لبنان الوطن المقاوم في مواجهة مؤامرة التعريب والتدويل (1/2)

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما لاحت معالم هزيمة المعسكر الفاشي، وقبل ان تجف دماء عشرات ملايين القتلى من الجنود في ساحات القتال والمدنيين في مختلف البلدان، كانت الامبريالية الاميركية ـ الانغلو ـ ساكسونية / اليهودية ـ الصهيونية، قد بدأت تخطط للهيمنة على العالم من جديد وبأشكال "ديموقراطية" و"حقوقية" جديدة. فطلب الدهقين الامبريالي روزفلت من خائن الشيوعية ستالين توقيع "اتفاقية يالطا" لتقاسم النفوذ العالمي، فولدت تلك الاتفاقية المشؤومة التي قررت مصير العالم للخمسين ـ مائة سنة القادمة.

كيف سيكون وضع المنطقة العربية لو استطاع الاستعمار فرض اجندته؟

قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما لاحت معالم هزيمة المعسكر الفاشي، وقبل ان تجف دماء عشرات ملايين القتلى من الجنود في ساحات القتال والمدنيين في مختلف البلدان، كانت الامبريالية الاميركية ـ الانغلو ـ ساكسونية / اليهودية ـ الصهيونية، قد بدأت تخطط للهيمنة على العالم من جديد وبأشكال "ديموقراطية" و"حقوقية" جديدة. فطلب الدهقين الامبريالي روزفلت من خائن الشيوعية ستالين توقيع "اتفاقية يالطا" لتقاسم النفوذ العالمي، فولدت تلك الاتفاقية المشؤومة التي قررت مصير العالم للخمسين ـ مائة سنة القادمة. وما ان وضعت الحرب اوزارها حتى تم تشكيل "المحكمة الدولية" (في نورنبرغ اولاً) و"هيئة الامم المتحدة" و"الحلف الاطلسي" و"الاتحاد الاوروبي" و"جامعة الدول العربية" و"البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي"، وغيرها من الهيئات والاحلاف والمؤسسات السياسية والحقوقية والعسكرية والاقتصادية ذات الطابع "العالمي" و"الاقليمي" المستقل شكلياً عن الادارة الاميركية، وذلك بهدف رئيسي هو فرض الهيمنة الاستعمارية والامبريالية على العالم من جديد باشكال "شرعية" و"حقوقية" و"ديموقراطية"، وقمع وتأديب الشعوب والبلدان التي لا تخضع للهيمنة، باسم "الشرعية الدولية" و"حقوق الانسان" و"حقوق الامم" و"السلام العالمي"، طبعاً... "السلام" الذي تستظل به الامبريالية العالمية! قبل ذلك كان نظام الانتداب الاستعماري لبريطانيا وفرنسا، بعد الحرب العالمية الاولى، قد نجح (بموجب اتفاقية "سايكس ـ بيكو") في تقسيم المنطقة العربية الى دويلات تابعة وخانعة، الا انه فشل في اقامة دولة اسرائيل، بالرغم من صدور "وعد بلفور" المشؤوم. وكانت السلطة السوفياتية الناشئة عن ثورة اكتوبر الاشتراكية (1917) بقيادة لينين هي اول من فضح اتفاقية سايكس ـ بيكو وسمتها "اتفاقية اللصوص الاستعماريين"، فجاء توقيع الخائن ستالين على "اتفاقية يالطا" (من وراء ظهر الشعوب السوفياتية والحركة الشيوعية العالمية) ليثبـّت المنطقة العربية بوصفها "منطقة نفوذ" غربي امبريالي ـ صهيوني، وبالتالي ليثبّت "شرعية" "اتفاقية سايكس ـ بيكو" و"وعد بلفور"، وهو ما يتغاضى عنه بل ويدافع عنه الستالينيون الانذال (وورثتهم الاكثر نذالة: الخروشوفيون والغورباتشوفيون) العرب واليهود. وجاء نظام "الشرعية الدولية"، المؤسس بموجب "اتفاقية يالطا" بعد الحرب العالمية الثانية، ليسد "ثغرة" عدم استكمال "اتفاقية سايكس ـ بيكو" بتنفيذ "وعد بلفور". وتم ذلك على مرحلتين: الاولى ـ في 29 تشرين الثاني 1947 اصدرت الامم المتحدة القرار رقم 181 والقاضي بتقسيم فلسطين واقامة الدولة اليهودية المشؤومة. وحصل القرار على موافقة قيادة الاتحاد السوفياتي والدول الدائرة في فلكها، ونال 33 صوتاً من اصل 56 اي اكثرية ثلثي الاصوات المطلوبة. والدولة "الشيوعية" الوحيدة التي امتنعت عن التصويت حينذاك هي يوغوسلافيا التي حصلت لاحقاً على "العقاب اللازم"، فتم تفتيتها وشرذمتها وضرب وسحق صربيا في نهاية القرن، وتحولت يوغوسلافيا من اكثر البلدان تقدماً في البلقان الى احد افقر بلدان اوروبا والعالم. وصوتت ضد القرار 13 دولة هي الدول العربية والاسلامية بالاضافة الى كوبا واليونان. الثانية ـ في 14 ايار 1948 اعلن "المجلس اليهودي الصهيوني" قيام دولة اسرائيل. وهبت جماهير الشعب الفلسطيني لمقاومة الواقع المأسوي الذي يراد فرضه عليها. وبدأ المتطوعون الشعبيون العرب بالتدفق الى فلسطين للقتال ضد الغزاة الاستعماريين اليهود. وكان هناك احتمالات كبيرة، وبمعزل عن النتائج العسكرية الفورية، ان تتخذ المواجهة طابع حرب شعبية عربية طويلة الامد ضد اليهود الصهاينة (التقليديين و"التقدميين") والدول الاستعمارية الداعمة لهم، مما كان من شأنه إلهاب المنطقة كلها وقطع الطريق على قيام اسرائيل وزعزعة واسقاط الانظمة العربية السايكس ـ بيكوية. وهنا، وبايعاز وبالتوافق مع ارباب "اتفاقية يالطا" بمن فيهم "ستالين العظيم!"، تدخلت "جامعة الدول العربية" للقيام بالدور المنوط بها، وهو تثبيت وجود اسرائيل واضفاء الطابع "الدولوي" على الصراع العربي ـ الاسرائيلي لمنع الجماهير الشعبية الفلسطينية والعربية من القيام بدورها التاريخي الا من خلال قرارات الانظمة العربية وخططها المشبوهة والخيانية. وفي ظل الاعلام العربية الملونة والخفاقة، وقرع الطبول والزعيق والشهيق والنهيق، كان دور "جامعة الدول العربية" يتمحور فيما يلي:  - محاصرة وافشال وكسر الاندفاعة الشعبية الفلسطينية والعربية ضد المستعمرين اليهود الفاشيين، ودعوة الجماهير الفلسطينية الى الرحيل "موقتاً" بانتظار ما تفيض به قريحة الملوك والرؤساء العرب. (في مذكرات منظمة التحرير الفلسطينية عن تلك المرحلة ان القوات الشعبية الفلسطينية كانت تحاصر تل ابيب نفسها وتقطع عنها المؤونة وكانت في صدد ان تقطع عنها المياه، وكانت بلدية تل ابيب اليهودية تبحث في سبل وشروط الاستسلام، حينما جاءت الاوامر العسكرية "العربية" للقوات الشعبية الفلسطينية بفك الحصار عن تل ابيب وتسليم المواقع للقوات "العربية". والنتيجة طبعا معروفة!). 1- وضع الحواجز والعراقيل وحوك المؤامرات ضد اندفاع الجنود والضباط العرب الشرفاء لخوض قتال حقيقي ضد العصابات اليهودية الفاشية، وتحويل الحرب النظامية "العربية" الى وسيلة للاثراء غير المشروع والى مسرحية حرب، هدفها الاقرب تثبيت اركان الانظمة العربية، وهدفها الاساسي والابعد تنفيذ "وعد بلفور" الذي عجزت الانظمة السايكس ـ بيكوية عن تنفيذه سابقاً. (وكل قصة حرب 1948 ـ 1949 هي مجموعة فضائح صالحة فقط للافلام "العربية" الرخيصة: مسرحية "ماكو اوامر" العراقية؛ مسرحية "الاسلحة