حتى تنقشع الغيوم عن دمشق

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
نكاد نجزم أنه من المبكرّ جداً أن نحكم على طبيعة ما يجري في العالم العربي وتوصيفه توصيفاً يتوافق مع العلم وتجارب الشعوب، وتاريخها السياسي والانساني. إنها بدرٌ في بداية تدويراته وهي حكماً ليست قمراً، حتى نحمل أمسياتنا وسهراتنا وأحلامنا الكبيرة إليه، ونقول: إنها سدرة المنتهى.

نكاد نجزم أنه من المبكرّ جداً أن نحكم على طبيعة ما يجري في العالم العربي وتوصيفه توصيفاً يتوافق مع العلم وتجارب الشعوب، وتاريخها السياسي والانساني. إنها بدرٌ في بداية تدويراته وهي حكماً ليست قمراً، حتى نحمل أمسياتنا وسهراتنا وأحلامنا الكبيرة إليه، ونقول: إنها سدرة المنتهى. فلو هللَّ الفرنسيون غداة إنتصار الثورة الفرنسية عام 1798 على أنها الثورة الأتم، كاملة الأوصاف، ومحققة آمال الفرنسيين وطموحاتهم، لربما أصيبوا بالإخفاق والإحباط بعد مؤتمر فيينا 1814 يوم أعيدت للعائلات مشروعية الحكم من جديد. والحال ذاته سيكون لو فعل الفرنسيون بعد إنتكاسة الثورة الفرنسية عام 1814 قراءة فعل الندامة على ما حققته ثورتهم أو أن الثورة المضادة هي قدر محتوم. فالثورات هي دائماً عمليات تقدم نحو المستقبل، تصحيحاً وتنضيجاً ورسم مسارات وأهداف وغايات. قد يكون الأمر، ما يشبه حالة "عمى الألوان" للمراقب والمتابع من أبناء عالمنا العربي، لو خلص إلى النتيجة التي تساوي اليوم بالأمس، ومصر ميدان التحرير بمصر حسني مبارك، وتونس محمد أبو عزيزي، بتونس زين العابدين بن علي، فإذا ما إتفقنا على أن هذا السقوط المدوي لهذه الأنظمة الفاسدة يستأهل التهليل والشعور بالعزة القومية والكرامة الوطنية فهو يستوجب إتفاقاً على أن البديل الثوري، البديل الحضاري، هو لا زال في تدويراته الأولى وهو حكماً ليس قمراً بعد. قد يسألنا سائل، ما معنى البديل الثوري، أو البديل الحضاري؟ فنقول، إن ما تم حتى الآن هو إسقاط رأس النظام، في مصر وتونس، أما النظام فباقٍ حتى إشعار آخر، ما تم حتى الآن هو إنتقال حال الدولتين من خطة  الأميركية التي تقول بزمن الرؤساء الموالين كما هي حال حسني مبارك وزين العابدين بن علي، الى خطة  التي قالت بعمر سليمان في مصر، ورئيس الوزراء في تونس، وتسمي النواب البدائل إلى خطة  والتي تقول بالسلطة العسكرية، أو الجيش كما هي الحال مع الطنطاوي والجيش المصري، والحال ذاته في تونس وهذا يدخل في صلب الإستراتيجية الأميركية فيما يخص عالمنا العربي، التركيز على الجيوش، وإعتمادها الركيزة الأهم في مسألة صيانة المواقع والمصالح وصيانة التغيير في حال حدوثه. فالبديل الثوري هو عندما تنتقل الدولة من حالة عسكرية ممسوكة أميركياً الى دولة مدنية يقرر ثوار مصر وتونس حاضرها ومستقبلها. فالحال مع الدولة الممسوكة أميركياً، عسكرياً، أنها عرضة لمفاعيل الثورة المضادة. والمشاريع الفتنوية، كما حصل في أمبابا في مصر، حيث كانت ما يشبه بداية حرب أهلية بين المسلمين والاقباط. والتي وقف رجال الثورة مشدوهين محبطين حيالها. والبديل الثوري هو عندما يرفض رجال الثورة، المال الخليجي الأميركي الذي يعلن بوقاحة قلَّ نظيرها في تاريخنا الحديث، عن نيته في شراء هذه الثورات وطبعاً بقصد