ميلاد المسيح: منعطف تاريخي نحو تشكيل الامة

العدد الثامن والخمسون - نيسان 2011
الاحد 7 آب (أغسطس) 2011.
 

المسيحية تمثل الجهاز العصبي للجسم العربي

 

نشرت تحولات في العدد الماضي الجزء الاول من مقالة للكاتب اللبناني جورج حداد عن ميلاد السيد المسيح وانتشار المسيحية، وتفاعلها الاخوي بين الشعوب القديمة التي تشكل منها عالم الشرق الادنى وشمال افريقيا، ودور هذه الحركة في تكوين الامة العربية الواحدة. وننشر في هذا العدد الجزء الثاني والاخير.

 

الإنتشار المسيحي:

أ ـ الرعاة:

وتحدثنا الرواية المسيحية (إنجيل لوقا) انه كان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البادية يسهرون على رعيتهم في هجعات الليل. وان ملاك الرب ظهر لهم وأنبأهم بولادة السيد المسيح. وأعطاهم الملاك علامة محددة وهي انكم تجدون طفلاً ملفوفاً مضجعاً في مذود. وذهب الرعاة وسجدوا له. أي بفصيح العبارة ان السيد المسيح هو بالتحديد مسيح الفقراء، وان الفقراء هم ركيزته الأولى.

من هم هؤلاء الرعاة؟

ربما كانوا يهوداً عبرانيين، وربما كانوا كنعانيين، وربما كانوا بدواً. فالعبارة قد تفيد الفئات الثلاث. وحتى لو افادت الفئات الثلاث معاً، فإنها أيضاً تفيد وجود إنسجام وتفاهم فيما بينهم؛ كما تفيد أنهم كانوا ينتظرون مجيء المسيح ـ المخلص، وليس المسيح ـ الملك، ومن ثم كانوا ينتظرون مجيء المسيح الفقير. وهذا ما اكده لهم ملاك الرب، فذهبوا وسجدوا له.

وهذه الرواية تؤكد على انتشار المسيحية في محيط بيت لحم وفي البادية القريبة، قبل ومع وبعد ولادة السيد المسيح. والالتباس الوارد في الانجيل حول قومية الرعاة يدل ان المسيحية كانت قد بدأت بالانتشار بين مختلف الفئات، بما في ذلك بين اليهود الفقراء (الرعاة، والحرفيين كيوسف النجار، والصيادين كبطرس).

ب ـ المجوس:

كما تحدثنا الرواية المسيحية (إنجيل متى) ولما ولد يسوع في بيت لحم... اذا مجوس قد اقبلوا من المشرق كي يسجدوا للمسيح ويقدموا له الهدايا.

فمن هم هؤلاء المجوس؟

الآن، وليس بعد سنة أو عشر أو مائة سنة، بل بعد 2010 سنوات من ميلاد السيد المسيح، لو وجهنا هذا السؤال في شكل اعتباطي، لانهال علينا سيل من الاجوبة على لسان بعض الاسلاميين!! القاعديين والتكفيريين، وبعض بقايا البعثيين الصداميين، بأن المجوس هم الفرس الملاعين، عبدة النار والشياطين، والشيعة الرافضيين، المؤيدين للنصارى المشركين.

ولكن مثل هذه الأجوبة لا تضيء على أي مسألة إضاءة حقيقية، بل تتكشف فقط عن الحقد الأعمى، أو العمى الحاقد، الشوفيني والمذهبي، لأصحابها.

وللإضاءة على هذه المسألة نرى من الضروري ايراد بعض ما تقوله المصادر المسيحية نفسها عن اولئك المجوس.

في الموقع الالكتروني المسيحي LINGA.ORG يرد ما يلي:

(أ) ترد كلمة مجوس في العهد القديم في نبوّتي إرميا ودانيال. فمن رؤساء بابل الذين دخلوا أورشليم بعد أن فتحها نبوخذ نصر ملك بابل، وجلسوا في الباب الأوسط (يرد اسم) نرجل شراصر رئيس المجوس (إر 39: 3 و13). ويري البعض أن الكلمة الكلدية المستخدمة هنا وهي رب موجي معناها أمير عظيم. وكان الفرس والماديون والبابليون يستخدمون كلمة مجوس للدلالة على الكهنة والحكماء. وكان المفروض أنهم رجال حكماء ماهرون في معرفة الأسرار، تلك المعرفة التي نشأت منذ عصور قديمة في مصر الفرعونية، وانتقلت إلى كلديا وبابل.