الفاسدة" المصرية، وعن هذه المرحلة يقول جمال عبدالناصر في كتابه "فلسفة الثورة": "كنا نحارب في الفالوجه والعدو في القاهرة"؛ مسرحية الحرب على الحدود اللبنانية، حيث يقول العميد المتقاعد د. امين حطيط في احدى مقابلاته الاعلامية ان الجيش اللبناني كان قادراً ـ بعد السيطرة على المالكية في ايار 1948 ـ ان يشق طريقه نحو بحيرة الحولة، وان يحرر "القرى السبع" التي استولت عليها اسرائيل وهي تدخل ضمن الحدود اللبنانية بموجب تقسيم 1923، ولكن "حكمة ما!" حالت دون هذا التطور للاحداث، وخلال الهدنة حشدت اسرائيل قوات جوية وبرية كبيرة، واسترجعت المالكية). لا يمكن لاحد ان يرجع عجلة الزمن الى الوراء، ومن شبه المستحيل ان نتصور كيف كان سيكون وضع المنطقة العربية لو ان الدول الاستعمارية استطاعت بعد الحرب العالمية الاولى تنفيذ "وعد بلفور" واقامة دولة اسرائيل جنباً الى جنب اقامة الكيانات السايكس ـ بيكوية العربية. والواقع ان هذه الكيانات ذاتها لم تقم برضى واختيار و"حق تقرير المصير" للجماهير العربية، بل قامت بقوة السلاح الاستعماري (سحق الجيش العربي في ميسلون في 1920، قمع ثورة العشرين في العراق، اجهاض وقمع ثورة 1919 في مصر، القضاء على ثورة الريف في المغرب في 1925، ثم القضاء على الثورة السورية الكبرى في 1925 ـ 1927 التي امتدت الى الجزء الشرقي الجنوبي من الاراضي اللبنانية، قمع ثورة 1936 ـ 1939 في فلسطين، وغير ذلك من الاحداث). وظل "وعد بلفور" وقيام اسرائيل ينتظر التنفيذ لما بعد الحرب العالمية الثانية والهولوكوست وانشاء "جامعة الدول العربية". ولكن الجسم اليهودي الصهيوني ظل جسماً غريباً غير قابل للزرع لا بالتضليل ولا بالمال ولا بالقوة في الجسم العربي. وهذه مشكلة كبرى للامبريالية العالمية برمتها، التي انقلب عليها سحر الساحر، فبدلاً من ان تكون اسرائيل اداة اقليمية مجندة في خدمة الامبريالية العالمية، اصبحت الامبريالية كلها مجندة في سبيل تثبيت وجود اسرائيل، واصبحت مسألة وجود او عدم وجود دولة اسرائيل معادلة لمسألة وجود او عدم وجود الهيمنة الامبريالية اقليمياً وعالمياً. ويعود ذلك الى التدامج العضوي بين اليهودية (التوراتية + الشعبوية + الرأسمالية المنحطة) وبين الصهيونية، من جهة، والتدامج العضوي بين الصهيونية وبين الامبريالية من جهة ثانية. بالمقاييس العسكرية العادية لم تكن حرب 1948 ـ 1949 من الحروب الكبيرة اقليمياً وعالمياً، ولكنها بما اسفرت عنه من تمزيق فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني والسعي لطمس ودوس الهوية القومية والدينية له، فضحت وكشفت نهائياً نية الامبريالية العالمية في تمزيق الامة العربية وطمس ودوس هويتها القومية والدينية كشرط مسبق لفرض الهيمنة الامبريالية الشاملة والدائمة على المنطقة والعالم. وقد ادى ذلك الى حفر هوة سحيقة من عدم الثقة والعداء بين الامبريالية والصهيونية العالمية وبين الشعوب العربية. واتخذ الصراع الطابع الوجودي التناحري التالي: ـ ان تحرر واستقلال اي بلد عربي اصبح مشروطاً بالكفاح لاجل القضاء على دولة اسرائيل. ـ ان تثبيت هيمنة الامبريالية والانظمة السايكس ـ بيكوية العميلة على المنطقة والعالم اصبح مشروطاً ليس بتثبيت وجود