الأبحاث العلمية تؤكد نظرية "شلومو ساند" بأن "الشعب اليهودي لا وجود له"

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
صدر كتاب اختراع الشعب اليهودي عام 2008 باللغة العبرية لمؤلفه البروفسور شلومو ساند أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب، وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفرنسية في دار فايار fayard في العام نفسه بعنوان: $كيف تم اختراع الشعب اليهودي#، وكذلك ترجم إلى اللغة الانكليزية.

صدر كتاب اختراع الشعب اليهودي عام 2008 باللغة العبرية لمؤلفه البروفسور شلومو ساند أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب، وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفرنسية في دار فايار fayard في العام نفسه بعنوان: $كيف تم اختراع الشعب اليهودي#، وكذلك ترجم إلى اللغة الانكليزية. وتمت الترجمة إلى اللغة العربية من قبل مؤسسة مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية في رام الله بالاشتراك مع المكتبة الأهلية في عمان عام 2010. اليهود لم يشكلوا يوماً إثنية حاملة لأصل واحد فاخترعوا أساطير للتأكيد على وجود زائف. فمتى خلق الشعب اليهودي؟ وهل مضى على ذلك أربعة آلاف سنة؟ إن أقلام المؤرخين اليهود في القرن التاسع عشر، عند استعراض الماضي أعادوا بناء شعب خيالي في سبيل تشكيل امة مستقبلاً، ويبين شلومو ساند كيف أن من بداية القرن التاسع عشر فإن الزمن التوراتي ابتدأ يعتبر من قبل الصهاينة الأوائل انه ولادة أمة. هذا الالتفاف على الماضي قاد المؤرِّخ شلومو لتساؤلات اكثر حداثة في الوقت الذي يقوم فيه بعض علماء الأحياء الاسرائيليين يبحثون باستمرار بشتى الوسائل للبرهان على ان اليهود يشكلون شعب بالـADN خاص، فلم يفلحوا وهذا ما تخفيه اليوم اعتبارات الدولة اليهودية. وبناء على تحليل له خاصية هامة وكله جرأة فإن شلومو ساند يتناول مسائل تمس الجذور التاريخية لليهود وكذلك الهيكل الديني الاسرائيلي حالياً. يقوم ساند برحلة بحث تعود إلى آلاف السنين إلى الوراء أثبت فيها ان اليهود الذين يعيشون اليوم في إسرائيل وفي أماكن أخرى من العالم ليسوا على الإطلاق أحفاد العبرانيين الذين كانوا أيام المسيح. ويقول أن أصولهم تعود إلى شعوب متعددة اعتنقت اليهودية على مر التاريخ في اماكن شتى من العالم وهكذا فإن عمليات تهويد متتابعة حصلت في شمال أفريقيا وجنوب اوروبا والشرق الوسط واليمن. وهذا ما زعزع التفكير الصهيوني الذي يريد أن يقنعنا ان اليهود هو ابناء مملكة داوود وليسوا ورثة المحاربين البربر والفرسان الخازار والحميريين المتهودين في اليمن. ولدى التساؤل عما حصل للعبرانيين ياتي جوابه كالتالي: قسم منهم اعتنق المسيحية وقسم هاجر طوعاً لمناطق مختلفة في حوض البحر الابيض المتوسط كما أن بعضهم اعتنق لاحقاً الإسلام واختلطوا بالمجتمع الفلسطيني المكوَّن من المسيحيين والمسلمين، وفي اليمن فقد اعتنقت قبائل حمير وقبائل حضرموت اليهودية في القرن الرابع ميلادي واستمرت حتى بعد انتشار الاسلام. أما الانتشار في حوض البحر الابيض المتوسط والمناطق المجاورة فقد كتب ابن خلدون يقول: إن القبائل المتهودة كانت كبيرة وانتشرت في أرجاء واسعة من شمال افريقيا وباستثناء أبناء الجراوة الذين سكنوا في مرتفعات الأوراس، فقد أقامت قبائل النغوصة في