منظمه التحرير تلفظ انفاسها الاخيرة

العدد الثامن والخمسون - نيسان 2011
الاحد 7 آب (أغسطس) 2011.
 

تموت عندما كان يجب ان تولد

 

اقام المنتدى الثقافي/ رام اللة ندوة تناول فيها واقع منظمه التحرير الفلسطينيه، حيث القى سعاده ارشيد محاضرة جاء فيها:

$اطروحتي الأساسية في هذه المداخلة هي أن ولادة منظمة التحرير الفلسطينية قد خرجت من الفهم القطري الكياني وليس من رحم الامه أي الرحم القومي، واستمرت بالابتعاد عن عمقها القومي سلوكاً وقانوناً، في السلوك من الأمثلة ما يفيض عن الحاجة وأوضح هذه النماذج القرار المستقل (عن الامة) وإنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وقد عمدت جهات متنفذة لدعم توجهات تعتبر فلسطين كياناً جغرافياً أزلياً كما لبنان بالمنطق الانعزالي، وعن طريق تكثيف الشخصية الفلسطينية وتعزيزها كهوية مستقلة بمواجهة الهوية القومية، وقانوناً بتغير الميثاق القومي للميثاق الوطني ومن ثم الغاء بنود من هذا الميثاق الأخير بتصريحات صحفية حيناً وبطرائق مسرحية مهرجانية مهينة حيناً آخر.

لقد أدى هذا الوضع المؤسف إلى حالة الجمود التي تقترب من الموت للمنظمة فداء لابنتها السلطة الفلسطينية، وهنا لاحظنا كيف تم دفع السلطة بعد عام  إلى افتراس أمها المنظمة، لكن نتائج انتخابات  قد دفع بذات الأشخاص لإعادة اكتشاف المنظمة وإحيائها من جديد للالتفاف على نتائج الانتخابات. السلطة لا يمكن فهمها إلا في إطار وظيفتها التي حددتها اتفاقات أوسلو الا وهي ادارة السكان والحفاظ على امن إسرائيل، وهي بالتالي ترى نفسها شريكاً للاحتلال وأراها وغيري وكيلاً له ولمشغليه من قوى الاستعمار. السلطة الفلسطينية استمدت شرعيتها من المنظمة وها نحن نرى الواحدة تأكل الأخرى حسب متطلبات سوق السياسة.

تماماً مثل مكتب الشؤون الهندية الذي اقامتة الإدارة الأميركية في مطلع القرن العشرين لتمثيل الهنود الحمر أهل البلاد الأصليين، والجدير بالذكر أن هذا المكتب كان قد ضم بعض المناضلين الهنود الذين تم إفسادهم وتعويدهم على الترف، المهم ان هذا المكتب الذي تم تقديمه على انة الممثل الشرعي والوحيد (المعترف به من الحكومة الأميركية) بالتنازل عن حقوق شعبة بعد أن ادعى تمثيلهم لا بل ووحدانية تمثيلهم وشرعية اخذ القرارات نيابة عنهم معتمد في ذلك (مكتب الشؤون الهندية) على شرعيته وتاريخه النضالي.

السلطة هي ابنة منظمة التحرير وقد تماهت الاثنتان ببعضهما البعض الى حد كبير بحيث يصعب الفصل بينهما، وان حاولت بعض الفصائل المنضوية تحت لواء المنظمة الظهور إعلامياً بموقف المعارضة المتوافقة على حدود معارضتها، وأنا أرى أن السلطة والمنظمة بشكلها الحالي على حد سواء هي النقيض الموضوعي للأطروحات التي قامت على أساسها المنظمة لا بل وسائر فصائل العمل السياسي والعسكري الفلسطيني وعملت لتحقيقها وخاضت الحروب الدامية في الاردن ولبنان دفاعاً عنها، هذه الحركات الفلسطينية رأت أداتها الكفاح المسلح والمقاومة بأشكالها وهدفت الى تحرير فلسطين وعدم التفريط بأي من حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والطبيعية.

