أبدية المثقف... وراهنية السياسي

شوقي بزيع-العدد السابع-كانون الثاني2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

يحضرني في هذا السياق النص اللافت الذي قدمه الشاعر الروسي جوزيف

بروتسكي أمام الأكاديمية السويدية بعد حصوله على جائزة نوبل

للآداب، حيث تناول العلاقة بين المبدع وبين السياسي فيقول إن هناك

سوء تفاهم بين هذين الطرفين ويعلل ذلك بكون المبدع يمثل الدائم

الأبدي فيما السياسي يمثل المؤقت والراهن، ويقول إن الضغينة التي

يحملها رجال السياسة على المثقفين والمبدعين، مرّدها إلى أنهم يشعرون

بأهمية هؤلاء، وإلى أنهم يدركون أنفسهم بأنهم عابرون على الرغم من

كل الضجيج الذي يحيط بهم، وعلى الرغم من استيلائهم على الحاضر

يشعرون بأن المثقفين والمبدعين يستولون على المستقبل وعلى الزمن

بكامله.. أخذاًَ بعين الاعتبار هذه المداخلة الجميلة، أود أن أقول

إنه ليس من الضرورة أن تكون هناك قطيعة كاملة بين المثقف

والسياسي، وإذا لم يكن هنا الآن مجال لتحديد مفهوم السياسي

والمثقف، نستطيع أن نقول إن بعض السياسيين هم مثقفون بشكل أو

بآخر، سواء كانوا تكنوقراط أو يحملون شهادات عالية جامعية

منهم الأكاديميون وغير الأكاديميين وهناك نقاط تداخل بين الاثنين

باعتبار أن كلاً منهما يتوجه إلى الآخرين، يعني حقل العمل الثقافي

هو حقل اجتماعي، المثقف حين يرضى بأن ينشر عمله الفكري أو الأدبي

أو الشعر فهو ينشره لأنه يريد أن يصل إلى نفس الشرائح التي يريد

السياسي أن يصل إليها، كل على طريقته.. طبعاً العلاقة يمكن أن

تكون علاقة تكاملية إذا كانت تتم في مناخ صحي وفي بلد ديمقراطي

متقدم ولكن لسوء الحظ غالباً ما تكون هذه العلاقة علاقة تناحرية

فكل من الطرفين يملك إحساساً عالياً بالأنا وهي أنا مضخمة عند

كليهما.. ولا أريد أن أعفي المثقفين من نصيبهم من الأخطاء، حتى لا

تظهر المسألة وكأنها صراع ديوك بين المبدعين والسياسيين ولأن السياسي

كما ذكرت يملك كل الأدوات اللازمة للتحكم بالحاضر ولأنه يهيمن على

مستوى القرار والإمكانات المادية وعلى مستوى العلاقة بالأجهزة

الأمنية وما سوى ذلك، فيستطيع أن يؤثر في الإبداع والمثقف أكثر من

أن يكون للعكس أن يصح.

المشكلة للعلاقة هي أنها يجب في شرطين اثنين، هما الندية أي أن تكون

علاقة ندية بين متكافئين، والنقدية، أي أن يستطيع المثقف أن يمارس

أدواته النقدية في وجه السياسي الذي غالباً ما يتم انتخابه

لأسباب لا علاقة لها بالمستوى الحقيقي للسياسة قد تكون أسباب السلطة

والنفوذ والمال والعلاقة بالطبقة الحاكمة ولكن ما نلاحظه أن رجال

السياسة لا يقبلون بهذين الشرطين، بل يريدون المثقف تابعاً لهم

وخادماً لهم ولا يقبلون بالنقد حتى لو كان موضوعياً وجريئاً، ولذلك

أرى أن هذه العلاقة محكومة في العالم العربي بالتناحر والبغضاء

والمواربة على الأقل.. وللأسف نرى أن الكثير من المثقفين يتخلون عن

هذا البعد العميق لدور المبدع والمثقف الذي يمثل الأبدية والمطلق،

لمصلحة العابر والراهن، لمصلحة المنفعة، ويخونون مهماتهم وهي أن

على المثقف الحقيقي أن يكون طليعياً وفاعلاً يمثل المستقبل والوعد

والحلم الإنساني وهذا ما يأمل منه الناس العاديون، فكثير من

المثقفين يتحولون إلى مثقفي بلاط إلى خدم لدى السلطة.. إلى ممالئين من

أجل الحصول على فتات غنائم، قد تكون عابرة ومؤقتة لأن هناك سيفاً

مسلطاً على رؤوسهم إذا لم يقدموا ثمناً غالياً لهذه الامتيازات

البسيطة، لذلك أرى أن الأزمة ستظل قائمة بين الطرفين، وهذا

الصراع في حدود معينة له بعد إيجابي، ويجب ألا نراه دائماً في البعد

السلبي. لأن السياسي يحتاج إلى من يصوّب مسيرته.. إذا كان السياسي

يمتلك بعد نظر عميق فهو بحاجة إلى المثقف والمبدع والفنان لكي يكون

مرآته وضميره والسلطة حتى لو عدلت تحتاج دائماً إلى من يشعرها

بالخطر.. خطر الاستنقاع والجمود لأن السلطة لا تستطيع أن تتحرك بحكم

مسؤولياتها بالدينامية التي يتحرك بها الأدب والفن، فالأدب والفن

من حيث مادته التي يشتغل عليها وهي مادة متخيلة تتصل بالنهائي

والمطلق، لذلك يمكن للسياسي المتنور أن يفيد إلى أبعد الحدود من

المثقف وهذا يتم كما ذكرنا في البلدان الديمقراطية وبلدان ليس

فيها ما نعانيه في العالم العربي من الأمية ومن الجهل ومن تغييب

الشرائح الكبرى من الجماهير.

على المستوى الشخصي، كنت دائماً في المكان الضدّ، وليس من قبيل

التبجح، ولكنني أمتلك حساسية مفرطة تجاه السياسيين، لدرجة أنني

أشعر أحياناً بمبالغة ورومانسية موروثة على الأرجح أو رافقتني منذ

صباي باتجاه السياسيين حتى لو كنت أرى فيهم أحياناً بذوراً إيجابية،

ولكن أعود هنا إلى الشرطين اللذين ذكرتهما في البداية بأن معظم

السياسيين لا يقبلون بالندية المتكافئة ولا يقبلون بالنقد، لهذا

فإنني أفضل تحاشي هؤلاء، والتعاطي مع السياسة على مستوى النص

المكتوب، لقد كنت مسؤولاً ثقافياً في جريدة السفير في التسعينيات

وأكتب زوايا في صحف لبنانية وعربية فمواقفي السياسية هي مواقف

ذات طابع اعتراضي، نقدي وغير مماثلة، وأعرف أن لهذه المواقف أثماناً

كثيرة وباهظة، وأعرف بأن هناك امتيازات يمكن أن يخسرها الكاتب،

ولكن أعرف بأن هناك الحد الأدنى من النزاهة التي تفرض على الكاتب

أن يشهد الحقيقة وألا يكون مزوّراً للواقع.