أوروبا الحائرة في أمرنا.. ما المدى الذي ستمضي فيه؟

العدد 58 - نيسان 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
لو كان من وصفٍ لصورة الإتحاد الأوروبي، كما تظهر اليوم حيال طائفة من مشكلات العالم العربي، فقد لا نجد ما يُعطى لها إلاّ صفة الحَيْرة. وحين نرى الى هذه الصورة في معطياتها الشّرق أوسطية، سوف يتوضّح لنا حجم التَّحيُّر، لناحية المواقف الّتي ينبغي أن تُتَّخذ بإزاء جملة من القضايا المَصيريّة.

لو كان من وصفٍ لصورة الإتحاد الأوروبي، كما تظهر اليوم حيال طائفة من مشكلات العالم العربي، فقد لا نجد ما يُعطى لها إلاّ صفة الحَيْرة. وحين نرى الى هذه الصورة في معطياتها الشّرق أوسطية، سوف يتوضّح لنا حجم التَّحيُّر، لناحية المواقف الّتي ينبغي أن تُتَّخذ بإزاء جملة من القضايا المَصيريّة. ففي سياسات الإتّحاد الأوروبي المُتَعلَّقة بالإحتِدام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، أو بقضايا العراق وأفغانستان، ناهيك بالأعاصير السياسية والأمنيّة الّتي حدثت مؤخراً في عدد من الجغرافيات العربية، ما يشي بهلامية لافتة. وهي سياسات هُلاميّة تكاد أن تبلغ حدود الغياب عن أيّ توجهات ذات طبيعة استراتيجيّة.

نعني بهذا، أنّ الإتحاد الأوروبي على الرّغم ممّا تشكّله دولُه مجتمعة من قدرات، فقد بدا عاجزاً عن أخذ قراراتٍ حاسمة خارج المراسيم الإجماليّة للسياسات الأميركية في المنطقة..

قد تُفسّرمثل هذه الوضعيّة على أنّها ظاهرة بديهيّة. إذ غالباً ما تُختَزَل أسباب نشوء هذه الظاهرة في إطار جدليّة الهيمنة والتّبعيّة. لكنّ القضيّة في الواقع، لا تلبث أن تتحوّل الى إشكاليّة حقيقيّة بعد أن أخذ العالم يشُقُّ مرحلة إنتقاليّة فعليّة من التّوازنات وتعدُّديّة الأقطاب.

في مقاربة للمفكَّر الفرنسي سيرج لاتوش، كنّا قرأناها قبل سنوات، سوف نستشعر المدى الذي قطعه في محاسبة الذّات. كما تظهر لنا فيها درجة المرارة النّقدية التي مورست داخل العقل الثّقافي الأوروبي لجهة العلاقة مع أميركا.

حسب لاتوش ... "إن أفضل أنواع الهيمنة، هو ذلك النّوع الذي يبقى فيه الخاضع للهيمنة غافلاً عما هو فيه". هذه الكلمات، ربّما اختصرت الرُّؤية الأعمق التي يحتج بها المثقّفون الأوروبيون، وهم يرسمون بعبارات فلسفية طبائع الهيمنة الأميركية على أوطانهم. وكما هو بَيّنٌ فإنّ أكثر الأوروبيين، والفرنسيين منهم على الأخص، باتوا يفقهون هذه الأطروحة، إلاّ أنهم لا يصنعون عملاً، يفتح على إجراءات استراتيجيّة جديّة لإحداث تغيير في الصورة.

والحال، لم تتبدل مقاصد السيطرة الأميركيّة على أوروبا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. غير أنّ تقنياتها هي التي تبدلت، بحيث سلكت طوراً جديداً في إطار ما سُمّيَ "الإمبريالية النّاعمة". على أن هذه التقنيات ستصبح استراتيجية مكتملة القوام، ولو ظهرت على ذلك النحو من التّحوير الإيديولوجي الذي مارسته ثقافات المحافظين الجُدُد على مدى عقدين ويزيد. أما معاينو صلة القربى بين أوروبا وأميركا فقد ظهر لهم أن منطق السيطرة جرى ويجري على نحو يدفع المسيطَر عليه باتّجاه الحد الأعلى من القنوط والتّماهي، ليحصل جرّاء ذلك ما يشبه العزوف المريع عن التّساؤل والإحتجاج والممانعة...