وكان المجوس يحسبون بين المنجمين، أي الذين يتنبأون عن الأحداث بقراءة النجوم.

(ب) المجوس عند اليونانيين:

كانت كلمة مجوس عند اليونانيين ترتبط بنظام أجنبي للعرافة وبديانة شعب عدو، قد هزموه، وسرعان ما أصبحت نعتاً لأسوأ أنواع الدجل والخداع. كما تطلق على سيمون الساحر (أع 8: 9)، فكلمة ساحر في الموضعين هي نفس كلمة ماجوس.

(ج) المجوس في إنجيل متى: يستخدم متى كلمة مجوس بمعناها الطيب، حتى إنها تترجم في الإنجليزية إلى حكماء (متى 2: 1 و7 و16). ولكن متى لا يمدنا بتفاصيل كثيرة عن أولئك المجوس، إلا أنهم جاؤوا من المشرق (2: 1 و2)، وهي عبارة غامضة لا تحدد بلداً معيناً، وهكذا تترك المجال واسعاً للتخمين. فقال بعض الآباء إنهم جاؤوا من جنوبي الجزيرة العربية، وذلك بناء على الهدايا التي قدموها الذهب واللبان والمرّ، وكانت تشتهر بها هذه البلاد، و(لكنها) لا تعتبر مشرقاً بالنسبة لفلسطين، لذلك قال آخرون إنهم جاؤوا من كلديا أو ميديا أو فارس. ومع أنه لا يمكن الجزم برأي، إلاَّ أن الأرجح أنهم جاؤوا من فارس، حيث كان هذا الاسم يطلق على كهنتهم.

ولا يذكر متى كم كان عدد المجوس الذين جاءوا ليروا الطفل يسوع. كما لا يذكر أسماءهم.

(د) أهمية قصة المجوس في إنجيل متى: تلعب زيارة المجوس لبيت لحم دوراً هاماً في إنجيل متى، فمن البداية تعلن حقيقة شخصية الطفل الوليد... كما أن الحوار بين المجوس وهيرودس ورؤساء الكهنة والكتبة، يُعلن أن يسوع كان تحقيقاً لنبوه ميخا عن المسيا.

وبالإضافة إلى إثبات أن يسوع هو المسيا الذي طال انتظاره، فإن قصة المجوس ـ كجزء من مقدمة إنجيل متى ـ تقدم عدة مواضيع بارزة تعود للظهور في الأصحاحات التالية. فهي تؤكد أولاً أن يسوع المسيح لم يأت لليهود فقط بل للأمم أيضاً (ممثلين في المجوس من المشرق). كما كان سجود هؤلاء الأمم صورة مسبقة للإرسالية العظمى للكرازة بالإنجيل لجميع الأمم (متى 28: 19، وأيضاً 8: 11 و 12، 12: 21).

والموضوع الثاني الذي تعلنه هذه القصة، هو هذا الإيمان المذهل الذي أبداه أولئك المجوس، والذي كان ينقض الشعب الذي جاء منه الرب يسوع، فبينما قدم هؤلاء المجوس الغرباء الإكرام والسجود للمسيا المولود فإن هيرودس ـ ولعله كان بموافقة رؤساء الكهنة أيضاً ـ دبر مؤامرته لقتل الطفل يسوع (2: 3 ـ 6 و16). وهكذا نجد في فصول أخرى من الإنجيل، الأمم يؤمنون، بينما لم يؤمن غالبية الشعب اليهودي (ارجع إلى 8: 5 ـ 13، 15: 21- 28، 27: 19و 54).

