المغتربون اللبنانيون في أفريقيا

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
المغتربون اللبنانيون موجودون في ساحل العاج منذ ما يزيد على مائة عام وقد زادت أعدادهم تباعاً الى ان وصلت الى ما يقارب الـ 100 الف واكثر وكانوا حتى يومنا هذا بنشاطهم العمراني والصناعي والتجاري المساهمون الأوائل في بناء الحياة الاقتصادية لتلك البلاد التي كانت تقع تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي.

صراع بين مغريات البقاء و... هاجس العودة

المغتربون اللبنانيون موجودون في ساحل العاج منذ ما يزيد على مائة عام وقد زادت أعدادهم تباعاً الى ان وصلت الى ما يقارب الـ 100 الف واكثر وكانوا حتى يومنا هذا بنشاطهم العمراني والصناعي والتجاري المساهمون الأوائل في بناء الحياة الاقتصادية لتلك البلاد التي كانت تقع تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي. وبعد الحرب العالمية الأخيرة نال ساحل العاج استقلاله وازدهر ازدهاراً رائعاً ومتواصلاً مما جذب إليه الكثير من الاستثمارات الصناعية. وكان ولم يزل للمغتربين اللبنانيين النصيب الأوفر في هذا الحقل. اذ ان المنطقة الصناعية في ابيدجان يقع نصفها واكثر في عداد ممتلكاتهم وكانوا من الاوائل الذين اقتحموا هذا الميدان وانتقلت هذه المدينة بفضلهم من عصر الزراعة الى عصر الصناعة الحديثة. المغتربون اللبنانيون كطير الكنار يغردون ويحملون اجمل ما في هذا الطير من لون وريش. لكنهم وبكل أسف اصابهم الخرس والطرش فلا يدركون حقيقة من هم وما هي قوتهم، فهم اذا توحدوا ونظموا صفوفهم وانتقلوا من الاشغال العائلية المحدودة الى المؤسسات الكبرى، اذ أن عصر الأفراد قد انتهى. وأصبحنا في عصر الجماعات المنظمة المتعاونة في مواجهة تطورات العصر. احتل اللبنانيون في افريقيا الغربية منذ بدايات وصولهم الى مركز الوسيط التجاري بين الشركات الاوروبية العملاقة التي دخلت تلك البلدان مع المستعمرين من بريطانيين وفرنسيين وألمان وبرتغاليين وبين اهل البلاد الاصليين ونجحوا في اداء هذا الدور لكرمهم الطبيعي ومرونتهم في التعامل وانفتاحهم على اهلها الاصليين وتعلم لغاتهم والاختلاط الدائم معهم ومساعدتهم في حاجاتهم الضرورية وخصوصاً في المناسبات العامة. مع مرور الاعوام وتكاثر ابناء لبنان في هذه المغتربات وزيادة خبراتهم تطورت احوالهم وجاءت عهود التحرر من الاستعمار الاوروبي فكانوا السباقين في تطوير اعمالهم الى الصناعة والزراعة والتصدير والاستيراد واصبحوا المنافسين الاقوياء للمصالح الاوروبية والعالمية. اما معاناة اللبنانيين في بلاد الاغتراب الافريقي وفي وطنهم والعالم فاسبابه عدة أهمها: ضعف واهمال حكوماتنا المتعاقبة في حمايتهم والدفاع عن مصالحهم. كما وأنهم يستهدفون من كل الطامعين في خيرات افريقيا الغربية ومواردها. وكون اللبناني المغترب هو الاقدر في اداء دوره الاقتصادي وحسن تعامله مع اهل تلك البلدان. فهو يستقطب بالمنافسة الشريفة وغير الشريفة عداوات الجاليات الاخرى. وما تمثل من مصالح لدولها الطامعة في خيرات تلك البلدان. من المؤسف جداً ان الدولة اللبنانية شبه غائبة عن احوال اللبنانيين في افريقيا الغربية، كما هي غائبة عن احوال اللبنانيين في الوطن ايضاً. فنحن نعرف كم يعاني اللبناني من تصرفات هؤلاء الحكام. لقد آن أوان التغيير ومواجهة الحقائق الصارخة في تدهور اوضاعنا لان الطائفية والفساد يعميان عيون هذه السلطات المتعاقبة عن الحقائق الصارخة. المغترب اللبناني متعلق بوطنه ويحن دائماً الى ارض اجداده وقد تألم كثيراً لاحوال بلاده وما وصلت اليه، لذلك لا يناله اليأس اذا واجهته الصعاب في البلدان الافريقية فيعود اليها كونه اسس هناك مصالح حيوية وسمعة طيبة. ولكن على الرغم من ذلك ومن ارتياحه الى ما وصل اليه من راحة ورفاهية في المهجر يبقى الحنين الى الوطن رائده فهو منقسم بين الهجرة والعودة لان شعبنا منذ بداية التاريخ يحمل اينما ارتحل في حقيبة سفره وطنه وهاجس العودة اليه الذي لا يغيب عن ذاكرته وسلوكه مهما حصل. ورغم كل ما هو قائم في احوال مغتربينا الى افريقيا الغربية، فهم من اكبر المساهمين في انعاش الاقتصاد اللبناني فالاموال التي تصل الى لبنان من افريقيا الغربية لا تقل عن  ملايين دولار شهرياً. وهذا رقم متواضع ومتحفظ جداً كون المغترب اللبناني الى افريقيا يعمل باخلاص وجهد للبلد الذي يقيم فيه. اما المغترب الى الاميركيتين وكندا واوستراليا واوروبا يأتي الى لبنان سائحاً واجمالاً لبيع ما ورث من آبائه واجداده ويعود بها الى وطنه الجديد فلا نفع من هؤلاء من الناحية الاقتصادية في لبنان إنما يمكن الاستفادة من مواقعهم العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتي حققوها في بلدانهم الاغترابية. كما يمكن اعتبارهم من اهم السائحين الذين نستقبلهم كل عام اذا سمحت لهم احوال لبنان المتقلبة. وختاماً هل الاحلام التي قطع اللبنانيون اشواطاً من اجلها ابتلعها ساحل العاج؟ وهم الذين حملوا احلامهم وآمالهم في حقيبة سفر آملين العودة بها لتأمين حياة كريمة لهم ولذويهم في بلد ضاعت فيه كل الامنيات ولم يبق للحلم فيه مكان؟

منصور عازار