حملة إسقاط النظام الطائفي... إلى أين؟

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
حمل تحرك الشعب اللبناني عنواناً جميلاً براقاً منذ انطلاقته في 27 شباط المنصرم. نزلوا شباباً وصبايا، امهاتاً واطفالاً وعُجّزاً. نزلوا أطرافاً وهيئات وجمعيات وناشطين ومناضلين، ليُعبروا عن ارادتهم في تغيير النظام واسقاطه، لإيمانهم بضرورة ايجاد دولة علمانية، مدنية، يتساوون فيها أمام القانون والعدالة بمختلف انتماءاتهم الفكرية والدينية والثقافية.

"شو صار بثورة واحد ايار؟" "انو متوقع شي 35 الف من 8 مليون يقدرو يعملوا ثورة؟ كان في امل يفيق هيدا الشعب، بس طلع الشعب اضرب من النظام". حمل تحرك الشعب اللبناني عنواناً جميلاً براقاً منذ انطلاقته في 27 شباط المنصرم. نزلوا شباباً وصبايا، امهاتاً واطفالاً وعُجّزاً. نزلوا أطرافاً وهيئات وجمعيات وناشطين ومناضلين، ليُعبروا عن ارادتهم في تغيير النظام واسقاطه، لإيمانهم بضرورة ايجاد دولة علمانية، مدنية، يتساوون فيها أمام القانون والعدالة بمختلف انتماءاتهم الفكرية والدينية والثقافية. قامت التحركات السلمية والاحتجاجات وارتفعت شعارات فضفاضة تحت غزارة الأمطار وقرقعة الطناجر ونثر الورود والأرز، منددة بما أنتجته الطائفية والنظام السياسي من حروب ودمار وويلات وفساد وهدر للمال العام. وفاضت الشعارات الى أن كادت تضيع الأهداف والمطالب التغييرية. فغرق المتظاهرون في نقاشات لا تهمّ العامة وراحوا ينقسمون في تعريف الدولة المدنية وتعريف العلمانية والبحث في الفرق ما بينهما. اختلفوا على اسقاط النظام ام اسقاط الرموز. وما أثار الانتباه أيضاً التسارع الى تأييد المظاهرات من قبل الأحزاب السياسية الطائفية وذلك عبر ارسالهم ممثلين عنهم. كما لوحظ مشاركة لرجال الدين الطائفيين الذين حاولوا اعادة مشهد التجاذب والانقسام السياسي الى الحملة والى الشارع واعاقوه وجعلوه عاجزاً عن الخروج من زواريب وخنادق نرجسية الانقسام. لا شك ان التظاهرات الثلاثة الأولى هزت مياه لبنان الراكدة، الا أن غياب الأجندة والأهداف التي عليها أن تتزامن مع التحركات الحاشدة، اعادت المتظاهرين الى حالة من الاحباط بعد التظاهرة الرابعة، هم طبعاً لم يتراجعوا عن تحركاتهم ورفضهم للوضع الراهن. خصوصاً مع غياب الحكومة وتدهور الوضع الاقتصادي وعدم امكانية الدولة عن دفع الاجور، اذا ما بقي الوضع على حاله، هم يريدون دولة ينتمون اليها، دولة تستطيع تلبية وادارة شؤونها وشؤون الناس، دولة يبنوها اليوم كنتيجة لتراكم معاناتهم من الحروب والفساد والفقر والتجاذبات والصراعات على السلطة والمقاعد ومحاولات الغاء الآخر. اليوم بات تصحيح المسار ضرورة ملحة لدعم التحركات، فان اسقاط النظام الطائفي لا يكون في النصوص قبل النفوس، ولا في النفوس قبل النصوص، لأن سقوط النظام الطائفي من النصوص لا يسقط الاحساس الطائفي المتمكن المتغلغل في كافة نفوس الشرائح في المجتمع اللبناني. اما الغاء الطائفية من النفوس فهو مشروع طويل يهدف الى بناء مواطنين في دولة المواطنة وذلك من خلال نشر الوعي والتركيز على دور التنشئة المواطنية التي تهدف الى تربية الأطفال على أسس المواطنية بعيداً عن الانتماءات الاولية الطائفية على أن تصبح هذه الانتماءات شخصية. وذلك عبر كتاب موحد للتربية الوطنية والتاريخ يقرأ الاحداث قراءة لا طائفية ولا عنفية، اضافة الى اعتماد كتاب ثقافة المعتقدات الدينية بدلاً من التعليم الديني، ناهيك عن ضرورة تعزيز دور المدرسة الرسمية وتوحيد الجامعة اللبنانية. وبذلك ان الغاء الطائفية يكون متزامناً مع الغاءها من النفوس والنصوص معاً. تسعى اليوم كل الهيئات والجمعيات والمناضلين والرافضين للنظام الطائفي