وفي العدد رقم 350 (كانون الاول 2006) من مجلة صوت الكرازة بالانجيل (يوجد موقع الكتروني باسم المجلة)، التي تصدر باللغة العربية في اميركا، مقالة بعنوان مجوس الميلاد: اول عرب عبدوا المسيح. والمقالة هي بقلم: د. طوني معلوف، وترجمتها الى العربية: د. لميس جرجور معلوف. وجاء في المقالة ما يلي:

1 ـ كلمة المجوس

استخدمت الكلمة اليونانية Magos في البداية للإشارة إلى أفراد سبط ميديّ تولّى المهام الكهنوتية في إمبراطورية مادي وفارس. وكان هؤلاء الكهنة ذوي قدرة على تفسير بعض العلامات والأحلام وتضمّنت ممارساتهم السحر والشعوذة. لكن بالإضافة إلى هذه الاستخدامات السلبية، فقد استخدمت الكلمة أيضاًَ للإشارة إلى من يمتلك معرفة وحكمة فائقتين. وهكذا عيّن الملك نبوخذنصّر دانيال اليهوديّ رئيساً للمجوس. وبهذا المعنى أيضاً اعتُبِر موسى مجوسياً في قصر فرعون. ويشير المؤرخ يوسيفوس إلى يهودي اسمه سمعان، دعي مجوسياً، وكان مشيراً لفيلكس وآلي اليهودية. وإذا أخذنا الكلمة بمعنى من يملك معرفة فائقة فإنه كان بين العرب القدماء كثير من المجوس. وبالحقيقة يعرّف لنا كتاب باروخ (من القرن الثالث ق.م) أولاد هاجر العرب بأنهم الذين يطلبون الحكمة على الأرض (باروخ 23:3). فضلاً عن ذلك، توجد في الكتاب المقدس شواهد عدة عن حكمة العرب القدماء التي لم تفُقْها في القديم سوى حكمة سليمان (1ملوك 30:4).

2 ـ رأي الكنيسة الأولى

من ناحية ثانية، فإن آباء الكنيسة الأولين اعتبروا العربية منشأً لمجوس الانجيل، وفي ذلك عكسوا على الأغلب تقليد الرسل. فأكليمندس الروماني (96م) يلمّح إلى ذلك في كتاباته. أما يوستنيانوس الشهيد (حوالي 150م) الذي ولد ونشأ في السامرة بفلسطين فهو يشير تسع مرات إلى المجوس الذين أتوا من العربية ليعبدوا المسيح المولود. وبدوره يبني ترتليانوس القرطاجي (حوالي 200 م.) رأيه على تقليد معروف في كل المشرق القديم وهو أول شخص يحدد هوية هؤلاء الزوار على أنهم ملوك أتوا من العربية.

3 ـ الدعم الجغرافي

قدِم المجوس من المشرق (متى 1:2، 2، 9) الذي عُرِف في الازمنة الكتابية بالكلمة العبرية قِدِم وهو المكان الذي سكنت فيه الأسباط العربية المتعددة المنحدرة من إبراهيم (تكوين 1:25ـ6، 12ـ18). وعندما ولد المسيح كانت تلك المنطقة مرتبطة جغرافياً وسياسياً بابن إبراهيم البكر، أي بإسمعيل. ولا يزال البدو العرب في أيامنا يتحدثون عن توجههم إلى صحراء العربية بأنه تشريق (سير نحو الشرق) بغض النظر عن اتجاه سيرهم. وعلى النقيض من ذلك فإن القادمين إلى أرض فلسطين من فارس أو بابل أو أشور كانوا يدخلون فلسطين من الشمال؛ ولذلك كانت بلادهم تُسمّى في الكتاب باستمرار، أرض الشمال (إشعياء 31:14). وهكذا فَهِم القراء اليهود تماماً من متى البشير أن المجوس أتوا من الصحراء العربية الواقعة شرقيّ نهر الأردن.

4 ـ طبيعة الهدايا

تمثل الهدايا التي قدّمها المجوس للمسيح من ذهب ولبان ومرّ المصدر الرئيسي للقوة الاقتصادية للعربية قديماً. ومن بين تلك الهدايا، كان اللبان والمر ينتجان في شكل شبه حصري في جنوب الجزيرة العربية. وبحسب شهادة المؤرخين اليونان والرومان، فإن هذه المواد التجارية جعلت مملكة سبأ القديمة في جنوب العربية أغنى أمة في العالم القديم. ويخبرنا المؤرخ هيرودتس بأنّ عرب الشمال كانوا يرسلون للإمبراطور الفارسيّ هدية سنوية قدرها ثلاثون طناً من اللبان عربون صداقتهم للفرس. وقبيل مجيء المسيح سيطر العرب الأنباط على تجارة القوافل التي كانت تضمّ الهدايا التي قدمها المجوس للمسيح.