ما أريد قوله هنا، هو ان حالة الموت الحالية التي تعاني منها المنظمة ناجم في الأساس عن انخراطها في النظام القطري وان حياتها وازدهارها لا يكون الا في المد القومي والبعد القومي... وهذا ليس غريباً فلطالما رأى الفلسطيني ذاته جزء من الأمة وهذا ما عبر عنه الفلسطينيون منذ ظهور ما يسمى المسألة الفلسطينية مع نهاية الحرب العالمية الأولى وما سبقها من اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور.

- المؤتمر الفلسطيني الاول الذي عقد عام  قال بان فلسطين هي سورية الجنوبية ورفض أي انفصال عن الوطن الام.

- مفتي فلسطين وزعيمها فيما بعد وفي ثورة العشرين (ثورة النبي موسى) رفع صور الملك فيصل الاول ابن الحسين مخاطباً الثائرين: هذا ملكنا.

- ثورة  ـ  والتي سميت الثورة الكبرى أطلق شرارتها وقادها في مرحلتها الاولى الشيخ عز الدين القسام ابن جبله الشام وهو القائد الذي تحول حتى يومنا هذا مصدر الهام للمقاومة، ثم قادها في مرحلتها الثانية فوزي القاوقجي ابن طرابلس في الشمال اللبناني، ولكن بعد التآمر علية بحجج وذرائع إقليمية شتى تحولت الثورة بعد ذلك الى حالة من اشد حالات الفوضى والفلتان الامني والسياسي الذي اضعف مناعه الشعب الفلسطيني على قاعدة ان الشعب الفلسطيني ادرى بشعابه (المثل العربي القديم يقول اهل مكه ادرى بشعابها) ولعل حالة الضياع التي انتهت اليها تلك الثورة المجيدة ببداياتها وانطلاقاتها كانت ثماراً وحصاداً للمحاولة الفلسطينيه الأولى للانفكاك عن الامة، اصبح للفلسطيني زعامتين متناحرتين لكل منهما تحالفاته العربيه والدوليه ففي حين تحالف المجلسيون مع السعوديه ومصر عربياً والمانيا وايطاليا دولياً، تحالف معارضوهم مع الامير عبدالله بن الحسين والعراق عربياً وانكلترا دولياً.

عام  كان العلامه الفارقة اذ ذهبت الاحلام ادراج الرياح وانكشفت عورات الانظمة العربية والزعامات الفلسطينيه على حد سواء، اذ لم يصمدوا امام ما كانوا يطلقون عليه اسم العصابات الصهيونيه وشذاذ الآفاق وغير ذلك من مسميات الاستهانة والاستخفاف، وسرعان ما تحول معظم الشعب الفلسطيني الى لاجىء في الخيام يقتات من طحين الاونروا، واقيمت الدوله اليهوديه، ولم يزد رد النظام العربي عن تحويل هذه المأساة إلا الى اداة تراشق سياسي فيما بينهم وبحث كل فريق عربي عن شريك فلسطيني، فكان ان اقام النحاس باشا متحالفاً مع امين الحسيني جسماً سياسياً هو حكومه عموم فلسطين في غزه الواقعة تحت الادارة المصريه، وسرعان ما اتاهم الرد سريعاً من الملك عبدالله ومعارضيهم بعقد مؤتمر اريحا الذي جعل من الضفه الغربيه جزءاً من المملكه الاردنية، وكان الملك عبدالله الأسرع عملاً فلم يضيع الوقت بل سرعان ما افرغ حكومة غزه من وزرائها اذ كلما غادر احدهم مصر في عمل حكومي سرعان ما يعود لعمان وزيراً في حكومتها، مثل عوني عبد الهادي وانور نسيبه ورئيس الحكومه احمد حلمي باشا عبد الباقي.

