جان يمين شاعر الحنين في ثلاثة دواوين

العدد 59 - حزيران 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
ترافق موجةَ ما يسمّى الشعر المنثور، في ساحتنا الأدبية، موجةٌ من الشعر الموزون بالمحكية، يفاجئنا أحد شعرائها بإصدارات متسارعة قبل دنو الساعة، بحسب ما توهّم.

ترافق موجةَ ما يسمّى الشعر المنثور، في ساحتنا الأدبية، موجةٌ من الشعر الموزون بالمحكية، يفاجئنا أحد شعرائها بإصدارات متسارعة قبل دنو الساعة، بحسب ما توهّم. فجان يمين الذي أصدر أول مجموعة بعنوان "حضن الهوى" 2009 يعترف تحت رسم له من أيام الشباب: يا ريت شبّ بيعرف امور الدني من قبل ما يكبر وجسمو ينحني وختيار قادر يعمل بروح الشباب بتصبح حياة الكون حلوه وهيّني ولم يكد يفرح بولادة ديوانه الأول حتى أعقبه بعد عـام واحد بولادتين جديدتين: "دراما العمر" و"حراتيق". في "دراما العمر" لم يتخلّ عن رسمه أيام الشباب رافضاً الهزيمة: من بعد ما افقدت الأمل والعمر شاب وعين المنيه... ناطرا خلف البواب حبيت رافق كل أجيال السنين عصرت قلبي شعر يحكي بـ الكتاب وفي حراتيقه نلاحظ الرسم فيها ليس من رسوماته الأخيرة لكنه يتناسق مع حراتيقه والقصيدة التي ذيّلته تصلح كستارة واقية من هزليّة عمره : لو جيت قيّم كون بوجه العموم عمر الصبا بيمرق متل شلحة غيوم بتبدا الحياة بعنفوان ومرجلي وبتنتهي ورقة خريف بلا لزوم معاندٌ، نفض غبار الإنطواء والهرب والكسل، ودخل المعمعة بهمة شاب في مقتبل العمر لأنّ الشعراء بنظره لا يشيخون. لنسمع ما يقوله، في نهاية ديوانه الثالث، مشبّبا بشاعرة ألهمته وكانت من مشجعيه: جنة ورد... فيها الورود مهفهفه من ذوقها بتشفي جرح انسان مجروح صرلو سنين جرحو ما شفي ويسكر ع خمرة شعرها تَ ينطفي بلْ لطف بلْ أخلاق بلْ ايمان متل اليمامه عَ الغصون مرفرفه وبعد، ماذا نقول عنه وعن دواوينه والساحة الشعرية بدأت تـُشْغِلُ شعراء الفصحى من جديد بالمحكية وكان بعضهم من قبل يتخفـّى وراء اسماء مستعارة. ان ما شجّعني على الغوص بحماسة على قراءة شاعرنا ، هي شهادات كبار الشعراء والأدباء بدءا بسعيد عقل القائل: جان يمين صيّاد ماهر للكلمة بتعبير مميز. وتوفيق يوسف عوّاد: شعرك (يا جان ) حكمة على فلسفة بأصفى تعبير وأعمق صورة. وجورج غانم، إبن "العندليب" عبدالله غانم الذي قال لجان: شعرك يدعو الى الإعجاب الإعجاب! ويستوقفنا قول الشاعر سليم سليم مكرزل: أنت شاعر كبير يا جان يمين! دعني أكتشفك لأنك لم تكتشف شاعريتك. أنّـّى لنا أن نكتشف شاعرية جان يميّن، أو نكشف الغبارعمّا في صدره من مخزون يفيض بلمعات الإبداع كلما رأى عصفورة "تتمرجح" على غصن نديّ، أو فوجىء بنظرات يمامة حنونة أو أسرته حيطان الغرفة الأربعة فجرى يراعه في سبق محموم مع لسانه! فهذا الشاعر لا يستطيع أن يتنصت ، في أي لقاء وفي أيّ مكان، الى حوار جليسه أو جلسائه، لأنه مسحور بـرائِيٍّ يمتلكه ويمنعه عن اكتشاف نفسه، لأن الوحي الذي يلازمه دائما وأبدا، لا يسمح له بالتنصت الى الآخرين حتى الشعراء منهم. ولو أنّ همّته الى الكتابة والإلقاء، كانت موجهة الى جمع قصائده ونشرها، لفاضت المكتبات بدواوينه، ولو كانت له نعمة الصبر والتأني وآمن بان فرص العطاء والإبداع لم تفت