محيط طرابلس الغرب واستقرت قبائل المدبونة في غرب الجزائر. والقتلادة البهلولة وبنو قازان عاشوا في اقليم فاس بالمغرب حيث استمرت حياة الطوائف اليهودية رغم الفتوحات العربية الكاسحة. هذه الحقائق، يضاف إليها نشوء طائفة يهودية كبيرة في اسبانيا أوسع انتشاراً من تجمعات اليهود التي تكونت في ايطاليا وجنوب فرنسا وفي بلاد الجرمان، ويعود أسباب هذا التوسع إلى مشاركة برابرة يهود في جيش طارق بن زياد لاحتلال الاندلس. وفي القرن الثامن ميلادي فقد اعتنقت دولة الخزر في شرق روسيا اليهودية ومنها تم تسريب العقيدة اليهودية إلى شرق اوروبا. بعد توضح هذه الحقائق التاريخية، نصل مع شلومو ساند إلى نشوء الصهيونية في القرن التاسع عشر لنوضح بعدها كيفية اختراع الشعب اليهودي. يقول الكاتب ساند: في مرحلة معينة من القرن التاسع عشر، أخذ مثقفون من أصل يهودي في المانيا على عاتقهم مهمة اختراع شعب بأثر رجعي وذلك من منطلق رغبتهم الجامحة في اختلاق قومية يهودية عصرية. وشرع كُتّاب ومثقفون يهود بإعادة كتابة تاريخ اليهود كتاريخ شعب تحوَّل إلى شعب مشرَّد وانعطف في نهاية المطاف ليعود إلى وطنه. المؤرخ الألماني اليهودي $إيزاك ماركوس يوست 1860 - 1793 # بدأ بكتابة تاريخ اليهود في العام 1820 وحدد الجزء الأول من أصل تسعة اجزاء يتألف منها الكتاب بعنوان تاريخ (الازرائلينيم ـ اسرائيليون) منذ أيام المكابيين وحتى عصرنا. إن اختياره لهذا المصطلح ادى إلى أخذ المان وفرنسيون من أبناء دين موسى يطلقونه على انفسهم من باب جعل وقعه مقبولاً وتفادياً لاستخدام مصطلح $يهود# الذي كان مشحوناً كما هو معروف بدلالات سلبية للغاية. أقام يوست المحفل العلمي، انبثق عنه تيّار علوم اليهودية وسميَ: $حكمة اسرائيل#. كذلك كان كتاب تاريخ اليهود من العصور القديمة وحتى أيامه للمؤلف $هاينريخ غريبس# المولود في بولندا (1891 - 1818) والذي بدأت أجزاؤه الأولى بالصدور في خمسينيات القرن التاسع عشر. استمرَّ هذا المؤلف الريادي الذي كتب بكفاءة أدبية عالية ماثلاً في تاريخ القومية اليهودية طوال القرن العشرين وكان تأثيراً ملموساً ومركزياً في نشوء الصهيونية. لقد أثرى الكتاب خيال الأدباء والشعراء، وفي مرحلة لاحقة شكل الكتاب في فلسطين خريطة طريق أولية في سبر أغوار الزمن الطويل. ولعل سبب هذا الحضور المكثف واضح فالكتاب يشكل أول مؤلف بذل فيه جهد بانفعال وتناغم لاختراع الشعب اليهودي وان غريبس كان الشخص الذي صاغ النماذج القومية لكتابة تاريخ اليهود. أصدر هيس Hess في العام 1862 كتابه $روما واورشليم#، وشكل هذا الكتاب بمثابة بيان قومي صريح وكان دوره حاسماً في مواصلة صوغ التاريخ اليهودي لـ$غريبس#. راجت النظرية العرقية في مراكز الثقافة المهمة في الغرب وأضحت من البديهيات؛ وأقبل $هيس# بشغف شديد على قراءة الأدبيات الجديدة فتوصَّل إلى استنتاج مؤداه انه: $يقف خلف مسألة القومية والحرية مسألة أكثر عمقاً ألا وهي مسألة العرق التي يقترب عمرها من عمر التاريخ...