النقد الأوروبي لأميركا لم يفارق حال الكسل التي هو فيها. بل أكثر من ذلك، فإنّه ظل حبيس كَسلِهِ، حتى وهو مثقل بإحساس غريب بالظلم.

ذلك ما ينظر إليه الكاتب الفرنسي إيناسيو رامونيه باعتباره ضرباً من الغرابة. ثمّ يمضي ليرى في شيء من الإستِغراب، أن المقاومة الأضعف التي يلقاها المشروع الإمبريالي بأطواره القديمة والجديدة؛ هي في أوروبا الغربية. وأمّا السّبب في هذا، فيرجعه رامونيه الى علَتين:

الأولى سياسية، وقوامها أن الولايات المتحدة نشأت نتيجة أول ثورة ديموقراطية، هي ثورة العام 1776 التي سبقت الثورة الفرنسية بثلاثة عشر عاماً.

والثانية تاريخية، ومؤادها أنه باستثناء إنكلترا في القرن الثامن عشر، وأسبانيا في أواخر القرن التاسع عشر، لم يحدث أن قامت دولة أوروبية في مواجهة ثنائية مع أميركا. بل على العكس، فإن دولة الحرية هذه استقبلت بالترحاب ملايين اللاجئين والمنفيين الأوروبيين،؛ وفي الحربين العالميتين (1914 - 1918 و 1939 - 1945) تصرفت أميركا بوصف كونها صديقة القارة العجوز، وذلك من خلال مشاريع إعادة بناء ما تهدّم في الحرب. وكذلك عبر مشاركتها أوروبا ما بعد الحرب في مواجهة الظاهرة الفاشية.

مع ذلك، فإنّ شرائح واسعة من فلاسفة ومُفكّري أوروبا لم يُغادروا مشاعر الشّك تجاه المركزيّة الأميركيّة ومقاصدها، وهو ما عبَّر عنه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغرحين قرّر أن ديموقراطية أميركا، ما عادت سوى ذريعة لبسط الأغلال.

على هذا المكتظب البليغ، ربما أمكن لنا ملاحظة ما تطويه فضاءات العقل النقدي الأوروبي لمسارات الهيمنة الأميركية.

وعلى هذا النّحو، سنسمع في عواصم الإتّحاد الأوروبي اليوم الكثير ممن يرى أنّ لأوروبا أن تفعل شيئاً... أقلُّه، وقد عرفت سر $الإمبريالية الناعمة#، أن تفعل هذا الشيء. أي أن تعود لتستأنف وحدتها على أساس الممانعة والإستقرار الإستراتيجي في الثّقافة والسياسة والإقتصاد. بل على نصاب لا يعود فيه الأوروبيون حيارى بين حديّن مستحيلين: إما الإمبراطورية المفتوحة على الإقتدار والتوازن الخلاّق، وإما البقاء على استكانتها وطواعيتها، للمركزية الأميركية. أمّا الكلام الأخير لهؤلاء فهو عدم الإكتفاء بالسّخط، ولسان حالهم يقول: لا بأس قسطٍ قليلٍ من المخاطرة.

أوروبا الآن في الإختبار الصّعب. وأمّا أبناؤها من الذين يدعون الى خوضِ مغامرة الاستقلال عن الإرادة الأميركية فيُخشى أنّهم تأخّروا قليلاً في تلك الدّعوة .لكنّ الوقت لم يفُتْ، وحركة الزّمن العالمي هي اليوم في حالة انتقاليّة مفتوحة على الاحتمالات وهنا قد تتَّسِع مجالات الرَّهان على رغبات الاستقلال الأوروبي في إطار العالميّة متعدَّدة الأقطاب.

غير أنّ السؤال الذي يعنينا ضمن الدّائرة العربية المحمومة هو التالي: ما المدى الذي ستمضي فيه أوروبا وهي حائرةً في أمرنا؟

محمود حيدر رئيس مركز دلتا للأبحاث المعمقة - بيروت