"المسيح المعلم الثائر. هكذا تكلم يسوع"

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
آخر إصدارات المطبعة البوليسية، حاريصا، للعام 2010 كتاب $المسيح المعلم الثائر. هكذا تكلم يسوع#، تأليف الدكتور عاطف خليل الحكيم. يتصدر الغلاف من الجهة الأمامية حمامة بيضاء، إنما تغلّفها الضبابية فانعكست مبهمة غير واضحة الرؤية. هذا وتتماثل مع أبعاد الصورة الثلاثية لتعبّر رمزيتها عن ثلاث كلمات هي: عالم، عربي، واحد.

الجملة سهلة ممتنعة تعبر عن غايات المؤلف الفكرية

آخر إصدارات المطبعة البوليسية، حاريصا، للعام 2010 كتاب $المسيح المعلم الثائر. هكذا تكلم يسوع#، تأليف الدكتور عاطف خليل الحكيم. يتصدر الغلاف من الجهة الأمامية حمامة بيضاء، إنما تغلّفها الضبابية فانعكست مبهمة غير واضحة الرؤية. هذا وتتماثل مع أبعاد الصورة الثلاثية لتعبّر رمزيتها عن ثلاث كلمات هي: عالم، عربي، واحد. ويتماهى العالم العربي الواحد مع ضربات محمد الثلاث في معركة الخندق، وقد ترجم محمد القائد هذه الضربات بثلاث أمم عربية. وتتماهى لوحة الغلاف مع علم الجغرافيا والدين. استفاد منه أحد كبار مفكري هذا العصر، فبنى عليه هيكله الحزبي. أما الغلاف من الجهة الخلفية، فهو كناية عن شهادة ثبوتية لشخص المؤلف الذي استعاض عن الشهادة الثبوتية التقليدية بشهادة الفكر والرؤية العلمية القيادية. والغلاف من تصميم المؤلف نفسه وهو يتطلّع من خلاله الى أن فلسفة المسيح، فلسفة المحبة، فلسفة السلام تتصاعد من الأرض نحو السماء، بعد أن ولدت في السماء واتجهت صوب الأرض. وهو يقصد برمزية الحمامة والتي تترامى قصديته على امتداد الكتاب، ثورة سلام، سلاحها المحبة ورباطها وحدة الناس على طول امتداد العالم العربي وعرضه. للكتاب عنوانان المسيح المعلم الثائر وهكذا تكلم يسوع. هذا، وقد وضع المؤلف له عنوانين ليؤكد على حقيقة الشخصية التي بوحيها يكتب، ألا وهي المسيح، يسوع والذي يعرف أيضاً في القرآن الكريم باسم عيسى بن مريم وأحياناً يعرف باسم يحيى لهذا السبب وضع له عنوانين ضمّنهما اسمين فقط دون الإثنين الأخرين ولذلك لكي يقطع شك كل من تسوّله نفسه وتذهب به الظنون بعيداً. أول ما يتبادر للفكر الثقافي أن الكتاب، ومن خلال عنوانه، كتاب ديني بالمطلق، ولكن ما أن يقرأ الإهداء ومن ثم المقدمة وبعده أي فصل من فصوله المتعددة، حتى يغيّر القاريء فكرته ويبدّل رأيه الثقافي من النظرة الدينية الإيمانية الى علمية تبلغ حدود الإلحاد. وإنما وللبيان، فالكتاب لا ينتسب لأحد النقيضين، فهو ديني إماني بمعنى فلسفة الدين، عقلنة الدين. هذا، وهو كتاب علمي تجريبي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إذا تعمّد المؤلف أن تحاكي فضيلة المثل العليا السامية الواقع المعاش، لا بل هو أسقط الفكر على التجربة. إذاً، هو كتاب فكري علمي عالج فيه المؤلف أخلاق المسيح على ضوء المنطق العلمي، وبمنظار علم الأخلاق المطعّم بالفكر والفلسفة وليس بمنظار العقائد والإيمان القائم على الظن والمزاجية في الأحكام. كذلك، ليس الكتاب كتاباً علمياً بالمطلق، فإن كان علمياً، عقلياً، فهو أيضاً كتاب ديني لمن يريد ويرغب، ولمن تغلب عنده قوة العاطفة على قوة العقل. فهو كتاب ديني، إيماني لما يتضمن من الفضائل السامية العالية المتقاربة من العقل. لكنه ليس عاطفة، فاللغة العاطفية والواقعية، التاريخية، الوجودية نابعة من ينبوع العقل. هذا، وينحو المؤلف بكتابه نحو البحث العلمي، إذ أنه غاص في بحر متّى من إنجيل السيد المسيح يستقي الفضائل فضيلة، فضيلة، يستقرأها ويستنبطها لبلوغ غاية المسيح، إذ أن فضيلة المسيح برأيه لم تقتصر عند التبشير بوجود إله، فالله موجود سابقاً ولاحقاً ببراهين أو من دونها، في الفلسفة المثالية وفي الفلسفة المادية... إذاً، هو يستقي الفضائل ويستخلصها وبعد أن يغربلها ويذريها وينزّهها من شوائب المعلقين والطابعين والناشرين والمفسّرين والشارحين... يضعها عناوينَ لفصول كتابه، ومن ثم يعالج تلك الفضائل المنسوبة يقيناً للسيد المعلم بأسلوب فلسفي موشّح بأطر من الشاعرية، أحياناً، وبأطر أدبية أحياناً أخرى، بعد أن يضفي عليها من نفسه علمية قائمة على التجربة المعاشة. الجملة سهلة، ممتنعة تعبر عن فكر المؤلف وغاياته الفكرية والتي تساوي وطناً وشعباً وامةً فتعمّد البساطة في الكتابة لأن بلاده وشعبه بسطاء اليد، شرحاء الصدر، جبهاء الإنسانية... من النظرة أولى، تتأكد أن الكتاب خارج مضمار الطائفية، والفكر الديني، فالكتاب يتوجه إلى أبناء قومنا. فالكاتب يستشهد بمحمد تماماً مثلما يستشهد بالمسيح، ويستشهد بالقرآن ليشهد على صحة استنتاجه ودون أن يندّى له جبين أو ترفّ عين. فالكتاب واحد وإن كتب كلٌ بلغة. هذا، وسيلاحظ القارئ الكريم أن الكاتب ينتقل من الإنجيل الى القرآن ومن المسيح الى محمد ودون أي شعور بالإنتقال أو الإحساس بدوار حركية الفكر. لا تنتهي الكتابة عند مؤلِّف $المسيح المعلم الثائر. هكذا تكلم يسوع#، ولكن لا يمكننا الى التعريف به سبيلاً، إذ علينا كتابة كتاب على الكتاب للتعريف به، هذا إذا لم نقل كتباً تبلغ حدود المكتبة. هل عُرف فكر المسيح على مرّ التاريخ أم أنه لم يعرف بعد؟ برأينا يجب التعرف على المسيح من منظار جديد حتى نوفي لهذا المفكر بعضاً من فضله على البشرية.

د.عاطف خليل الحكيم أستاذ اللغة السريانية في الجامعة اللبنانية