على باب مُفاجآت المنطقة.. جيولوجيا إسرائيلية و"انصدام"

العدد 58 - نيسان 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
في إسرائيل اليوم أسئلة وهواجس، يتداولها الخُبراء وسائر ألوان اللاّهوت السياسي الإسرائيلي، لا قِبَلَ لها بها. يتعلّق الأمر بما يجري من تحولات جذريّة في أنظمة الأمن والسياسة والاستراتيجيّات، على مستوى منطقة الشرق الأوسط برمّتها.

في إسرائيل اليوم أسئلة وهواجس، يتداولها الخُبراء وسائر ألوان اللاّهوت السياسي الإسرائيلي، لا قِبَلَ لها بها. يتعلّق الأمر بما يجري من تحولات جذريّة في أنظمة الأمن والسياسة والاستراتيجيّات، على مستوى منطقة الشرق الأوسط برمّتها. ما الذي يمكن رؤيته في فضاء التفكير الإسرائيلي حيال المَشهَد الّذي افتُتِحت وقائعه وإرهاصاته منذ بداية العام الجاري؟ على الجملة، لا يُحمل تفكير القيادات الإسرائيلية العُليا بإزاء تحوّلات المشهد الإقليمي، إلاّ على نصاب القلق الاستثنائي. وبهذا المعنى يدخل التّلقي الإسرائيلي للحادث الثّوري الذي ينتشر اليوم على مساحة واسعة من الجغرافيّات العربيّة، تحت عنوانٍ عريضٍ هو "الانصدام". ومثل هذا الوصف يتعدّى في مرتبته الدلالية حدود "الصّدمة". فهذه الأخيرة تحصل عادةً ضمن سياق تكون مقدّماته معلومة، ونتائِجَهُ مُتوقّعة على الإجمال، وعلى هذا القياس تستطيع الجهة المَعِنيّة أن تَتَهَيَّأ للاحتِمالات، ثمّ لها أن تمضي إلى ترتيب سياساتِها تِبعاً لذلك. أما الوضعية التي تظهر عليها إسرائيل وهي تتعامل مع التحوّلات العاصفة، فلا ينطبق عليها المُصطلح الشّائع لمعنى الصدمة، وأبعاده العميقة. ولنا أن نقول، إنّ الحالة الإسرائيليّة الّتي انعقدت تحت ما سمّيناه "الانصدام"، هي أشبه بتلك الحالة الّتي يُطلِقُ عليها علماء النّفس "الأفازيا" L`aphasie، أي ما يُسمّى بـ "الوضعيّة الحديّة"، وهي التي يفتقد المُصاب بها القُدرة على فهم ذاته وقدراته، وكذلك عدم قدرته على فهم مواقع الغير ومصادر قوّتهم، وفي هذه الحال لا يعود يُميّز بين الخطوط والمَسارات، حيثُ يعيش في جوٍّ مشحونٍ بانعِدام الرّؤية.. ويغدو كالسّاكن في قلعة مسكونة بالخوف، يُطوَّقها الأعداء من كلّ جانب. لا يتوقّف الانصدام الإسرائيلي بهذا المعنى، عند باب المُفاجآت، ولا عند الإقرار بقصور العقل التّحليليّ عن إجراء تحريات استراتيجيّة، ترتّب ما يحصل ضمن سلسلة الإنباءات المرصودة.. بل إنه يتجاوز ذلك كلّه، لتبلُغ آثاره العميقة بُنية المجتمع والدّولة والمؤسسة العسكريّة، فضلاً عن المؤسسة الإيديولوجية والدينيّة.. وصولاً إلى الحسابات الدّاخليّة والخارجيّة لموقعيّة إسرائيل ومستقبلها في المِنطَقَة. لعلّ أبرز إظهارات التّلقّي الإسرائيلي للتّحوّلات التي عصفت بجغرافيّات الثّورة العربيّة في غُضُون الشّهرين المُنصرمين، أنّها ألقت بأسئلة إسرائيليّة غير مسبوقة حول الأمن القومي. وهنالك من ذهب إلى أن الحاصل الإجمالي على أرض الجغرافيّات العربيّة المشار إليها، هو ضربٌ من