في  يوليو  تمت الاطاحه بالعرش المصري وحزب الوفد والنحاس باشا بضربة واحدة، استولى جمال عبد الناصر على الحكم واحكم قبضته عام  وتحول الى زعيم بعد مؤتمر باندونغ عام  وتحولت زعامته الى لهيب بعد العدوان الثلاثي على مصر عام ،  وهكذا اصبح البطل المنقذ المحرر الواعد بالكرامة والحرية واستعادة فلسطين وعدن والجزائر وما تبقى من ارض محتلة. خاض عبد الناصر حروبه ومغامراته على طريقته الخاصة منتشياً بهتافات الجماهير وقد انتهت كلها الى فشل ذريع فمن الوحدة مع سورية الى حرب اليمن التي مثلت مقدمات لما حصل عام  وكان للاستعمار وتآمره جهد ملحوظ في ذلك لكن كان هناك اسباب اخرى. الشاهد ان ما سبق استنزف قدرات عبد الناصر العسكريه والاقتصاديه ونال من هيبة زعامته وسمعته القومية، وربما زرع بعض بذور الاحباط لديه، فكل ذلك كان على حساب حرب التحرير والمعركة مع العدو المركزي، الامر الذي يفسر انحسار المرحلة القومية لديه لحساب القطرية.

في تلك الظروف والمناخات تم انشاء منظمة التحرير الفلسطينية كاستجابة لرغبة جمال عبد الناصر اولاً وباقي العرب ثانياً للخروج من الواقع القومي والتقوقع القطري، فقد ولدت المنظمة في الوقت الذي كانت القومية في حال انحدار وبالتالي كانت الاستجابة لهذا الواقع اذ قرر عبد الناصر والعرب نزع كاهل المسألة الفلسطينية عن انفسهم وإلقاءها على كاهل الشعب الفلسطيني بحيث يلعب العرب دور المساند والمؤيد للجهد الفلسطيني بتحرير ما كان محتلاً آنذاك من فلسطين...

.. اليوم وبعد سقوط حسني مبارك ونظامه لا بل والمحور الاقليمي الذي كان يقوده، نرى بشائر للنهوض القومي وان لم تتضح معالمه بعد، ولكن منظمة التحرير تكاد تلفظ انفاسها الاخيرة بعد ان اختزلت بوظيفة إعطاء الشرعية لقيادة السلطه المنبثقة عن اتفاق اوسلو وتبعاته من تنسيق امني وسلام اقتصادي واوهام بناء الدولة، وتسليم مصير الشعب الفلسطيني الى حفنة من الاشخاص الذين استمروا واستمتعوا بالمفاوضات لقرابة العشرين عاماً واتخذوها اسلوب حياة الى ان اكتشفنا ومعنا العالم بعد فضيحه وثائق $الجزيرة# ان المفاوضات بدورها ليست عندهم الا ثرثرة و$طق حنك#.

خلاصة القول ان الجوهر القطري الكياني والانفكاك عن العمق القومي هو الذي قاد المنظمة لأن تكون مشروع مساومة وتنازلات باسم المقاومة والتحرير وانفكاكها، او فك ارتباطها بامتها، واكثر من ذلك ان تبرر لاصحاب الهوى من الاعاريب كفرهم وريائهم ونفاقهم بقولهم اننا نرضى بما يرضى به الفلسطيني واننا لا نستطيع ان نكون اكثر فلسطينية من الفلسطيني، لقد اصبحت المنظمة منخرطة بالمفاوضات والعبثية أو الثرثرة التفاوضية طيلة  عاماً وفي منح الشرعية لأهل التنسيق الأمني وبالتالي تغطي على إعتقال من يقاوم مشروعها التفاوضي (المشروع الوطني برأيهم) وتصفيتهم على قاعدة مخالفتهم لمشروعها عندما يقاومون وليس لأسباب دينية أو عقائدية أو علمانية.

لو لم تكن المنظمه بهذه الحالة لانتزعت قيادة الامة في مناخات ما بعد تونس وصراعاً قومياً. هذه المنظمه تموت عندما كان يجب ان تولد مثلما ولدت في الزمن والظرف اللذين كان عليها ان تموت فيهما#