(انتهى الاستشهاد بمقالة د. طوني معلوف).

نستخلص مما تقدم:

1 ـ ان المجوس هو تعبير واسع الاستخدام وكان يعني: أ ـ الاشخاص الاذكياء الذين يستخدمون ذكاءهم بالمعنى السلبي لممارسة التنجيم والشعوذة والسحر (ولا تزال كلمة سحر Magic بالانجليزية، وشبهها بكل لغات العالم الحية، تعود بجذرها اللغوي الى كلمة مجوس). ب ـ الاشخاص الاذكياء الذين يستخدمون ذكاءهم بالاتجاه الايجابي لاكتساب المعرفة بواسطة الاختلاط والمطالعة، ولا سيما في الكتب القديمة والنادرة والاجنبية، ويخدمون السلطة والناس بعلمهم ومعرفتهم وآرائهم الاكثر سداداً، وكانوا يسمون الحكماء". وهم يساوون اليوم من يسمون: العلماء، والخبراء، والمثقفين، والتكنوقراط والمستشارين الخ.

2 ـ ان المكان (او الامكنة) الذي جاء منه المجوس يشمل مروحة واسعة: من جنوب شبه الجزيرة العربية حتى بلاد فارس، مروراً بالعراق العربي وبابل واشور وكلديا. وبالمقارنة بين التحديد الدقيق للانجيل عن مكان مجيء الرعاة كان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البادية، من الخطأ الاعتقاد ان الانجيل المقدس ابقى مكان مجيء المجوس ضمن دائرة الالتباس سهواً!! او خطأً!! او جهلاً!!". فالاناجيل الاربعة هي منسوبة الى انجيليين محددين كنسياً، ولكنها قبل اعتمادها ونشرها قرئت ومحصت تماماً من قبل آباء الكنيسة الاولين، اي انها مرت على مطبخ (او اكثر من مطبخ) للرقابة الكنسية المشددة، قبل نشرها على الملأ. وانا شخصياً اميل الى الاعتقاد القريب من الجزم، بأن ترك مكان مجيء المجوس ملتبساً، كان لاحد سببين او الاثنين معاً: اولاً، عدم الثقة الكاملة باستمرارية العلاقة الكنسية ببعض المجوس المعنيين؛ ثانياً عدم كشف المجوس على العلاقة مع الكنيسة، وحمايتهم من ردود الفعل الانتقامية.

3 ـ ان المجوس كانوا اما عرباً من شبه الجزيرة العربية، واما كلدانيين او بابليين، واما فرساً؛ واما من هؤلاء جميعاً.

ج ـ فرار العائلة المقدسة الى مصر واقامتها فيها الى حين وفاة هيرودس:

جاء في الكتاب المقدس ان الملاك ظهر ليوسف النجار وطلب منه ان يهرب بالطفل يسوع الى مصر.

ولكن الكتاب المقدس لا يعطي اي تفاصيل عن هذه الرحلة الطويلة والشاقة والمحفوفة بالمخاطر من بيت لحم في فلسطين الى داخل مصر، وهي مسافة تقدر بمئات الكيلومترات في ارض صحراوية وساحلية حارة وجافة وصعبة.

الا ان المصادر المسيحية، ولا سيما المصرية منها، لم تهمل البحث في هذه الرحلة، من جهة، لاضفاء القدسية على الانتشار المسيحي في مصر، حتى في المناطق التي ربما لم تصل اليها العائلة المقدسة، ومن جهة ثانية، للتبرير القداسي للانتشار المسيحي ونشاط المؤسسة الكنسية ذاتها بالزعم ـ الصحيح او ربما غير الصحيح في بعض الحالات ـ بأن يسوع مر من هنا!. 

