ومعان موجودة في آداب وثقافات وأساطير حضارات الشعوب السابقة التي سبقت ظهور موسى نفسه ربما بآلاف السنين. وهنا نحاول أن نستعرض ونتلمس مادة التوراة في بعض أسفارها، ونبحث في أصول بعض الافكار والمواضيع والمضامين والقصص التي تتضمنها للوقوف على عدم أصالتها، وعلى مصادرها البشرية، وهي النتيجة التي اوصلنا اليها عصر المكتشفات الأثارية في القرنين الاخيرين وفك رموز الكتابات واللغات السومرية والاكادية والرسوم المسمارية، وجهود علماء الآثار والتاريخ والنتيجة التي سنراها هي ان ما جاء باسفار التوراة واسفار العهد القديم هو إما نسخ أو نقل أو اقتباس أو تحريف من شرائع ومقولات واساطير وآداب من أصول قديمة مرتبطة بتاريخ وثقافات وحضارات السومريين والبابليين والاكاديين والكنعانيين والمصريين وغيرهم، بما فيه الاساسيات التي قامت عليها التوراة مثل قصة الخلقة، وقصة آدم وحواء، وقصة قائين وهابيل، وقصة الطوفان والشرائع والحِكم والامثال.

ومن وحي الاعتراف بهذه الحقيقة وانكشافها على قواعد واسعة من العلماء والآثاريين والباحثين فقد اضطر علماء اللاهوت وطابعو $العهد القديم# اخيراً ان يشيروا إلى تلك الحقيقة في مقدمة الطبعة الجديدة من التوراة في المدخل إلى سفر التكوين باسلوبهم الخاص حيث جاء فيها ما يلي:

$لم يتردد مؤلفوا الكتاب المقدس ـ وهم يرون بداية العالم والبشرية ان يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تقاليد الشرق الادنى القديم ولا سيما من تقاليد وادي الرافدين (بين النهرين) ومصر والمنطقة الكنعانية، فالاكتشافات بين الصفحات الاولى من سفر التكوين وبين بعض النصوص الغنائية والحكمية والليترجيه الخاصة بسومر وبابل وطيبة واوغاريت#.

ان وضعية مادة التوراة الحالية وبراءة موسى منها بما فيه الاسفار الخمسة قد شهد به بالتعليل علماء وكتَّاب وباحثو الغرب انفسهم، فلم يعد خافياً عليهم عدم اصالة الكتاب واحتوائه على ثقافات الآخرين. ولكن المتعصبون منهم عندما يعثرون على أصول تاريخية وآثارية لما ورد في التوراة في حضارات وثقافات الشعوب السابقة فانهم خوفاً من الاحراج والوقوع في مشاكل حساسة يعمدون للقول بان تلك المكتشفات جاءت مطابقة للتوراة وليس العكس. ويتجاهلون حقيقة ان الأحدث يكون منسوخاً أو مقتبساً من الاقدم، وانه في حال عدم الاشارة للمرجع أو الاقتباس يصبح الأمر سرقة. ولكن الجريئين منهم حتى ولو كانوا يهوداً فانهم يعترفون بان التوراة في شكلها ومضمونها الحالي ليست اصيلة وليست منسقة مع ما جاء به موسى وان مادتها ليست سبقاً لكتبة التوراة.

وقد جاء في مقدمة الكتاب المقدس من الطبعة الكاثوليكية لعام  ما نصّه: $فما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد ان موسى ذاته كتب كل تلك البانتاتيك منذ قصة الخلق إلى قصة موته. كما انه لا يكفي ان يقال ان موسى أشرف على وضع النص الذي دوّنه كتبة عديدون في غضون اربعين سنة، بل يجب القول انه يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية#.

ومن الاهمية بمكان، الاشارة إلى ان السرّاق من كتبة التوراة وجميع اتباعهم من المسبيين ما كان لهم ان يكتبوا ما كتبوه قبل وجودهم في السبي في بابل والاختلاط مع شعوبها والاطلاع على حضارتها. فتلك الجماعات المسبية إلى بلاد الرافدين على يد الاشوريين والكلدانيين والتي اطلق عليها اسم اليهود ولم تكن قبل وصولها بابل وكتابة التوارة جماعات مثقفة ومتحضرة ومطلعة لتكتب توراة في شكلها الحالي، بل كانت جماعات بدوية متخلفة حضارياً إلى حد الهمجية لا سيما قياساً بالبابليين والاشوريين والكلدان كشعوب كانت متمدنة. بل ان الباحث البريطاني هربرت جورج ويلز (
-  

) ذكر بكتابه معالم تاريخ الانسانية: $ان اليهود ذهبوا إلى بابل همجاً ولا شك ان ذلك يعكس واقعهم الحقيقي المتخلف والهامشي في بلاد كنعان#.

