نزيف الوحدة السورية

عصام عزوز-العدد السابع-كانون الثاني2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

منذ أن تقطعت أوصال الجسم الواحد، والصراع دائر بين نزعات الاستقلال

وطموحات العودة إلى المكون الأساسي الواحد ولهذا بقيت تدوي في شوارع

لبنان أصوات المتجمهرين ( بدنا الوحدة السورية إسلام ومسيحية ) ،

وبقيت كذلك شعارات (السيادة والاستقلال

وعلى طرفي هذه المعادلة كان تنازع قوى الانفصال والتوحد فنمت

وترعرعت قوى متعددة، ليس في لبنان فقط بل في أرجاء الوطن السوري

قاطبة.. لقد تضخم الاتجاه الانعزالي - الاستقلالي في الظلام وفي دهاليز

المصالح الاستعمارية، أما الاتجاه التوحيدي فنشأ من مخاض الشعب

وطموحاته القومية والوحدوية.

قوى الانفصال والانعزال والاستقلال الموهوم لم تكن مولودة بعامل

المصلحة الاستعمارية فقط، بل تطورت بدوافع الفردية السلطوية،

وبهذين العاملين أجهض المشروع الوحدوي في سوريا بعد المؤتمر السوري

الأول وتطبيق سايكس بيكو وفرض الانتداب ، فتشبث الملك عبد الله

بحصته في شرقي الأردن، وقبل فيصل بعراق عبد الإله ونوري السعيد،

حيث تحولت أفكار الوحدة الى مشاريع تنافسية مع الطرف الآخر من

الأسرة الهاشمية وتنفيذاً للمصالح البريطانية، و فيما بعد تحول رياض

الصلح من متحمس ومشارك في المؤتمر السوري الأول المنادي بتوحيد

سوريا، إلى مدافع عن (الاستقلال)، وأيضا الى الموجه لأكبر ضربة لأهم

حركة توحيديه في سوريا الطبيعيه ( الحزب السوري القومي الاجتماعي

)، ثم ما لبث البعض أن رفع الشعار الفضفاض للوحدة العربية (

من المحيط إلى الخليج ) معتبرا كل ما عداه مؤامرة، فخفت صوت

الوحدة السورية في خضم الجمهرة أو الجمهرات الشارعية الجارفة

للواقع.. مدمرة في طريقها الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولاغية

فكرة العروبة الواقعية..

وشيئاً فشيئا انتقل الشعار من أيدي الأيديولوجيين، وتحول الى

مقولات مقدسة عصية على النقد.. الامر الذي أدى الى تجارب قاتلة

ليس آخرها دخول صدام حسين الى الكويت..

في لبنان، بقدر ما ارتفع شعار( الحرية والسيادة والاستقلال )،

بقدر ما تراجع شعار الوحدة والتضامن، ووحدة المسار والمصير،

والشعب الواحد في دولتين، ومن ثم انتقل إلى ترسيم الحدود وحتى

إغلاقها وعرقلة الشهيق والزفير على طرفيها، ومن حرب البوابة

الشرقية الى المحافظة التاسعة عشر، إلى الوضع الخاص لادارة كل

محافظتين والحكم الذاتي والفيدرالية ... ومن النهر إلى البحر إلى

قرار التقسيم والبرنامج المرحلي، إلى اوسلو إلى فك الارتباط إلى

الانسحاب من غزه وكله تحت يافطة القرار الوطني المستقل.

وعلى الرغم من انتشار فكرة سورية الطبيعية والهلال الخصيب في

أوساط المثقفين، الا أن المنادين بها والعاملين والمضحين لأجلها، لم

ينجوا من مغازلة الانفصال مثلما غازلوا الانفلاش، وليست عملية

التطهير الواسعة التي قام بها سعاده ضد الكيانيين قبل استشهاده،

حتى الان، الا دليلا على عمل طويل وشاق ينتظر هذه الفكرة كي يكتب

لها النجاح.

كان من المفروض أن تفعل معادلة الوحدة والاستقلال ضمن إطار العمل

الشعبي الديموقراطي، وتحت سقف المصلحة العليا المشتركة ويسير العمل

الوطني والقومي على خطوط الأفكار النهضوية الخلاقة، لأن ذلك يشكل

الرصيد الحقيقي الذي يحافظ على مقومات الوحدة ويوفر لها سبل

الاستمرار.