وفي دراسة بعنوان رحلة العائلة المقدسة الى ارض مصر (يمكن العثور عليها في الاثير الالكتروني) من اعداد Ava Tony ومن اصدار الكنيسة القبطية الارثوذكسية المصرية، جاء فيها ان العائلة المقدسة سافرت الى مصر، فامتطت السيدة العذراء مريم حماراً والطفل يسوع على ذراعها ويوسف يقود الحمار. وكانت برفقتهم ايضاً عجوز من اقربائهم اسمها سالومي او سالوما كانت تسير خلف الحمار. وتقول دراسة Ava Tony ان يوسف لم يكن يعلم إلى اين يمضى؟ لم يكن يعلم كيف سيعيش في أرض غريبة! كيف سيأكل هو ومن معه؟ أين يحتمى من حر الصيف وبرد الشتاء؟.

وتضيف الدراسة هناك ثلاث طرق للقوافل للقادم إلى مصر، ولكن المصادر الكنسية والتقليد الكنسي... تقودنا إلى إعتقاد أكيد أن العائلة المقدسة سلكت طريقاً خاصاً يختلف عن الطرق الثلاثة المعروفة فى ذلك الزمان والسبب حسب رأي الأنبا غريغوريوس أسقف الدراسات اللاهوتية الذي استشهدت به الدراسة: يبدو أن هيرودس علم بعد فوات الأوان بهرب العائلة المقدسة إلى مصر، فأرسل عشرة جواسيس من قبله إلى مصر، وأمرهم بأن يفتشوا بتدقيق عن الصبي، ويأتوا به إليه حياً ليقتله بيديه. وكانت العائلة المقدسة تغير مكان إقامتها فى مصر شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، ومات هيرودس قبل أن يتمكن من بلوغ مأربه الخبيث. وقد دخلت العائلة المقدسة مصر عن طريق صحراء سيناء من الناحية الشمالية من جهة الفرما (بين مدينتي العريش وبور سعيد). وبعد أن عبرت العائلة المقدسة مدينة العريش تابعت السير فى طريق يسمى الفلوسيات. ثم إنتقلت العائلة المقدسة بعد ذلك من الفرما في طريق إلى تل بسطا والتي كانت قديماً مدينة بسطا. و"دخلت العائلة المقدسة مدينة بسطا وهي الآن تسمى تل بسطا بالقرب من الزقازيق بمحافظة الشرقية، وتبعد عن القاهرة حوالي ١٠٠ كيلومتر من الشمال الشرقي. ومدينة بسطا هي من المدن المصرية القديمة إسمها المصري القديم بير باستيت Per Bastit  أي مدينة الآلهة، واسمها القبطي بيوباست. وتذكر الدراسة ان العائلة المقدسة طافت في مناطق عدة في مصر، وهي تعدد وتصف تلك المناطق.

وكان للجوء العائلة المقدسة الى مصر واقامتها فيها الى حين وفاة هيرودوس، دور كبير في انتشار الديانة المسيحية في مصر بعد ظهورها.

وتقدم الدراسة وصفاً مفصلاً لإرتحال العائلة المقدسة في مختلف المناطق المصرية بما فيها القاهرة، والكنائس والاديرة والمزارات الدينية التي اقيمت فيما بعد، في تلك الاماكن.

ولكن الدراسة تجعل العائلة المقدسة ترتحل في شكل سريع الى كل الارجاء المصرية، وهذا يعني شيئين: الاول، التنقل الدائم حتى لا تقع العائلة المقدسة في يد الرومان او اليهود وجواسيسهم؛ والثاني، ان الدراسة موضوعة بعد زمن طويل من فرار العائلة المقدسة واقامتها في مصر؛ وقد ارادت المراجع الكنسية وواضعو الدراسة تنقيل العائلة المقدسة في كافة الارجاء المصرية لارضاء مختلف الابرشيات، ومطابقة خريطة ترحل العائلة المقدسة (بمفعول رجعي) مع خريطة انتشار المسيحية، لاضفاء الطابع المقدس على كل اماكن الانتشار المسيحي.

