التغيير حاجة وضرورة... لكن

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
يشهد العالم العربي على مستوى الدول والمجتمعات والشعوب تغييرات وتحولات مثيرة في وقائعها وأحداثها ومساراتها من تونس الى مصر الى اليمن، الى البحرين، الى ليبيا وانتهاءً بسورية. أحداث تتسارع وتيرتها وتأخذ أشكالاً وأنماطاً واتجاهات مختلفة ومتعددة، وبالطبع تختلف هذه الأشكال والإتجاهات وتتعدد باختلاف الظروف والمعطيات الذاتية والموضوعية المحيطة بواقع كل دولة عربية على حدة،

يشهد العالم العربي على مستوى الدول والمجتمعات والشعوب تغييرات وتحولات مثيرة في وقائعها وأحداثها ومساراتها من تونس الى مصر الى اليمن، الى البحرين، الى ليبيا وانتهاءً بسورية. أحداث تتسارع وتيرتها وتأخذ أشكالاً وأنماطاً واتجاهات مختلفة ومتعددة، وبالطبع تختلف هذه الأشكال والإتجاهات وتتعدد باختلاف الظروف والمعطيات الذاتية والموضوعية المحيطة بواقع كل دولة عربية على حدة، مما يجعل أي عملية تقييمية مسألة محفوفة بالمخاطر، وتتسم بدرجة لا بأس بها من التعقيد والصعوبة وتفترض إلماماً بكل الوقائع التي تشكل البيئة المحيطة والمرافقة لهذه التحولات. ثمة اعتقاد لا بل ايمان متنامي لدى غالبية الشعوب العربية بضرورة التغيير والتطوير والاصلاح الحقيقي البنيوي لهذه الأنظمة والهياكل والبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهرمة التي أثبتت عجزها في أكثر من مكان وفي أكثر من مفصل تاريخي. بيد أن السؤال الذي يتراءى من خلف المشهد: هل تبلور لدى "الشعب" اتجاه التغيير هذا؟ أو هل ارادة التغيير تقترن برؤية للتغيير؟، هل شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" يمثل شعاراً للبناء أم للهدم؟ هل التيار الشعبي الذي يريد اسقاط الأنظمة من أقصى المغرب الى أقصى المشرق العربي يمتلك زمام أموره فعلاً؟ وهل يملك تصوراً لما هو بعد "اسقاط النظام"؟ وهل هناك أصلاً تصور للنظام القادم؟ فلنبدأ من نقطة أساسية: "اذا كانت المسألة مرتبطة بالاصلاح"، فكل الدول العربية وكل مجتمعاتها دون استثناء بحاجة الى تحديث وتطوير وعصرنة لتواكب روح العصر، واذا كانت المسألة مسألة حريات فهذه أيضاً حاجة وضرورة، واذا كانت المسألة تختصر باشاعة الديموقراطية وتعزيز مبدأ تداول السلطة، فكل هذه القضايا أساسية ومطلوبة ولا يمكن القفز فوقها أو تجاوزها، واذا كانت المسألة "تعزيز المواطنة" قيماً وسلوكاً فهذه تمثل مدخلاً لبناء الدولة العصرية. ولكن، امعان النظر في الحراك الممتد من دولة الى أخرى ومن قُطر الى أخر، يطرح أسئلة حول مشروعية ما يجري وآفاق تطور هذا الحراك المستقبلي ومدى انسجام شعار "التغيير" مع مضمون حقيقي يتم ترجمته في رؤى وبرامج ومشاريع وخطط وطروحات واقتراحات جدية باتجاه هذا التغيير الموعود. ولعل نقطة ضعف هذا الحراك أن الشق المعلن من أهدافه هو "اسقاط النظام" دون الاعلان عن "خط عريض" للأساس الذي سيقوم عليه النظام الجديد. في كل دولة عربية شهدت حراكاً تقوم معارضات للنظام القائم، بيد أن المشترك ـ بالمعنى السلبي - هو غياب رؤية مشتركة لديها من المفترض أن تتمظهر في برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، أو تعبر عن ذاتها في تحديد ملامح السياسات الداخلية والخارجية، وتحديد موقع هذه الدول في الواقع الجيو ـ سياسي وأيضاً موقفها من قضايا المنطقة. الحقيقة الثابتة، أن ارادة التغيير والاصلاح موجودة، ولكن الرهان الحقيقي يتمثل في امكانية المواءمة بين ثلاث ركائز: "ارادة التغيير" و"رؤية التغيير" و"فعل التغيير"، ومدى القدرة على حماية "التغيير" من محاولات المصادرة والتدجين التي تقوم بها دول ومصالح خارجية لتوظيفها في خدمة مصالحها ورؤيتها ونفوذها على كل المستويات. يبقى التأكيد أن التغيير هو حاجة داخلية بأدوات داخلية وبرؤى تنبع من صميم المجتمع وثقافته وتاريخه وحاضره ومستقبله.

زهير فياض