الدولة الاسرائيلية فقط، بل وبـ"أسرلة" المنطقة، اي فرض الاحتلال والهيمنة الاسرائيلية المباشرة على شعوب وبلدان المنطقة بما في ذلك على الانظمة السايكس ـ بيكوية العميلة، ثم تمزيقها وتفتيتها الى ما لا نهاية وتحويل الامة العربية الى كتلة بشرية سديمية بلا هوية وطنية او قومية او دينية يتمحور وجودها على التحول الى عبيد رخيصي الاثمان يعملون من اجل اللقمة فقط في خدمة طواغيت الامبريالية العالمية وابناء "شعب الله المختار" اليهود السفلة "التوراتيين" والصهيونيين. * * * ان التجربة السياسية في لبنان هي مثال نموذجي للوضع الاستراتيجي المشار اليه آنفاً، الذي خيم على المنطقة بمجملها بعد حرب 48 ـ 49 واقامة دولة اسرائيل المشؤومة: 1 - في سنة 49 بدأ التيار السياسي "الانعزالي" والموالي للغرب في لبنان في التطبيق التدريجي لسياسة "أسرلة" لبنان وتحويله الى قاعدة مالية وسياسية وعسكرية للغرب الامبريالي والى حليف ضمني لاسرائيل: فتم اعدام المفكر النهضوي الكبير انطون سعادة ومطاردة القوميين السوريين، كمؤشر على رفض الانتماء العروبي الشعبي للبنان وكعربون تقارب مع اسرائيل؛ وتم حل الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان يتزعم الحركة المطلبية العمالية والشعبية، لكسر شوكة تلك الحركة وفرض التوجه الرأسمالي المتوحش للنظام اللبناني؛ وتم تحويل لبنان الى مزرعة يسود فيها الفساد والصفقات المشبوهة ونهب الاقتصاد الوطني كجوائز ترضية للطبقة المتسلطة؛ وبدأت المباحثات السرية والعلنية الحثيثة مع الدول الاستعمارية ومع تركيا لتدويل لبنان وتحويله الى قاعدة استعمارية مكشوفة، وتوج ذلك كله بالاتصالات المكثفة التي بدأت في مطلع الخمسينات بين اسرائيل وبين حزب الكتائب اللبنانية وعلى رأسه عائلة شيخ الخونة بيار الجميل (الجد) لتحويل لبنان الى منطقة نفوذ اسرائيلية تمهيداً لتحويله الى محمية اسرائيلية. 2 - قبل العدوان الثلاثي على مصر في 1956 وفي عهد رئيس الجمهورية العميل الكبير كميل شمعون بدأ العمل بشكل محموم لضم لبنان الى حلف بغداد والحلف التركي ـ الباكستاني. وللتوصل الى هذه الغاية بدأ الشحن الطائفي في لبنان وتدريب قوات تابعة لحزب الكتائب وقوات تابعة لكميل شمعون (ما سمي لاحقاً "النمور الاحرار") في الاردن وايران الشاه، وبدأت الاموال السعودية تتدفق على العملاء في لبنان من مختلف المشارب والمذاهب؛ ولاستكمال هذا المخطط طرحت مسألة التجديد لكميل شمعون خلافاً للدستور اللبناني؛ ولكن كل هذه المساعي باءت بالفشل امام الانتفاضة الشعبية في 1958، حيث اضطر كميل شمعون للتنازل، وبرزت الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط بوصفها قوة شعبية مناضلة يستحيل التغلب عليها بموازين القوى الداخلية فقط، والاقليمية فقط، مهما حصل الجناح الانعزالي والعميل في لبنان على اشكال ووسائل الدعم السياسية والمالية والتسليحية والمخابراتية؛ واضطر نظام كميل شمعون العميل (وتحت شعار: التعريب) لطلب النجدة من حلف بغداد، وتحديداً من النظام الملكي العراقي، فتم تجميع قوات خاصة من الجيش العراقي للتوجه الى لبنان لاجل سحق الانتفاضة الشعبية فيه؛ ولكن قوات الجيش العراقي برهنت عن وطنيتها وعروبتها المعادية