وتفيدنا الدراسة ان العائلة المقدسة تنقلت، على العموم، في اجواء صديقة ومؤيدة للمسيح ومؤمنة به؛ ولكن ذلك لم يكن دائماً اذ كان يوجد اعداء ايضاً، سواء كانوا من مؤيدي السلطة الرومانية او يهوداً او مجرد وثنيين. وفيما يلي قصة استشهاد احد المؤمنين بالمسيح الذي ابدى استعداده لاستضافة العائلة المقدسة، كما ترويها الدراسة: فلما عاد ودامون إلى أرمنت سمع عابدو الأوثان بوصوله، فجاؤوا إليه مسرعين وقالوا: هل الكلام الذى يقولونه عنك صحيح؟

فقال لهم: نعم أنا ذهبت إلى السيد المسيح وباركني وقال لي: أنا آتي وأحل في بيتك مع والدتي إلى الأبد.

فصرخ كلهم بصوت واحد وأشهروا سيوفهم عليه ونال إكليل الشهادة فى مثل هذا اليوم.

تبليغ العائلة المقدسة بموت هيرودوس:

وتكمل الدراسة:

ويذكر المؤرخون: أن رجلاً من سبط يهوذا إسمه يوسى وهو من أقارب مريم العذراء ويوسف النجار، جاء من بلاد الشام، وأمكنه بعد تعب كثير أن يصل إلى العائلة المقدسة في جبل قسقام. وقد أتى ليبلغهم بما فعل هيرودس الملك، وكيف قتل جميع الأطفال في بيت لحم وإذ علم بهروب الطفل الإلهي وأمه، أرسل عشرة جنود للبحث عن الطفل وأسرته والقبض عليهم أحياء ليقتلهم بيديه واحداً واحداً.

فلما سمعت العذراء مريم هذا الحديث، إنزعجت وأسرعت فإحتضنت الطفل الإلهي وصعدت به إلى سطح الغرفة العليا التي أعدها القديس يوسف النجار له ولأمه للإختباء فيها، فطمأنها الرب يسوع وقال لها: لا تخافي يا أمي ولا تبكي، فإن بكاءك يحزنني. إن الوقت لم يحن بعد ليسلَّم إبن الإنسان، وسوف لا يعرف الجند مكاننا. وتطلع إلى القديس يوسف النجار وإلى سالومي وقال لهما: لا تخافا. ثم وجه الخطاب إلى يوسى: لقد تعبت من أجلنا كثيراً وتحملت مشاق السفر أميالاً عدة، إن أجرك كبير.

ثم قال له: والآن أسترح أنت، وهنا يمكنك أن ترقد. فأطاع يوسى وأخذ حجراً ووضعه تحت رأسه، وأغمض عينيه وما هى إلا فترة قصيرة حتى أسلم الروح.

فلما مات هيرودس إذا بملاك الرب قد تراءى ليوسف فى الحلم بمصر قائلاً: قم خذ الصبي وامه، واذهب إلى ارض إسرائيل، فإنه قد مات الذين يطلبون نفس الصبي، فقام وأخذ الصبي وامه وجاء إلى أرض إسرائيل (أنجيل القديس متى: 2: 19 ـ 21).

 

 

Text Box:  
 

واخيراً، ليسمح لنا القارئ في ان نعرض استنتاجاتنا من رواية ميلاد السيد المسيح وتداعياته، مع الاشارة مسبقاً اننا اذا اختلفنا بالرأي مع بعض رجال الدين او الاوساط الدينية، فإننا لا نتعرض وليس لدينا اي نية في التعرض للمفاهيم الدينية اللاهوتية بحد ذاتها، بل اننا لا نخرج عن الشق البشري من المفاهيم الدينية المسيحية ذاتها، التي تقر بالطبيعتين (الالهية والبشرية) للسيد المسيح. ونحن نقدم كل الاحترام للمفاهيم الالهية، وبالمقابل نستخدم حقنا البشري في مقاربة فهم الجوانب البشرية وحسب في رواية ميلاد السيد المسيح وتداعياته. وفيما يلي بعض ملاحظاتنا البشرية بامتياز:

ـ1ـ ان ميلاد السيد المسيح ليس حادثاً فجائياً مفصولاً عن الزمان والمكان (كصاعقة رعدية في صيف في صحراء)؛ بل هو ـ في طبيعته، وفي مكانه وزمانه ـ حلقة في سلسلة الصراع المستميت بين شعوب الشرق (والعالم)، من جهة، وبين الاستعمار العنصري الغربي والاستغلال الرأسمالي اليهودي، من جهة ثانية. ولا عجب في ان هذا الصراع ـ كان ولا يزال ـ يجد اصداءه في السموات، وفي ما وراء الغيب، طالما ان الله خلق الانسان على صورته ومثاله، كما يقول الدينيون، وطالما ان وجود الله هو ضرورة انسانية، كما يقول الفلسفيون.

