"مسيرة العودة إلى فلسطين" انتفاضة ثالثة

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
قد يكون ما حصل في الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين، مُنعطفاً جديداً في الصراع العربي - الإسرائيلي. لما يحمله من حالة وعي شعبي تراكمي، تشكلت تتويجاً أو إعتراضاً على صراع مُتعثر، كان يُمثل القضية المركزية العربية حتى نهاية الحرب الباردة.

كسرت حاجز الخوف وأعلنت الصراع المفتوح

قد يكون ما حصل في الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين، مُنعطفاً جديداً في الصراع العربي - الإسرائيلي. لما يحمله من حالة وعي شعبي تراكمي، تشكلت تتويجاً أو إعتراضاً على صراع مُتعثر، كان يُمثل القضية المركزية العربية حتى نهاية الحرب الباردة. ربما يكون بمضمونه محاولة جدية مُتماهية مع المناخ العربي الجديد، بهدف توجيه بوصلة الصراع الى وجهتها الحقيقية، في الوقت الذي كان فيه البعض يحاول جاهداً، إختصاره بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فإذا به ينبعث قضية عربية شعبية في الصميم، كسرت حاجز الخوف واعلنت الصراع المفتوح. عندما تحرر الفلسطينيون جزئياً، من ضغوطات وتدخلات وإملاءت انظمة الإعتدال العربي، المُرتبطة بالمحور الاميركي - الاسرائيلي، إتجهت اشرعتهم، بعد إبحار قسري، الى تخوم الشوق المُزمن، لرائحة بيادر العدس وبيٌارات الليمون، إستعادوا إرادتهم الموُدعة عند ابناء عمومتهم منذ نكبة الـ 48، وقرروا العودة الى فلسطين. وكأن مفاهيم مُتجانسة مُتماسكة، ولدت فجأة من رحم الشتات، الذي طالما إقتات الذل والهوان من مُنظمات حقوق الانسان والعدالة الدولية، لتؤسس لعصر جديد، تحت شعار عودة الحق الى اصحابه، بمعنى عودة الشعب الى ارضه وإنشاء دولته المُستقلة على كامل تراب الوطن الفلسطيني وعاصمته الابدية القدس. الحرية مسألة فكرية لا تتحقق إلا بالحرية، لإنها الوحيدة التي يُمكنها الإنتصار على الطغيان والظلم، وهي عكس الإنكسار المحكوم بالوهم، اي إنقلاب صورة الحقيقة داخل عقل الفرد او المجتمع، فيتماثل مع قصة القروي الذي اصابه المرض لظنه انه إبتلع افعى، حين ان اهل القرية إنتدبوه ليمثلهم بزيارة الحاكم المُتسلط لتقديم الولاء، إستلطفه الحاكم ودعاه الى الداخل وامر بتقديم صحن من الحساء لهذا القروي المسكين، بدأ القروي يأكل الحساء والحاكم ينظر اليه، ولوهلة لاحظ ان في صحنه افعى صغيرة، وكي لا يزعج الحاكم قام بإبتلاعها وإنصرف. لم يستطع القروي النوم من شدة الالم الذي اصابه، وفي اليوم التالي قصد قصر الحاكم من اجل الدواء والعلاج، فأدخله الحاكم وقدم له الدواء الممزوج بالماء في وعاء كبير، وما ان بدأ بتناول الدواء حتى وجد مرة اخرى افعى صغيرة في الوعاء، قرر هذه المرة ان لايسكت، فصرخ بصوت مرتفع ان مرضه كان ناجم من الافعى. ضحك الحاكم بصوت عال واشار الى السقف حيث عُلق قوس كبير، وقال للقروي، انك ترى في صحنك إنعكاس القوس وليس افعى، في الواقع لا توجد افعى حقيقية، نظر القروي مرة اخرى الى الوعاء وتأكد انه لاوجود لإفعى انما هو إنعكاس لغير حقيقة، فرمى الدواء لإنه لم يعُد مريضاً. عندما نتقبل وجهات نظر ومفاهيم مُحددة عن انفسنا نحن، وعن العالم المحيط بنا، فإننا نبتلع خيال الافعى، وستبقى هذه الافعى الخيالية حقيقة، ما دمنا لم نتأكد من العكس، وعلى قاعدة المجتمع معرفة والمعرفة قوة، ندرك انه ما ان يبدأ العقل الباطن بتقبل فكرة او معتقد ما سواء كان صائباً ام لا، حتى