للاستعمار، حيث ان القوات المعدة للتوجه الى لبنان هي التي بادرت الى تفجير ثورة 14 تموز 1958 في العراق، وقامت الجماهير الشعبية العراقية الغاضبة بسحل العملاء نوري السعيد وعبدالاله وفيصل الثاني في شوارع بغداد الابية؛ وحينما سقط شعار "التعريب" الاستعماري، طرح على الفور شعار "التدويل" ونزلت قوات المارينز الاميركية والاسطول السادس في لبنان، لاجل لجم الانتفاضة الشعبية الوطنية فيه، وللوقوف بوجه "تطورات غير مرغوبة" للثورة العراقية وامكانية امتدادها الى الاقطار العربية الاخرى، وخاصة البلدان النفطية في الخليج؛ وتحت تأثير النفوذ المصري (الناصري آنذاك) في لبنان، والمفاوضات السرية الاميركية ـ المصرية، تم تجنب وقوع الصدام المسلح بين الانتفاضة الشعبية الوطنية اللبنانية وبين قوات المارينز، وبنتيجة اتفاق سري اميركي ـ مصري تم رفض التمديد لكميل شمعون و"انتخاب" رئيس جديد للبنان هو الجنرال فؤاد شهاب الذي اجتمع به الرئيس جمال عبدالناصر في خيمة منصوبة على خط الحدود بين لبنان وسورية (الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة حينذاك)؛ وتم انسحاب قوات المارينز "سلمياً" الى السفن الحربية الاميركية التي كانت تملأ المياه الاقليمية اللبنانية، ولكن منذ ذلك الحين، ولاكثر من عشر سنوات لاحقة، وضع لبنان تحت وصاية مزدوجة للسفارتين الاميركية والمصرية، واصبح السفير الاميركي ـ ولا يزال الى الان ـ يتصرف في لبنان كمفوض سام يتصل بمن يشاء، في اي وقت يشاء، ويتدخل في الصغيرة والكبيرة في لبنان. 3 - كان وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان وضعاً مأساوياً للغاية، سياسياً وانسانياً وامنياً، حيث كانت المخيمات اشبه بمعسكرات اعتقال جماعية يتحكم ويستبد بها رجال الامن والدرك. وباستثناء بعض الرأسماليين والبرجوازيين الفلسطينيين، وخصوصاً من المسيحيين، الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية وانخرطوا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، فإن "الفلسطيني" كان مهدور الحقوق ومستباح الكرامة تماماً في لبنان، وكانت كلمة "فلسطيني" وحدها بمثابة تهمة، ككلمة "زنجي" او "لاتينوس" او "مسلم" او "عربي" في اميركا. وطبعاً ان هذا لم يكن موقف القوى والجماهير الشعبية الوطنية والتقدمية اللبنانية، بل موقف النظام الرسمي والقوى الانعزالية والعميلة في لبنان، مع الدعم الضمني والتغاضي العلني لانظمة "جامعة الدول العربية" وسفاراتها في لبنان التي كانت تتسابق لاظهار دعمها للنظام اللبناني ولقوى اليمين الانعزالية والعميلة للغرب في لبنان وعلى رأسها حزب الكتائب اللبنانية (وتفريخاته) الذي كان ـ ولا يزال ـ "الابن المدلل" لاميركا واسرائيل والسعودية ومشيخات الخليج، معاً. 4 - ومع انطلاق الكفاح الفلسطيني المسلح ضد اسرائيل في مطلع 1965، وخصوصاً بعد انكشاف تهافت الانظمة العربية (بما فيها ما كان يسمى "الانظمة الوطنية والتقدمية") في هزيمة حزيران 67، بدأت الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط تتحرك بفعالية اكبر. وقد تجلى هذا التحرك بشكل ملحوظ في اتجاه رفع الظلم وكسر طوق العزلة المفروضة على المخيمات الفلسطينية، كما في اتجاه طرح القضية الفلسطينية من جديد على نطاق شعبي واسع والمطالبة بفتح الحدود امام العمليات الفدائية ضد اسرائيل والمشاركة الفعالة فيها. 5 - كما شهدت هذه المرحلة قدوم الامام موسى الصدر الى لبنان واقامته وبداية نشاطاته الدينية والاجتماعية والسياسية فيه، مما يمثل منعطفاً كبيراً في حياة الطائفة الشيعية خصوصاً، وفي الحراك الوطني والشعبي والحياة السياسة في لبنان عموماً. 