إسقاط النظام الطائفي والعبور الحقيقي للدولة "التحرك الشعبي المدني" إلى أين؟

العدد 58 - نيسان 2011
الاربعاء 4 كانون الثاني (يناير) 2012.
 
لا لبس في كون النظام الطائفي الجاثم على صدور اللبنانيين منذ قيام دولة لبنان الكبير، شكل العائق الأبرز أمام العبور إلى الدولة الحقيقية المنشودة التي يطمح الشعب اللبناني للوصول إليها ولو بعد حين.

لا لبس في كون النظام الطائفي الجاثم على صدور اللبنانيين منذ قيام دولة لبنان الكبير، شكل العائق الأبرز أمام العبور إلى الدولة الحقيقية المنشودة التي يطمح الشعب اللبناني للوصول إليها ولو بعد حين.

لذا فإن الحراك المستجد اليوم وبقوة في البيئة اللبنانية من قبل هيئات ومواطنين وفئات شعبية عريضة وازنة يشكل علامة فارقة ومميزة تبشر باتساع دائرة المؤمنين بقيام الدولة الوطنية العادلة التي تساوي بين أبنائها، دولة تتأسس على قاعدة الهوية الوطنية الجامعة، وعلى قاعدة التساوي في الحقوق والواجبات بين كل أعضاء الدولة، دولة ينتمي اليها المواطن مباشرةً لا مداورة، ومن دون وسطاء وسماسرة وأوصياء، دولة تؤمن العدالة الاجتماعية، وأبسط حقوق الانسان، وتضمن حريته، وتكفل له حرية المعتقد، والأهم من هذا كله دولة مؤسسات ترتكز على معايير واضحة من الشفافية والنزاهة والنظافة خارج كل منظومة الفساد التي تخترق البنية الداخلية للنظام القائم.

لذا تكتسب فعاليات المجتمع الأهلي المدني اليوم أهمية خاصة، في هذا الجو الطائفي المحموم والمشحون والذي ينذر بانقسامات اضافية، تهدد السلم الأهلي المعطوب أصلاً بسوسة الطائفية وأعراضها الخطيرة المدمرة لكامل البنية المجتمعية الوطنية الأهلية.

هذه الفعاليات التي تنطلق تحت شعار "اسقاط النظام الطائفي" ليست معزولة عن الماضي، بل هي استمرار لنضال كل القوى الوطنية والقومية التقدمية التي رفعت لواء الغاء الطائفية، والغاء كل الظاهرات التقسيمية للشعب الواحد، ولكنها في توقيتها اليوم تعطي دفعاً وزخماً شعبياً حقيقياً، وتشكل سنداً حقيقياً لهذا النضال في معركة التغيير والتحديث والتطوير في المجتمع والدولة.

لقد ثبت باليقين والملموس أن الطائفية لا تشكل ضمانة لأحد، كائناً من كان أفراداً وجماعات، طوائف ومذاهب، عشائر وقبائل، مهما كبر أو صغر حجمها، فالضمانة الحقيقية هي دولة المواطنة، دولة الانتماء المباشر.

وقد حان الوقت، لتسقط كل الحواجز النفسية والمادية بين أبناء الشعب الواحد، والتي تجسدها اسقاطات الطائفية في حياتنا السياسية والاجتماعية، وقد حان وقت تجاوز مقولة "الغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص"، تلك الشماعة التي يتغطى وراءها أرباب النظام الطائفي العاجز عن حماية المواطن والانسان، واستبدال هذه المقولة بشعار "الغاء الطائفية من النصوص والنفوس" في عملية تربوية ثورية تبدأ اليوم، قبل الغد، في البيت، والمدرسة، والشارع، والجامعة، وفي كل مواقع التفاعل الشعبي.

كفى تذاكياً من أرباب النظام الطائفي على الناس، في عملية التكاذب التي يتقاذفون فيها "كرة الطائفية" من يد الى يد، اذ كيف يمكن الغاء الطائفية من النفوس، اذا كنا نصطدم بنصوصها المقيتة عند كل مفترق، كيف يمكن للمواطن أن يتحرر ثقافياً وعقلياً ونفسياً من الطائفية وموروثاتها، اذا كان معيار الحصول على الوظيفة، وعلى فرصة العمل، وعلى الاستشفاء، وعلى التحصيل العلمي وعلى خدمات الدولة الأساسية، كلها تمر عبر "الطائفة" التي تمثل في النموذج اللبناني "ميني - دولة" في دولة هي أقرب الى "كونفدرالية دويلات الطوائف".

وبالمقابل، فلنخرج من جدل أن "الطائفية" شيء، و"الطائفية السياسية" شيء آخر، فالطائفية بكل مفرداتها باتت تشكل عبئاً على صدر المواطن يجب ازاحته.

الطائفية مرض، ووباء يجب القضاء عليه قبل استفحاله، وهذه الطائفية لم تحم يوماً لا المسيحيين ولا المسلمين، فكفى خداعاً ومراوغة ومداورة ومراوحة.

دولة المواطنة تحمي الجميع وتكفل حقوق الجميع عبر تشريعات مدنية وطنية تبدأ من انبثاق السلطة والانتخاب وصولاً الى تنظيم حياتنا الوطنية برمتها.

كرة "التحرك الشعبي المدني" ستكبر وستكسر كل القيود وصولاً الى الدولة، التي لا يمكن العبور اليها الا بذهنية المواطنة والهوية الوطنية والانتماء الوطني المنشود.

زهير فياض