ـ2ـ كانت حركة الوعي والتنظيم الديني الالهي التوحيدي، وهي ما يمكن تسميتها مجازاً الحركة الابراهيمية، تسير وتتطور بشكل موحد في الظاهر على الاقل، حتى لحظة ميلاد السيد المسيح. ولكن الواقع ان تلك الحركة لم تكن موحدة، وانه كان يوجد في داخلها تيارات ومفاهيم مختلفة، واهمها اثنان: التيار الانعزالي ـ العنصري ـ الاستغلالي ـ الممالئ للسلطة الرومانية والطبقات الغنية ـ والساعي الى فرض سلطته المطلقة على الاغيار، وهو التيار اليهودي؛ والتيار الاممي ـ الانساني ـ المعادي للسلطة الرومانية وللطبقات الغنية ـ المدافع عن الفقراء والمظلومين والعبيد ـ والمناضل لاجل تحريرهم، وهو التيار الذي سمي فيما بعد المسيحي. واذا كان التيار المسيحي لم يكن قد حمل اسما مميزاً (ما قبل المسيح) فهذا لا يعني ابداً عدم وجوده. واذا كان من مصلحة اليهود والغرب الرأسمالي ـ الاستعماري المسمم باليهودية طمس هذه النقطة، فإنه للاسف الشديد ان العلماء والمؤرخين الشرقيين، الدينيين وغير الدينيين، المسيحيين والمسلمين، لم يعطوا الى الان الاهتمام الكافي لهذه النقطة التاريخية المفصلية. وهو ما تستغله اليهودية الانتهازية للظهور بمظهر الدين التوحيدي الاول، الاساسي والاصلي، وان المسيحية، ومن بعدها الاسلام، ما هما سوى انشقاق وخروج عن اليهودية.

والواقع ان المسيحية، كحركة وعي وتنظيم دينية وجدت قبل المسيح بزمن. وعلى العلماء والمؤرخين وخصوصاً رجال الدين المخلصين تدقيق هذا الزمن وتحديده. والرواية المسيحية لميلاد السيد المسيح تؤكد هذه النقطة. اذ ان التيار اليهودي كان ينتظر علامات اخرى لمجيء المسيح، اي انه كان ينتظر مجيء مسيح آخر مختلف عن المسيح الذي حقاً جاء. اما انصار التيار المسيحي فصدقوا فوراً (اي كانوا مستعدين مسبقاً لتصديق) مجيء المسيح الفقير، الملاحق من قبل الرومان وعملائهم ويهودهم، وسجدوا له واحتضنوه وهربوه وآووه واخفوه من وجه اعدائه. اي ان المسيحية لم تولد بولادة المسيح، بل ان ميلاد السيد المسيح جاء ليكشف تماماً ويكرس نهائياً وجود اليهودية والمسيحية والتناقض التناحري التام فيما بينهما الى يوم الحساب.

ـ3ـ جغرافية انتشار المسيحية قبل وبعد ميلاد السيد المسيح:

تحدثنا الرواية المسيحية عن رعاة يبيتون في البادية وعن مجوس اقبلوا من المشرق وعن فرار العائلة المقدسة الى مصر واختبائها فيها. وبتقييم منطقي ـ جغرافي هذا يعني: اولاً، المحيط الفلسطيني وسورية وشرقي الاردن والنقب وغزة وسيناء، والعمق المصري، وشبه الجزيرة العربية وبابل وكلديا وربما فارس. وتفيدنا الرواية المسيحية ان الرعاة جاؤوا مباشرة للسجود للسيد المسيح، وهذا يعني ان العلاقة المسبقة والثقة المسبقة بهم كانت وثيقة، وهم المحيط الاول والاساس الاول للانتشار المسيحي. وفيما بعد سيقول المسيح لبطرس (الفلسطيني) انت الصخرة، وعلى الصخرة ابني كنيستي. و"الكنيسة لغوياً تعني الجامع او الجماعة او الامة. وبعد ذلك سيكرس الاسلام اولوية فلسطين برواية الاسراء والمعراج ذات الطابع الاعجوبي السماوي.