بعد، وان الشباب في القلب والعقل وليس في الرسم، لأعطانا الأروع من حكـَمِه كقوله: في ناس... خلقت بالغلط وبتدّعي! بخجل إذا بيتحدثوا ع مسمعي وبين الوعي والجهل محسوم الغلط! ضروري الوعي يستوعب الجهلْ بوعي. أو قوله في قصيدة "شوّه غراب": من حق شاعر ينقض كلامي إن شاف الخطأ ! في كون قدامي الله تناقض معْ شرعْ الكونْ شوّه غْرابْ وجمّل نعامِه! فهل أروع من مثل هذه الإشارات الكفريّـة يطلقها الشاعر بلمعات خاطفة تباغت المتلقّي وهو حائر وضائع مثله في لعبة الوجود و ألغازه ! وككلّ الشعراء، عذ َبَ كذبُه ، فقال في "حضن الهوى" عن أحلام الهوى في عمر الصبا: ساحره... نزلت عليّي من الغمام وعّت حنيني من بعد ستين عام ! حبّ جارف ما إلو بقلبي حدود حوّل سنين اليأس بحر من الهيام ! وشمس عمري بعد ما كانت حطام فجر الصبا بلـّـش يلوّح للأمام. لا همّ إن كانت قصائده التي نظمها في موعة الشباب، قد تناثرت وضاع منها الكثير، ولا همّ أيضا إن راودته الذكريات الحميمة بنتف من حرورها بعد بلوغ الستين، وهو لا يزال متحفـّزا، متوثبا بفكره وقلبه، ومنتشيا بخيالات الماضي وحنينه، فإنه وقد فاجأنا بدواوينه دفعة واحدة، لابد من دراسته مطولا، في بحث آخر ، للمقارنة بين إبداعه وإبداع آخرين في ضروب وألوان ٍظهرت قديما في الشعر العربي ، ويكون لهذا البحث فسحة أخرى، لأن شعره مؤهلٌ في كثير من قصائده لأن يأخذ مطرحا في صفحات العطاء الشعريّ الخالد. يقول الشاعر عبدالله غانم في دراسة نشرت في مجلة آفاق عام 1959 تحت عنوان "الشعر اللبناني باللغة الشعبية": لقد تمكن بناء الشعر الشعبي الذي بشّر بالخلود الذي طلع فيه رشيد نخله، وكان شاعرا بيانيا أصيلا. فسطت شهرته العامية على شهرته البيانية. ثمّ عدّد في دراسته، أسماء شعراء العامية، فذكر الكثير من الأسماء التي تألقت في تلك الحقبة ولم تكن بعد قد ظهرت اسماء شعراء كبار أمثال خليل روكز وغيره ، وكان اسم جان يمين حينها لا يزال مطويّا في اوراقه المتناثرة التي جمع بعضها "بالعافيه" حتى لا تضيع كما ضاع بعضها الآخر. والمحكية، كما يقول توفيق يوسف عواد، لها أوزانها كالفصحى. فعروض الشعر وزنيّة تابعة لتفاعيل معلومة هي نفسها التي نراها في الشعر العربي الفصيح. قد يصدق هذا القول إذا استطعنا أن نجد للمحكية قواعد وضوابط كما في الفصحى. لذا، تبقى المحكية، في شعر يمّين وغيره من شعرائها الكبار، متحررة بأوزانها، معتمدة على الرويّ الذي يُطرب ويغني عن القواعد الخليلية. نتمنّى على شاعر "الدواوين الثلاثة" أن يتحفنا بالمزيد من شعر يحقق له آماله بالخلود: بيكون اسمي... خالد بهلْ كـَون شاعر عظيم وشاعر بحالي... وهل هذا ممستحيل على القائل في تكريم جبران: كبرت الكلمه وانبنى قصر الحروف بلـّش التاريخ يا سنين اكتبي ! جبران ! عاش بكون صرخة فيلسوف وغاب وبقي وتخلـّد بشعرو نبي. أخيرا أقول ان التجارب الحياتية أغنت موهبة جان يمين الشاعر بإيحاءات فكرية قد لا تتوافر بالدراسة والتحصيل. فخبرته مع النساء ، وهو الفنان الذوّاقة بتصاميم ازيائهنّ وصاحب السمع الرهيف لأخبارهنّ والعارف بسحر النظرات والهمسات، هذه الخبرات أطلقت شاعريته سويّـاً مع موهبته الموسيقية في النظم الذي لم يدرسه على أحد

لويس الحايك