#، فكل تاريخ الماضي هو قصص مستمرة لحروب عرقية وصراع طبقي، غير أن الحروب العرقية هي الرئيسة وطالما بقيت هذه النزاعات الدموية مستمرة فمنه يتعيّن على اليهود العودة إلى بوتقتهم أي الهجرة إلى أرضهم المقدسة فلسطين... في العام 1860 رأى $غريبس# ان التاريخ اليهودي مبني في شكل أساسي على القبيلة اليهودية التي أصبحت عنصر حاسم في تعريف اليهود. كان $غريبس# قد قرأ مخطوط روما وأورشليم، من هنا نشأت صداقته مع $هيس# حتى وفاة هذا الأخير عام 1875. بعد سنة من صدور كتاب هيس، نشر غريبس مقالة مميزة من تأليفه تحت عنوان: $تجديد شباب العرق اليهودي#، وتشكل هذه المقالة إلى حد كبير حواراً غير معلن مع هيس. إن هذه المقالة تبين لنا مدى الإدراك الثاقب لدى المؤرخ لمسألة القومية. وكسائر المؤرخين اعتبر غريبس ان تاريخ اليهود هو تاريخ سام لا يقبل المقارنة مع أي تاريخ آخر ويبرز الجانب القومي بصورة خاصة في الجزء المكرس للتاريخ اليهودي في العصر الحديث لغاية ثورات 1848. كان $هاينريخ فون ترايشكه# في سبعينات القرن التاسع عشر مؤرخاً في جامعة برلين ففي عام 1879 نشر مقالة في مجلة الحوليات البروسية بعنوان $كلمة واحدة عن اليهودية لدينا# جاء فيها: $إذا كانت اليهودية تطالب بالاعتراف بقوميتها فإن تلبية رغبات من هذا القبيل يمكن لها أن تتحقق بطريقة واحدة فقط: الهجرة وإقامة دولة يهودية في مكان ما خارج بلدنا#. على أثر وفاة $غريبس# عام 1891 نشر $شمعون دوفنتوف# مقالاً تخليداً لذكراه وهو يُعتبَر خليفة $غريبس# وأخذ على عاتقه ترجمة كتاب $غريبس# الأخير: $التاريخ الشعبي لليهود# إلى اللغة الروسية، وانتشر انتشاراً واسعاً في أوساط اليديش. حتى انه يمكن إرجاع ولادة الفكرة الصهيونية ذاتها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر في وسط وشرق أوروبا في الحيّز الممتد من $فيينا# حتى $اوديسا# ونجحت في التغلغل في الأوساط الثقافية المتعطشة لمجتمع اليديش. وإذا كانت أقلية كبيرة من أصحاب الفكرة قد انتمت إلى الثقافة الألمانية مثل $موشه هيس# و$تيودور هرتسل# و$ماكس نورداو# فإن اغلب الذين أكملوا صياغة النظريات وترويجها كانوا ينحدرون من الشريحة المثقفة لشعب اليديش الذي اكتظت به طوال مئات السنين مدن وبلدات بولندا وأوكرانيا وليتوانيا وروسيا ورومانيا. بعد خمسة وثلاثين عاماً من صدور كتاب $روما وأورشليم# سنة 1862 أصبح هناك في اوروبا عدد كبير من الصهاينة وأضحت فلسطين الوطن القومي لكل يهود العالم. في العام 1891 اخترع $ناتان بيرنباوم# (1864 - 1937) مصطلح $صهيونية# وهو الذي يعتبر المثقف الصهيوني الأول. أما تيودور هرتسل فهو المؤسس الحقيقي للحركة الصهيونية وكان $ماكس نورداو# رجل $هرتسل# المخلص وساعده الايمن في جميع المؤتمرات الصهيونية الأولى. وقد نجح في ان يصبح فولكياً صهيونياً أصيلاً مؤيداً لنظرية الوراثة اليهودية لـ$رفائيل فالك#، حيث تم شرح ذلك في كتابه الصهيونية وبيولوجيا اليهود. إلى جانب ذلك كان مارتن بوبر، رئيس تحرير مجلة العالم، الصحيفة المركزية الناطقة بلسان الحركة الصهيونية، كان ايضاً فولكياً متعصباً. أما فلاديمير زئيف جابوتنسكي زعيم الجناح التقييمي في الحركة الصهيونية كانت له كالسابق فرضية مؤداها وجود دم مخصوص لدى اليهود يميزهم عن الآخرين ولم يتردد جابوتنسكي الأب الروحي لليمين الصهيوني من ترداد نظرية $الدم#. أخيراً، فإن جميع المحاولات الصهيونية التي جرت قبل نشوء دولة إسرائيل وبعدها من دراسات مخبرية وتشريحية ومقارنة للأنسجة والخلايا والآثار، لم تفلح في التأكيد على النظريات المتطرفة وصولاً إلى تأكيد شلومو ساند بان $الشعب اليهودي لا وجود له#

د. فائز شهرستان