حرفها عن حالة التنضيج السياسي والقومي وإبقائها في خانة المصالح الأميركية والخليجية، والحفاظ على المعاهدات المعقودة مع إسرائيل، أكانت معاهدة السلام أو النفط أم العلاقات الديبلوماسية والسياسية. البديل الثوري والحضاري هو عندما تعود مصر إلى لعب دورها القومي، وعندما يعود الشعب المصري إلى حمل لواء قضية العالم العربي المركزية وكذلك التونسيون، إنه تحدٍ يعطي ميدان التحرير بعداً نبيلاً إنه يدخل في صلب معنى الثورة، كما يدخل في صلب أمانينا وأحلامنا وطموحاتنا التي من خلالها نتوق إلى التغيير الحقيقي في عالمنا العربي. البديل الثوري والحضاري، هو بإعلان البراءة من أي دور أميركي أو خليجي، وهذا يشمل حال مصر وتونس، ما قبل الثورة وأثناءها وما بعدها. وإعلان البراءه من أي تحالف أميركي إسلامي ترعاه مصر، قطر أو تركيا ويكون الاخوان المسلمون عصب هذا التحالف. أما حال ليبيا، فما نراه، ربما محاولة التفاف أميركية أوروبية على ثورة مصر وتونس، فكانت بحاجة إلى منطقة قريبة في الجغرافيا من كلا الدولتين، وكانت حكاية بنغازي، وضربات حلف الأطلسي، والمعركة التي لم يكتب لها الحسم، بإنتظار ربما تقسيم ليبيا، وتفتيتها قبلياً لوضع اليد على بترولها حتى تجف الآبار، أما من يرى في ليبيا حالة ثورية متقدمة تختلف عن رؤيتنا هذه، نحن الذين ننحاز دائماً الى حركة الشعوب وإراداتها، فنقول إنما بالإنتظار والتريث ربما تتضح الصورة وقد نعتذر عن رؤيتنا هذه، ويكون فرحنا وسرورنا بالثورة الليبية والثوار الليبيون كبيراً وعميقاً. حالة البحرين، هي أيضاً حالة إلتفاف خليجية أميركية وهي فرملة سعودية توسلت درع الصحراء، لمواجهة حركة بحرينية شعبية صادقة في مطالبها معتدلة في شعاراتها، متوازنة في احلامها ومشاركتها في تقرير مصيرها ومصير دولتها. حالة اليمن هي مزيج من ثورة مصر وثورة ليبيا، في مجتمع قبلي تجتمع فيه مكوّنات حروب أهلية طويلة الأمد، كما تنذر حال القبائل وشدة بأسها في القتال وقدرتها على شحذ العصبية القبلية إلى ما لا يُحمد عقباه. أما حال لبنان، فالواقع الطائفي، عامل غير مساعد لإنجاح أي ثورة شعبية، هذا بالإضافة إلى أن القوى الحية القادرة على التغيير هي قوى موبؤة بمرض، أنا أو لا أحد، كما حال الحزب الشيوعي اللبناني، وانه بحق مدعاة أسفٍ شديد. أما حالة سوريا فهي حالة تختلف، لأنها حالة إلتفاف أميركية خليجية بالدرجة الأولى، ولأنها سوريا التاريخ والصمود، سوري راعية المقاومات وحامية رجالاتها وأبطالها، فهي حالة بحاجة إلى خطة مرَّكبة، غاية في التعقيد، ودقة في التحضير، ممَّولة ربما أكثر تمويلاً من أي خطة سابقة لها في تاريخ عالمنا العربي. الخطة تقتضي: ـ ضرب النسيج الاجتماعي، المدني، العلماني للدولة. عبر إقامة تحالف إستراتيجي أميركي مع الاخوان المسلمين على إمتداد ساحات الثورات العربية وصولاً الى دمشق. ـ تعزيز شبكة الأمان الإسرائيلية بعد خروج القوات الأميركية نهاية عام 2011 من العراق. وضرورة زعزعة هذه القلعة الصامدة، في حال تعذر القضاء عليها وتهديمها. ـ تعريف كامل المصداقيات، مصداقيات الدول والأفراد على إمتداد العالم العربي والمنطقة، مصداقيات المؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني، والثقافي، هذه