اما المجوس الذين اقبلوا من المشرق فلم تكن العلاقة معهم بعد بهذا الثبات، وهم جاؤوا وسألوا اولاً اليهود وهيرودس المتهود عن ميلاد المسيح، ثم سخروا منه ولم يعودوا اليه ولم يسلموا المسيح.

اما اهل القبطية (التي اصبحت تسمى لاحقاً: مصر) فقد كانوا موضع ثقة تامة لملاك الرب وللمسيحيين الاوائل وارسلت اليهم العائلة المقدسة لتختبئ لديهم. وهذا يدل على وجود تنظيم مسيحي واسع الانتشار وصلب العقيدة في مصر قبل ميلاد السيد المسيح.

من هذه الجغرافية انتشرت المسيحية بتردد باتجاه الشرق (ما بعد شبه الجزيرة العربية والعراق)، ولكنها اتجهت للانتشار بقوة باتجاه الشمال والغرب: كيليكيا وآسيا الصغرى وبلاد البلقان، وجزر وسواحل اوروبا الغربية.

ـ4ـ المسيحية والامة العربية:

ان العلاقات بين الشعوب والامم، واقامة الدول والامبراطوريات الموحدة كانت تتم بصورة رئيسية بواسطة الغزوات والحروب وسيطرة امة على امة. وهذا ينطبق ايضاً على الشعوب القديمة التي تألفت منها لاحقاً الامة العربية، اي شعوب سوريا وفلسطين ولبنان وما بين النهرين ووادي النيل وشمال افريقيا. ونظرا لخصبها وغناها الاقتصادي والحضاري، تعرضت منطقة فلسطين وسوريا ولبنان مراراً للغزوات الآتية من العراق ومصر. وحتى العشيرة اليهودية، التي امتهنت في مصر الفرعونية مهنة النخاسين ونظـّار العبيد، وبعد ان فرت من وجه المصريين الذين ضاقوا ذرعاً بها، تطلعت في وقت ما الى ابادة اهل فلسطين والاستيلاء على مدنهم واراضيهم. وقبل ميلاد السيد المسيح كانت مصر وسوريا وفلسطين وشرقي الاردن قد سقطت في قبضة روما. وجاء ميلاد السيد المسيح، وتحول المسيحية الى ظاهرة دينية واسعة الانتشار في المنطقة كلها، ليرسي اسس نمط جديد من العلاقة بين شعوب المنطقة بمعزل عن سلطة روما وعملائها، وضدها وضدهم. والعلامة المميزة لهذه العلاقة الجديدة هو كونها علاقة اخوية دينية. ولكن من المؤكد انه تحت العلامة الدينية، كانت هذه العلاقة تتشعب في النواحي الثقافية العامة، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وخصوصاً انها تتم في ظروف مغايرة للسلطة القائمة ومعادية لها. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال لا الحصر، بداية انتشار استخدام اللغة الارامية، اي اللغة التي كان يتكلم بها السيد المسيح، والتي كتبت بها بعض الاناجيل، وكانت تتلى بها الصلوات المسيحية. وبكلمات اخرى، فإن ميلاد السيد المسيح وبداية الانتشار الواسع للمسيحية، دشنا الأسس الاولى للعلاقات الاخوية، غير السلطوية، بين شعوب سوريا ولبنان وفلسطين ووادي النيل وشبه الجزيرة العربية وما بين النهرين، التي تشكلت منها لاحقا الامة العربية. واذا كان كلامنا يعجب او لا يعجب هذا او ذاك، فإنه لولا هذه المسيحية لما كان من وجود لـ"هذه الامة العربية، ولكانت الامة العربية اتخذت شكل وجود مختلف تماماً عما صارت اليه. وحتى ايامنا الراهنة فإن المسيحية، وعلى الرغم من كل ما طرأ عليها من تشوهات، ذات مصدر غربي، فإنها ـ بانفتاحها الحضاري وقيمها الانسانية ـ لا تزال تمثل الجهاز العصبي للجسم العربي   

 كاتب لبناني مستقل