6- وفي هذه المرحلة ارتكبت قوات النظام اللبناني والقوات الانعزالية اللبنانية العميلة عدة مجازر ضد القوى الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، منها: ـ مجزرة مجدل سلم ضد الفدائيين الفلسطينيين في اواخر 1968. ـ ومجزرة 23 نيسان 1969 التي سقط فيها اكثر من 30 شهيداً خلال المظاهرات الشعبية لتأييد العمل الفدائي الفلسطيني. ـ مجزرة $كوع الكحالة# في 1970 حينما كمنت $القوات اللبنانية الكتائبية# و$النمور الاحرار الشماعنة# لموكب جنازة فلسطينية كانت متجهة الى الاردن واوقعت في موكب المشيعين عشرات القتلى غيلة وغدراً وقد شارك العميل المجرم بشير الجميل شخصياً في هذا الكمين، وهذا ما نشرته جريدة $السفير# لدى توقيف بشير الجميل على احد الحواجز الفلسطينية في مخيم تل الزعتر بعد فترة من المجزرة وقيل يومها انه وجد في صندوق سيارته رأس بلا جسد لمقاتل فلسطيني، ولكن مكتب بشير الجميل صوّب هذه المعلومة كما يلي (راجع الرابط التالي: ://../.===). 7 - وبعد مجزرة ايلول الاسود 1970 ضد المقاومة الفلسطينية في الاردن، قرر اجتماع قمة الجامعة العربية الذي عقد (حينذاك) في عمان ابعاد قوات المقاومة الفلسطينية الى لبنان. وكانت الفحوى الحقيقية لهذا القرار افساح المجال للقوات الانعزالية اللبنانية بالتوافق مع قوات النظام الرسمية بالاجهاز على قوات المقاومة الفلسطينية وطي صفحتها. ولكن القوى الوطنية اللبنانية وقفت كالطود بوجه تنفيذ هذه المؤامرة $العربية# على المقاومة الفلسطينية، وجعل الارض اللبنانية مسرحاً لذبح الفلسطينيين، باسم الحفاظ على $السيادة اللبنانية#. وقد توجت هذه الفترة الحرجة باحداث ايار 1973، حينما قامت قوات السلطة اللبنانية، بالتعاون مع القوى الانعزالية العميلة، بتطويق ومحاصرة المخيمات الفلسطينية ثم مهاجمتها وضربها بمختلف الاسلحة بما في ذلك الطيران، لـ$تحريرها# على الطريقة الاردنية (!). ولكن الموقف الصلب للقوى الوطنية والتقدمية اللبنانية، بمعارضة اقتحام مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وضرب المقاومة الفلسطينية، ادى الى اجبار السلطة على التراجع. وكان لموقف الجنود والضباط الوطنيين الشرفاء، الذين كانوا يرفضون الاوامر المعطاة لهم، دور كبير في افشال هذا المخطط الاسود. وننوه هنا بموقف الضباط الطيارين الذين كانوا مكلفين بقصف مخيم برج البراجنة. فقد القى هؤلاء الطيارون قنابلهم على الرمول خارج المخيم. وقد تم تقديم احدهم (وهو المرحوم الشهيد البطل عبدالله شمص) الى $المجلس التأديبي# العسكري. ولكنه وقف امام $قضاته# وقفة العز المطلوبة. وفيما بعد عمدت الدوائر السوداء الى اغتياله عن طريق تلغيم ونسف طيارته في الجو وهو في طلعة تدريبية فوق بلدته بوداي بالهرمل. 