الى وضع برنامج كامل متكامل يترافق مع التحركات الشعبية، ويهدف هذا البرنامج او الاجندة الى تغيير اسس النظام اللبناني نحو دولة المواطنية، من خلال الغاء جميع اشكال الطائفية في الدستور والقوانين والادارة والسياسة والتربية. ومن الاهداف المقترحة، اقرار قانون جديد للانتخابات خارج القيد الطائفي، خفض سن الاقتراع الى 18، اقتراع المغتربين، الاقتراع في مكان السكن، الغاء الطائفية السياسية والوظيفية، دعم كشاف التربية الوطنية واقامة مخيمات صيفية، زيادة ميزانية المدرسة الرسمية والوطنية، توحيد كتاب التاريخ، اقرار قانون للضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي الشامل، تعديل النظام الضريبي واعتماد الضريبة التصاعدية، اصلاح وضع الكهرباء والمياه، قانون يحمي حرية المعتقد والتعبير والتظاهر، زيادة العقوبات على التحريض الطائفي والتحريض على العنف، تعديل المادة 9 من الدستور بنزع الصفة الدينية عن الدولة مع الاحتفاظ بحرية الاعتقاد، الغاء المادة 10 والتي تميز الطوائف بانشاء المدارس والمادة 19 التي تعطي حق دستوري بالفيتو للطوائف. كذلك ضرروة وأهمية اقرار قانون لبناني اختياري للأحوال الشخصية الذي وصل الى مجلس النواب وبدأت اللجان المشتركة التابعة للمجلس درسه. تباينت وجهات النظر بين الاطراف السياسين، فـ"حزب الله" رفض المشروع رفضاً قاطعاً، والعونيون وقفوا الى جانب القانون متسلحين بموقف الكنيسة الايجابي، فيما وافق عليه تيار المستقبل وحركة "امل" مبدئياً. لكن رغم هذا التباين يبقى القانون حق منذ 73 عاماً. فقد اعترف به كحق منذ 1936 ولم تشرّع له الدولة اللبنانية النصّ التنظيمي بعد. ولانه حق بات من الضروري التحرك والضغط للتصويت عليه واقراره والعمل به من أجل العيش في ظل دولة لا دويلات ومن اجل ان يتساوى المواطنين امام قانون مدني يعيشون في ظله. ان وصول هذا القانون الى جدول الاعمال يبشر بالامل رغم تباين الآراء حوله. لذلك على كل لبناني ان يمضي في تشجيع النواب على الاستمرار في اقرار هذا القانون بأسرع وقت ممكن، لان هذا القانون يعمم العدالة والحب وحرية الاختيار، وخصوصاً ان هذا القانون ينظم الاحوال الشخصية للمواطنين في ظل جمهورية مدنية برلمانية لا دينية تكون فيها السلطة للشعب وللانتخابات والمؤسسات الدستورية وتحترم في الوقت نفسه الاديان جميعها في اساس دستورها. ان الغاء الطائفية واسقاط النظام الطائفي هو بلا شك الحل الوحيد من اجل النهوض بلبنان. فجميع اللبنانيون تعبوا من الطائفية. ويرغبون في التأكيد على انهم تعلموا من الماضي بحروبه وآلامه الطائفية المذهبية. وهم يخافون دوماً من تكرار لعبة الانقسامات والاقتتال. فقانون الاحوال الشخصية المدني سيفتح نافذة جوهرية في جدار النظام الطائفي. وسيحل المشاكل والظلم الذي تعانيه الاسر يومياً بسبب قوانين الطوائف وممارسات محاكمها. ان اسقاط النظام الطائفي هو الحل الوحيد لرحيل ملوك الطوائف. الذين لم يتمكنوا الا من اغراق لبنان والشعب اللبناني في الفساد والفقر وتعزيز انقسامهم وتحريضهم على الاقتتال والاقتناص من بعضهم الآخر لمصالحهم ومن اجل عرش السلطة. الشعب اللبناني بات يعي خطورة المأزق الذي يعرضهم له هؤلاء الزعماء. فليثبت هذا الشعب انه قادر على الخروج من هذه المتاهة التي قيدت افكاره بقضبان أساءت للدين والطائفة والمذهب من أجل عروش ومقاعد وسلطة كلفتهم آباءهم وأمهاتهم وأولادهم واحفادهم. وستكلفهم أعزّ ما يملكون اذا ما استمروا على هذا المنوال. لبنان مش مزرعة، لبنان مش دكانة، لبنان مش حلبة مصارعة، لبنان... لبنان وطن لجميع ابناءه بمختلف انتماءاتهم لبنان التقاء الثقافات والاديان والحضارات. لبنان لبناني.

حنان تابت