جيولوجيا سياسيّة أمنيّة، سوف تؤول على الأرجح إلى زعزعة أحد أمتن أسيجة الحماية الاستراتيجيّة لدولة إسرائيل. ولدى كثيرين من الإسرائيليّين اعتقاد يقول: إن ما تمّ بناؤه على امتداد زمن طويل، لجهة إرساء أُسُس إضافيّة للأمن القومي الإسرائيلي، راح ينهار في بحر أسابيع قليلة. لنذكر كلاماً يتداولُه المعلَّقون الإسرائيليون، وله من الدّلالات ما ينبئ بقلقٍ مقيم: فالمسار الذي أرست الولايات المتّحدة الأميركيّة ركائزهُ عبر عمليّة السّلام بين العرب وإسرائيل، منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد قبل اثنين وثلاثين عاماً، دخل في نظر الإسرائيليّين طور التَّصدُّعِ والانهيار. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت إسرائيل ترى إلى السّلام مع مصر، باعتباره قاعدة الارتكاز الكُبرى لكسب مشروعيّتها السياسيّة. ولم يكن من غير دلالة، ما أعلنه بنيامين بن اليعازر الّذي كان آخر المُتحدَّثين مع الرّئيس حسني مبارك قبيل تنحّيه، من أنّ إسرائيل فقدت زعيماً سياسياً كان يرى في استقرار الشرق الأوسط أساساً وقاعدة لكلّ تفكيره. وبعد سقوط الأخير بات كلام بنيامين نتانياهو أكثر حراجة، واستشعاراً للخطر المُحدِق، حين قرّر أنّ مصر تحوّلت إلى إيران جديدة، ولم يعُد لَه بالتّالي من خيار، سوى البحث الشّاق من أجل العثور على سبيلٍ آخر للتّكيّف مع التّحوّلات الجيوستراتيجيّة الجديدة. غير أنّ الوجه الأخطر في الوعي الإسرائيلي لخارطة التحوّلات، هو إدراك حقيقة أنّ زمن الشّراكة الاستراتيجيّة مع مصر قد ولّى إلى غير رجعة. ففي تقدير الخُبراء الإسرائيليّين أنّ النَّظام الجديد في مصر، أيّاً كانت توجُّهاته والمدى الّذي سيَعتَمِدُه في تحديد السّياسات الخارجيّة وقضايا الأمن القومي، فإنّه لن يستمرّ على تحالفه الأمني والسّياسي مع إسرائيل. بل إنّ ثمّة من الإسرائيليّين من يمضي في التّوقُّعات المُحتملة، إلى الدّرجة الّتي يرى فيها صورة مصر وهي تنتَقِل تدريجيّاً من الصّداقة إلى الخُصومة، ثمّ إلى العداء مع إسرائيل من جديد.. كما لو كانت تلك الصّورة الرّاهنة، هي نفسها التي تستعاد من حرارة السّنوات الأولى للحقبة النّاصريّة. ولكن، بقطع النّظر عن "بارومتر" الاعتدال أو الغلو في التّقدير الإسرائيلي، فالثابت الذي بات واقعاً سياسيّاً لا جدل فيه، هو نهاية ثلاثة عقود من الرّهان على الشّراكة مع مصر، ودخول العلاقة مع هذه الدّولة العربيّة المركزيّة، في زمنٍ مُكتظٍّ بالقلقِ وانعدامِ اليقين. تبعاً لتصوّرات وتقديرات كالتي مرّ ذكرُها، فإنّ من بديهيّات الأمور ألاّ يتوقّف الانصدام الإسرائيلي عند هذه الحدود. فالتّحوّلات الجارية على المساحة الأعظم من خارطة العالم العربي، يبدو أنّها ستضاعفُ إلى حدٍّ بعيدٍ من درجات الهلع الإسرائيلي. وهو الأمر الّذي ينبغي أن يندرج ضمن سلسلة متواترة من التّحوّلات الجيوستراتيجّة، قد يتقرّر في ضوء نتائجها القريبة، المَشْهَد الإجمالي لنظام الأمن الإقليمي بِرِمَّتِه.

محمود حيدر