يبدأ بإستنباط الافكار الداعمة لهذا المعتقد. فالعقل قادر على تشويه صورة الواقع ليصبح ملائماً ومطابقاً لوجهات نظر مُفتعلة. منذ سايكس ـ بيكو 1916 حتى 15 ايار 2011 كان الفلسطينيون وبعض العرب، يخضعون لإنعكاس القوس، في هذا المناخ دخلت الهجرة اليهودية ـ الاستيطانية الى بلادنا، ولعنصريتها لم تنصهر في هذا المجتمع كباقي الهجرات المُنفتحة. اتقن الحكام تعليق الاقواس والشعوب العربية تثقفت على اكل الافاعي، تآلفت مع المرض، صار جزءاً من وعيها، عوارضه اضحت حقيقة، تُعبر عن إنقساماتها وتخلفها، خسرت معارك الوطن واحتفلت لإنتصارات الزواريب. خاضت حروبها الاخوية المقدسة، ارتكبت كل المعاصي وبقيت فلسطين مُغتصبة. ثلاثة وستون عاماً والمسألة الفلسطينية تدور على غير محورها الطبيعي، هانت مطامح بعض قياداتها لإدنى التنازلات، عقلها السياسي كان يبحث عن التسويات، والاوطان البديلة وعقد الإتفاقيات المُذلة، سعت لمكاسب سلطوية على حساب التحرير والعودة، في الوقت الذي تُنهب فيه البقية المُتبقية من الارض الفلسطينية بسياسة المُستعمرات، تُقفل مداخل غزة بالتنسيق مع الاخوة، فيستنبط الشعب المقهور مداخلة المُتاحة، فتتحول الانفاق الى ثقافة وإسلوب صراع من اجل البقاء. يكاد المسجد الاقصى ان ينهار، ومشروع تهويد القدس يكاد يمحي صورة المسيح، تُقتلع الاشجار وتُهدم البيوت، ويُقتل الاطفال والنساء والرجال كل يوم، على مرأى ومسمع اهل الشتات، واهل العرب، واهل حقوق الانسان والعدالة الدولية، ولم يحدث شيء، الا مزيدٌ من الظلم والسفاح. من جيل النكبة الى جيل الفيسبوك، إنتصبوا فجأة على تخوم الوطن المُغتصب، اتوا من كل حدب وصوب، اعلنوا إنتفاضة الشعب، أسسوا لزمن جديد، قرأوا البلاغ رقم واحد، وقعوا عليه بدمائهم، ورحلوا على وعد العودة. لا بُد من قراءة التحديات والتحولات الحاصلة في وعي الشعوب العربية، قراءة دائمة ومُتجددة، بأدوات فكرية جديدة حيث تنتفي وجهة النظر وتسقط المسلمات، لتسارعها ومُفاجآتها، فعودة الصراع العربي ـ الاسرائيلي بقوة الى الواجهة، ومصالحة "حماس" والسلطة الفلسطينية، وصراع نتانياهو ـ اوباما على صياغة الاحتمالات الاكثر إذلالاً، والخوف من سقوط الصراع العربي ـ الاسرائيلي بسقوط سورية الذي ربما يؤدي لإندفاعة تفتيت المنطقة الى دويلات متناحرة، والتأثير سلباً على ثورة مصر وعرقلة تمكنها من التموضع كحاضنة عربية بعد طول غياب. والسؤال: هل يمتشق الشعب الفلسطيني راية الصراع، على مفاهيم الوحدة في الغايات والاهداف والمصير. إن إلحاح الضرورة يقتضي إنفجار الوعي القومي، تجاوزاً لمرحلة الانحطاط التي تكاد تُلغي إنتصارات المقاومة وجهود دول المواجهة. إن إنبثاق عصر عربي جديد بات ضرورة وطنية، تستلهمها الشعوب المُستهدفة بثقافتها ووعيها وحضارتها وإنتمائها ووجودها، الحروب على المجتمعات هي حروب إلغائية، ومستقبل المنطقة مرهون بوتيرة الاستجابة للتحدي الذي يقوده المحور الاميركي - الاسرائيلي والدائرين في فلكه، اوروبياً وإقليمياً ومحلياً. إن التوصيف والتشخيص لطبيعة المرحلة، يبقى مُعلقاً على جدران الوطن المُتشلقة، والذي لم يتكون بعد، وعياً مجتمعياً موحداً، فإختلاط الديني - المذهبي والطائفي، والعشائري القبلي، والكياني، لا يوصل الى الانتصار، ان فكرة الوطن الجامع الموحد بمفاهيم عصرية علمية ومدنية على قواعد المواطنة ووحدة المصالح والاهداف والغايات، قد تكون الطريق الوحيد الموصل الى الحرية والإنتصار.

أمين الذيب