ان هذا يعني ايضاً انهم لم يكونوا مؤهلين ليكونوا اصحاب فكر وثقافة وحضارة ولم يكن لديهم ما يؤثروا به أو يضيفوه على ثقافة وحضارة البابليين والكنعانيين ولا حتى كانوا مؤهلين للتعايش مع تلك الثقافات كجماعات همجية وبالتالي فكل ما تنسبه تلك الجماعات (اليهود) لنفسها في تلك الازمنة هو محل تساؤل وبحث وانه لا بد وان يكون مسروقاً أو منتحلاً من تلك الحضارات القديمة أو مدّعى به.

سرقة أساسيات التوراة من حضارة بابل

ان نماذج التشابه أو التطابق كثيرة بين القصص والاحداث والنصوص والمعاني التي وردت في التوراة والعهد القديم وبين تلك التي وردت في المصادر المشار اليها وجميعها تمثل حضارات وآداب وثقافات واساطير امم وجدت قبل موسى وقبل كتابة التوراة الحالية بآلاف السنين، وقد شمل ذلك كل أو معظم ما جاء بالتوراة لا سيما الأساسيات التي بنيت عليها مثل قصة الخلق وقصة الطوفان وقصة آدم وحواء وغيرها من القصص والاحكام والشرائع، وهو ما يعني ان التشابه هذا هو في واقعه نقلاً واستنساخاً وربما كما يصفه البعض سرقة أدبية اكثر من كونها اقتباساً طالما ان كاتبوها جاؤوا بها من الامم الاخرى ونسبوها لانفسهم.

ومن الاهمية هنا ان الفت النظر إلى ان كتبة التوراة قد اكتفوا بذكر الخلاصات أو النتائج لتلك القصص ولكل ما هو موجود في حضارات وثقافات الآخرين مع وجود النسخ الحرفي لكثير من الاصطلاحات والفقرات والنتائج حيث لو قاموا بالنسخ الحرفي الكامل لتلك الاساطير أو التوسع في النقل لكان يلزمهم مجلدات ومجلدات تختلط فيها التفصيلات ولا تعد تصلح لان تكون كتاباً منّزلاً. وعلى سبيل المثال فان قصة الخلق وقائين وهابيل عند السومريين والبابليين كلها جاءت في ملاحم طويلة وواسعة بالتفصيلات. لكن كتبة التوراة اخذوا من كل قصة بضعة اسطر أو خلاصات ناقصة على شكل نتائج فقط. ويمكن ذلك تشبيهه بموجز الاخبار ولكن في شكل مبتور.

إننا اذا اضفنا المستنسخات والمقتبسات ما يملأ النصوص التوراتية من التناقضات والخلط التاريخي والاختلافات ومجافاة الواقع وعبارات التمييز العنصري والفساد والعنف فسنصل في الامر الذي يعنينا هنا، وهو اذا كانت كل تلك المادة غير الاصلية والمسروقة أو المختلفة قد شكلت ديانة ما وتحت اي اسم فانها ليست ديانة سماوية ولا هي حتى ديانة وضعية من قبل فلاسفة عقلاء أو مصلحين كما تشير اليه مادتها في كثير من الوجوه التي بيناها.

ويلاحظ بعض الكتَّاب بان اسفار التوراة قد توزعت في السرقة والانفتاح على تلك الثقافات حسب الفترة التاريخية فكما انفتحت اسفار التثنية ويشوع واشعيا والمزامير على الحضارة الكنعانية انفتح كتَّاب سفر التكوين على حضارة وادي الرافدين وانفتحت أخرى على الحضارة المصرية.

وعليه فانني ولغايات التأكد من بشرية وسرقة المادة التوراتية، فان الأمر يتطلب عقد نوع من المقارنة وطرح أمثلة لما ورد في التوراة والعهد القديم مع ما يشابهه أو يتطابق معه في الحضارات التي سبقت وجود موسى ومن قبله ومن بعده من اليهود بمئات السنين بل الآلاف، مبتدئين بحضارة وادي الرافدين ثم الكنعانيين وبالأخير المصريين القدماء  

 

Text Box:  

الاب الدكتور سهيل قاشا