التي تربت في نعمة الرضى الأميركي أو الخليجي، أو ربما استثناء في رحابة صدر القوى القومية والوطنية، مصداقية تركيا، وقطر، ومحطة الجزيرة إنتهاء بعزمي بشاره وغيره، تصْريفاً فجاً وقحاً في خدمة المؤامرة على سوريا وضرب هيبتها وصمودها. ـ رفع سقف المطالب الاميركية الاسرائيلية الخليجية من الثالوث المتعارف عليه في حال تشظي النظام، والتمكن من خلخلته والذي يتناول تخلي سوريا عن: دعم المقاومة في لبنان، دعم حماس في فلسطين، وفك إرتباطها مع إيران. إلى سقف جديد يتناول سيادتها وقرارها ودورها ومستقبلها وما خطاب أوباما الأخير إلا الدليل على ما نحاول الإشارة إليه. ـ تحجيم الدور السوري، الذي أثبت مهارة فائقة في تعامله مع المجتمع الدولي، وأسلوبه الصلب في التعامل مع كافة الضغوطات التي مورست عليه طيلة الأعوام السابقة، من لائحة كولن باول حتى القرار 1559 مروراً بقانون محاسبة سوريا. تحجيماً يلغي دور سوريا في غزه وفلسطين والعراق والاردن ولبنان ويعيدها وبنظرهم إلى ساحة المرجة مكتوفة الأيدي، لا حول ولا قوة. ـ القضاء على المقاومة و"حزب الله" في لبنان، على قاعدة ما خلصت إليه دوائر القرار الأميركي ومراكز الدراسات الإستراتيجية من ان لا إمكانية للقضاء على "حزب الله" وسلاحه، بإمكانات الداخل اللبناني، حزب مستقبل وقوات لبنانية وحزب كتائب وحزب تحرير، ولا بالحروب الاسرائيلية التي اثبتت فشلها، ولا بالتدخل الاميركي المباشر، وتجربة الرئيس رونالد ريغين لا زالت ماثلة، بفشلها وعجزها، فكان أن إنتهت هذه الدراسات في دوائر القرار العليا، أن وربما بنظام حكم مغاير للعقيدة الدينية لـ"حزب الله" في سوريا، أي نظام حكم سني قوي وقادر ربما يكون بإمكانه وعسكرياً القضاء على اشرف وأقوى ظاهرة عرفها عالمنا العربي في تاريخه القديم والحديث. كما إقتضت الخطة التركيز على نقاط ضعف النظام السوري وهي ليست قليلة، فقانون الطوارىء الذي ألغي حديثاً دام ثلاثين عاماً وما يزيد، والبنية المخابراتية للنظام، وقمع الحريات، وإعتقال أصحاب الرأي الذين لا يتفقون مع رؤية النظام، وزجهم في السجون. وإستحداث آليات إقتصادية تتناقض مع عقيدة النظام بقصد إغراقه في ليبرالية الفساد والإفساد. حيث تم الدمج المذهل والغريب بين محتجين صادقين في مطالبهم مع جماعات مرتبطة مأجورة، تم تسليحها وتمويلها من خارج الحدود كل الحدود. لا زالت الغيوم حتى الساعة تحجب شمس دمشق. لا زالت المواجهات دائرة، ولا زالت التظاهرات الاحتجاجية، ترافقها جماعات التطرف الديني، وعصابات مسلحة، وإرهابية تتقصد المدنيين ورجال الامن والجيش والسوريين. لا زالت الاصلاحات التي بدأها النظام ويستكملها يوماً بعد آخر رهينة ضغط الشارع، وضغط المجتمع الدولي، وسوء تقدير الجوار. لا يعرف سوريا من يعتقد أنها لن تمر وتتخطى هذه الأزمة. في حال مرّت ونحن واثقون، عندها فقط سنقرأ هذه الثورات العربية، قراءة متأنية واضحة، صادقة. خارج معطيات المؤامره الوافده، أو المؤامرة المستولدة في خليج غادر. عندما تنقشع غيوم دمشق، سيكون عالمنا عالماً مختلفاً وتكون ثوراتنا ثورات مختلفة، وسيكون مستقبلنا مستقبلاً آخر. الشام هي بوصلة الزمان والمكان العربي، كانت وتبقى.

نسيب الشامي