8 - بعد فشل مؤامرة ايار 1973 بدأت عملية التلاحم الكفاحي اللبناني ـ الفلسطيني تأخذ مجراها بعمق، وتحولت القضية الفلسطينية الى قضية اولى في الثوابت الوطنية اللبنانية. فاتجهت القوى الانعزالية العميلة الى الشحن الطائفي بشكل لا سابق له، ووضعت نصب اعينها العمل لتقسيم لبنان طائفياً وانشاء $الوطن القومي المسيحي# على غرار $الوطن القومي اليهودي# وبالتعاون التام مع اسرائيل. وكان هذا التوجه الانعزالي العميل احد الاسباب الجوهرية لتفجير الحرب اللبنانية في 1975. 9 - ولكن القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط، والحركة الشعبية الشيعية بقيادة الامام موسى الصدر، وقفتا بشدة ضد مخططات التقسيم وتحويل $لبنان الكبير# او $لبنان المسيحي الصغير# الى موطئ قدم لاسرائيل. ولدى محاصرة القوات الانعزالية العميلة مخيم تل الزعتر ومخيم جسر الباشا الفلسطينيين وحي النبعة ذي الاكثرية الشيعية في المنطقة الشرقية، تقدمت القوات الوطنية في الجبال وحاصرت القوات الانعزالية من الاعلى، وكادت تطبق عليها وتقضي عليها. وهنا استنجدت القوات العميلة والسلطة اللبنانية بالعامل $العربي#، فأرسلت جامعة الدول العربية ما يسمى $قوات الردع العربية# الى لبنان، وكان في تعدادها قوات سورية وليبية. 10 - وبدلاً من ان تعمل $قوات الردع العربية# على لجم الاندفاعة التقسيمية للقوات الانعزالية وتشكيل درع لحماية لبنان من خطر العدوان الاسرائيلي، فقد تم في اثناء وجودها: أ ـ اسقاط مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في تل الزعتر وجسر الباشا والضبية، واسقاط الاحياء الاسلامية الواقعة في شرقي بيروت، وارتكاب المجازر فيها ضد المدنيين بالاخص. ب ـ اغتيال الزعيم الوطني والتقدمي الكبير كمال جنبلاط لكسر ظهر الحركة الوطنية اللبنانية العلمانية وتشتيتها، وخصوصاً في شقها المسيحي، مما اتاح الفرصة للقوى الانعزالية للسيطرة الكاملة على غالبية المناطق المسيحية وانشاء $الادارة المدنية# و$الامن الذاتي# فيها، على طريق التقسيم وانشاء $الوطن القومي المسيحي#. ج ـ خطف واخفاء الامام موسى الصدر في ليبيا، لكسر ظهر الحركة الشعبية الوطنية الشيعية التي كان يتزعمها، وزرع البذور الاولى للنزاع الاخوي الفلسطيني ـ الشيعي، وللفتنة الطائفية السنية ـ الشيعية. د ـ اغتيال عدد من القيادات الوطنية والاسلامية المعتدلة، كالشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد والشيخ حليم تقي الدين، لاجل زرع البلبة والفوضى في الساحة الوطنية ـ الاسلامية وزعزعتها واضعافها. هـ ـ وخلال الوجود $العربي# في لبنان، اصبحت المنطقة الوطنية ـ الاسلامية مسرحاً للنشاطات المخابراتية المشبوهة التي عملت على تفكيك هذه الساحة عن طريق ضرب جميع الاحزاب والمنظمات بعضها ببعض لتفكيك وحدتها واضعافها جميعاً وعزلها عن الجماهير الشعبية الوطنية والاسلامية. ز ـ وابشع ما انجزه $التعريب# والوجود $العربي# في لبنان في تلك المرحلة هو تنظيم وادارة الحروب الفلسطينية ـ الفلسطينية واخيراً افتعال وتنظيم $حرب المخيمات# الشيعية ـ الفلسطينية والحرب بين القوى الاسلامية والقوى الوطنية العلمانية في طرابلس (الحلقة الثانية في العدد المقبل)

جورج حداد كاتب لبناني مستقل