الثورة المصرية تأسيس للمواطنة و... "العلمانية لسه ممكنة"

العدد 58 - نيسان 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
ربما لم يعن شيئاً للكثيرين، أن ينظروا الى ثورة ميدان التحرير كثورة علمانية، أو بشكل أدق كحراك في الفضاء العلماني، مندرجاً في شروطه كمعايير بدئية لقياس التغيير المطلوب الذي يمكن الإتفاق عليه حراكياً ومجتمعياً، من دون الإعلان عن علمانية "الثورة"

ربما لم يعن شيئاً للكثيرين، أن ينظروا الى ثورة ميدان التحرير كثورة علمانية، أو بشكل أدق كحراك في الفضاء العلماني، مندرجاً في شروطه كمعايير بدئية لقياس التغيير المطلوب الذي يمكن الإتفاق عليه حراكياً ومجتمعياً، من دون الإعلان عن علمانية "الثورة" لإن في ذلك إندراجاً في إفتراضية الحراك، وإفتراضية ممارست، حيث بدا أن الإبتعاد عن هذا الإندراج هو هدف بحد ذاته، فلو أعلنت هذه الثورة علمانيتها لحوربت ولسقطت من يومها الأول في سفسطات التكفير والتحريم، ولتحولت الى جدل تنفيسي واعٍ ولكنه مغلول عن تجاوز الفضاء الإفتراضي لحملات إفراغ الحنق الشعبي من الظلم الذي لا يمكن توصيفه وإدانته إلا من خلال معايير علمانية وعملانية متعلقة بمفاهيم الحداثة التي يجب أن تكون عليها الدولة الرشيدة.

منذ بداية الحراك كانت مسألة المواطنة بمواصفاتها وحقوقها المدنية المعروفة، مفروضة على واقع الممارسة اليومية للإحتجاج، فالمساواة أمر قابل للتطبيق مع إختلاف الآراء والرؤى، حيث تنبش هذه المساواة أرقى ما في الإنسان وأكثره فعالية وإخلاصاً، لتبتعد الجمهرة عن قطيعيتها ورعونتها وجبنها وتنضوي في نظام معروف ومعلن ينطلق من بدهية التعاقد البدئي للتجمع الإنساني على التسالم من أجل تحقيق الغاية الأكثر جمعية ومن ثم تنظيم الأمور الأكثر تعقيداً بناء على هذه القاعدة التي تصل في نهاية مطافها الى الدولة الرشيدة المعاصرة.

في خضم الحراك / الثورة لم تختف مظاهر الطائفية إنما تمت مقاومتها، وتحييدها إذا شئنا، فالعقلانية العلمانية تفترض مقاومة كل ما هو همجي أو (غريزي) تحت ضغط الحاجة للنجاح التي تعني الجميع والتي يقيسها ويتحكم بها العقل فقط، أو يعقلها باللفظ التراثي وأيضا إذا شئنا، حيث أستقبل (التحابب) الطائفي عبر إقامة الشعائر المتبادل لإثبات الوجود على مركب الثورة، استقبلته على انه حوار وطني اجتماعي ينفي النية في إفناء الآخر على الأقل، فالوقوف والتظاهر يأخذ ساعات طويلة لا تأخذ منها إقامة الشعائر إلا لحظات، أما الباقي فهو للتعارف على الآخر والحوار معه، وربما كان حضور الغناء والموسيقى في ساحات الإحتجاج، هو من أكبر الإقتحامات الثورية لعالم إجتماعي مسكون بالسكون والتقليد، ليشكل ميدان التحرير فضاء للمختلفين كي يمارسوا فيه إختلافهم وليكتشفوا مدى ثراء هذا الإختلاف وإمكانياته في محاولات الإرتقاء المجتمعية.

في ميدان التحرير وأخواته بدت ثقافة العولمة، هي العملية الوحيدة القادرة على إعادة إكتشاف وتعريف الحق بمعناه المعاصر القابل للتطبيق عبر مقارنته مع الحق النظري الموؤد إما بتراكم إدعاء العلمانية ما أدى إلى تحجره، أو بتراكم التعاريف التراثية لهذا الحق، التي تجعل منه وأيضاً مستحاثة أثرية لا مجال لتنفسها هواء مشتركاً مع بقية البشر، حيث ظهر أن الحق المواطني العادي وربما البدئي، هو أكثر بكثير من مجرد الحصول على مأكل وملبس ومسكن، بل أن المشاركة في الإنتاج والعمل هو الحق الأكبر للإشتراك في المكاسب، والفارق هنا هو الكرامة الإنسانية التي يعليها العمل والإنتاج، لتصبح الحرية أثمن من رغيف الخبز لإنها تعني تماماً المشاركة في الإنتاج. لتبدو ثقافة العولمة المنتجة لهكذا نوع من الحراك المجتمعي ثقافة منتجة، ولكن حسب الموقف منها، فهي كأمر واقع يمكن إحصاء مثالبها وفتح رشاشات الشتائم عليها، والقعود والإنتظار حتى تنتج هذه الشتائم إرهابها الخاص، في حين يمكن التعامل معها كفضاء تنافسي يمكن التأسيس له بالحراك الحضاري المتمثل بضبط الحقوق، وإذكاء الإنتاج.

تتساوى محاولات إفشال الثورة مع محاولات ركوبها، وذلك عبر محاولات نزع علمانيتها عنها، ليبدو أن الكل فاهم أن هذه الثورة علمانية بإمتياز، ولسوف تتجاوز في حال نجاحها كل البنى التقليدية للحزبية العربية (الحاكمة والمعارضة) بأيديولوجياتها وممارساتها الرثة والتي ظهرت في هذا العالم المعولم والعلماني كإستظهارات شعائرية معتمدة على قدسية الألفاظ والأشخاص، لترمي من عل الى شعوبها أهدافاً صبيانية، ومعارك جزافية، وتسالي سياسية، تتجاهل كلها الحق الحقوقي للكائن البشري، وبالتالي تأجيل تعريف المواطن والمواطنة وإستحقاقاتهما الوطنية والمجتمعية والخارجية الى ما بعد حل هاتيك الإحجيات المعجزة التي لا يعلم إلا الله إي أحجيات مستقبلية قد تخلق في حال نجاح ما يمكن تسميته (الثورة المضادة)، ومع كل هذا يبقى الإنجاز الثوري لهذه الثورة المصرية الوليدة المتمثل في علمنة الحراك المجتمعي، مكسباً هائلاً على طريق التأسيس للمواطنة كفعل إنتماء الى الوطن.

لما تزل العلمانية ممكنة، أمام جميع المجتمعات العربية حكام ومحكومين، فالعلمانية المعاصرة التي تجاوزت أسئلة الإيمان الديني وغيره من الإيمانات، أصبحت تشكل وعاء حقيقياً للتنمية بجميع أشكالها والسياسية منها بشكل ملح ومؤكد، ففضاؤها الحاضن للتفاعلات الإنتاجية في المجتمع، قادر على أستيعاب إستحقاقات الوجود في العصر من عمل وإنتاج وبناء وإرتقاء، عبر التأسيس لممارسة المفاهيم التكنولوجية في شكل دقيق، دون إستثناءات أو تأجيلات، فالواقع لم يعد يحتاج الى قرون من الزمن لحصول تغيير ما أو للحصول على تغيير ما، لان الزمن لديه سنابك الآن تدوس في طريقها أي متخلف عن إستخدام تكنولوجياته و... بدقة

نجيب نصير