قراءات في نقد الشعر للدكتور مروان فارس

العدد 58 - نيسان 2011
الاحد 7 آب (أغسطس) 2011.
 

تكشف خبايا ابداعية

 من الصعب أن تَلجَ في نقدِ / قراءات في النقد / تتناول موضوعات متنوعة يخرج بعضها عن عنوانها، وإن كانت، بالنسبة لمؤلف الكتاب، تتوحّد بروحانية الشعر التي تصهر المشاعر الانسانية في بوتقة واحدة وتضمُّ تحت مظلَّتِها كلَّ المفارقات التي تشغل الفكر في صميم منابعه وروافده لتصُبُّ أخيراً في مصبٍّ واحد.

يحافظ الدكتور مروان فارس، الملتزم حزبياً، على خصوصياته دون انحراف أو انجراف عاطفي في التعبير عن آرائه، هذه الاراء التي تأتي من ثقافاته المضافة والتي نشأت في محطات عايشها عبر التقلبات التي فرضتها شؤون الحياة ومتغيراتها.

 يفاجئنا بإضاءاته على الشعراء الذين انتقاهم وهم في عالمهم الأقرب الى عالمه، هذه الإضاءات التي تنبع من مخزون مضمَّخ بالاطياب المعتَّقة، يعبِّر عنها بتحليله العميق للصور والاشارات والرموز وبشروحات تساعد على كشف الخبايا الابداعية في القصيدة بعد تجريدها من الأشياء / أو ما خفي من الأشياء كما ينفض الرسَّامُ الغبارَ عن لوحته/.

ولكن، أنّى للشاعر أن ينفض الأشياء وللفنان أن ينفض الغبار عن كنـز مرصود، وهذه مهمّة موكولة بالناقد الذوَّاقة الذي أعطي موهبة فكِّ الرموز.. أمّا مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا فإنه لم ينفض غبار الأشياء ليظهر إبداع النصوص فحسب، بل اشترك بهذا الإبداع بإشارات ولمسات جديدة كانت دفينة اللاوعي في أمدائها الممتنعة.

 فمع الشعر والشعراء، وفي دراسة جمعت الكثير بتنوعها وما فرضته مناسبات متداخلة، وفي إطلالة على صلاح ستيتيه الشاعر الذي تخطّى حدود الوطن وحدود اللغة وتحدَّت شهرتُه مزاجية المتلقي الرافض في زمن التحرر والإبداع، أي في زمن الحداثة كما تمَّت تسميته، نقرأ نتفاً تقول:

 /هي ذي وردة من نار في الإحتراق/ هذا الذي يمنح النار انعقادها حتى يكون الماء هنا../

ويأتي تعليق الناقد: / هذا الكلام يبقى خارج المعرفة بالكلام، خارج اللغة المتعاهدة في بيان الأشياء العميقة والتي لا يطالها إلاّ الإيحاء/.

هنا نسجّل على الناقد في تحليل النصوص، عدم اهتمامه بالقشور التي توسمها بملاحظات سطحية كالقولبة والتراكيب اللغوية والاعتراض على تردُّد المفردات في أكثر من قصيدة في ديوان الشاعر وما شابه، لأنّ اهتمامه كان محصوراً بتحليل قدرة اللغة وتأثيرها في خدمة النص بإقامته وكشف غموضه وأسراره.

الكلمة في شعر ستيتيه تلمع، تتوهج، تذوب في العتمات. إنها تنزل كالوحي في موضعها الصحيح، كالوردة مع النار والإحتراق، إنها:

/الحالة المستحيلة بين من يكتب، ومن يقرأ، بين من يصغي، ومن يستمع، وبين من يرى، ومن لا يرى/.

مع الدكتور مروان، نكتشف الأسرار الغامضة كما سبق القول، وهذه هي مهمة الناقد قبل ولوجه فبي الأبعاد الأخرى وفي مضامين النصوص التي اختار الناقد الأصعب والأكثر غموضا منها.

 أخيراً، ولأنّ مواضيع الكتاب التي بين أيدينا، لا تسعها الصفحات وإن طالت، فقد اخترت بأن يكون مسك الختام مع شاعر تناوله الناقد بحميمية خاصة، عنيت به عصام العبدلله، وبكلمات تحكي قصة وطن بتاريخه المغمور ومستقبله المقهور. ففي مملكة التاريخ نقرأ له باللغة المحكية:

كوكَبْ / ماشي معي بيخبِّرْ بيلعبْ/كتبوا الأسامي وعلَّقوا الحجابْ/

عَ زبدْ نهر الكلبْ/ مثل ال إجوا وراحوا / صاروا الأسامي ينقطوا بالمي/

والنهر عم يسقي/ صاروا الأسامي يفرّخوا مثل السمك.

يقول الدكتور مروان في شرح مبسَّط:

إنّ في هذه المملكة سحراً.. إنّ فيها هذا الشرق العظيم الذي جرفَ الاستعمارَ تماما كما جرفَ النهرُ السمكَ، والوقت.

وبما أن الطرب والبكاء سر البقاء

يقول العبدالله :

/ وقبل ما موت / ويمكن بعد ما موت / بيمرق حدا بيخطر عَ بالو/ يشلِّح الموتى التيابْ/.

ألم يصبح هذا الممكن حقيقة نعيشها كلّ يوم؟

لويس الحايك