إلغاء الطائفية السياسية هل هو مشروع علماني أم طائفي؟

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 13 كانون الثاني (يناير) 2012.
 
بدعوة من جامعة سيدة اللويزة ـ ذوق مكايل أقيمت ندوة فكرية ـ سياسية بتاريخ حول موضوع "الغاء الطائفية السياسية: هل هي مشروع علماني أم طائفي؟" حاضر فيها أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي المقدم شريف فياض، وبالنظر الى قيمتها الاستثنائية، تنشر تحولات النص الكامل للمداخلة التي قدمها المقدم فياض والتي أضاء فيها على الطائفية وأخطارها وكيفية الخروج من نفق العصبيات التي تؤسس لها في المجتمع، وصولاً للانتماء الى الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه.

المقدم شريف فياض: تلغى بالانفتاح والعقبات لن تصمد أمام إرادة الشعب

بدعوة من جامعة سيدة اللويزة ـ ذوق مكايل أقيمت ندوة فكرية ـ سياسية بتاريخ حول موضوع "الغاء الطائفية السياسية: هل هي مشروع علماني أم طائفي؟" حاضر فيها أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي المقدم شريف فياض، وبالنظر الى قيمتها الاستثنائية، تنشر تحولات النص الكامل للمداخلة التي قدمها المقدم فياض والتي أضاء فيها على الطائفية وأخطارها وكيفية الخروج من نفق العصبيات التي تؤسس لها في المجتمع، وصولاً للانتماء الى الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه. "نال لبنان إستقلاله عام 1943 نتيجة تسوية بين الحلفاء الذين إنتصروا في الحرب العالمية الثانية، ضمنوا فيها مصالحهم في الشرق الأوسط من جهة ونتيجة تسوية محلية بين زعماء الطوائف اللبنانية تقاسموا فيها السلطة والنفوذ من جهة ثانية. هذه التسوية قامت على توازنٍ طائفي تمتدُ جذورهِ إلى زمن الحكم العثماني يوم كان لبنان بحدودهِ الحالية موزعاً بين عدة ولايات أو إيالات أو سناجق تتحالف حيناً وتتقاتل حيناً آخر وتتدخل الدول في شؤونها فتناصر بعضها على بعضها الآخر وتتبنى كل دولة طائفة لتقيم على مناطق تواجدها موطىء قدم تدير منه مصالحها وسياساتها. وكانت التسويات بين تلك الدول تقرر الحدود وشكل الحكم وهوية الحكام، فكانت القائمقاميتين والمتصرفية ولاحقاً لبنان الكبير. حرصَ زعماء الطوائف عام 1943 على تطمين المسيحيين ومراعاة هواجسهم فكانت لهم الأرجحية في السلطة السياسية وفي الوظائف العامة. وحرصـوا على إرضاء المسلمين ومراعاة مشاعر أكثريتهم فـي توجههـم نحـو الوحدة مع سـوريا، فكانت هوية لبنـان ذات وجه عربي. في دستور 1943 مادة مشهورة هي المادة 95. هذه المادة موقتة وهي التي تنص على تقاسم الوظائف في الدولة، وكان من المفترض أن تُلغى عندما يبلغ الإستقلال سن الرشد فيتساوى اللبنانيون في الحقوق كما يتساوون في الواجبات، ولكن الممارسة ثبتت هذه المادة وجعلت من المؤقت أكثر ديمومة من الدائم. جاء في البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الاولى بتاريخ 7 تشرين الاول 1943 حول الطائفية والاقليمية النص التالي : ومن أسس الاصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها، فإن هذه القاعدة تقيد التقدم الوطني من جهة وسمعة لبنان من جهة أخرى فضلاً عن أنها تسمم روح العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني. وقد شهدنا كيف أن الطائفية كانت في معظم الأحيان أداة لكفالة المنافع الخاصة كما كانت أداة لإيهان الحياة الوطنية في لبنان إيهاناً يستفيد منه الأغيار. ونحن واثقون أنه متى غمر الشعب الشعور الوطني الذي يترعرع في ظل الاستقلال ونظام الحكم الشعبي يقبل بطمأنينة على إلغاء النظام الطائفي المضعف للوطن. إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة من تاريخ لبنان، وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله، ومن الطبيعي أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي وسنعمل جميعاً بالتعاون تمهيداً وإعداداً حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان إلى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير، وما يقال في القاعدة الطائفية يقال مثله في القاعدة الاقليمية التي إذا اشتدت تجعل من الوطن الواحد أوطاناً متعددة. في عهد الرئيس فؤاد شهاب وبعد أحداث 1958 تم إعتماد نظام (6 6 مكرر) في الوظيفة العامة ولكن هذا الأمر بقي في حدوده الإدارية ولم يتناول الشأن السياسي. طالب المسلمون بالمشاركة وتمسك المسيحيون بالإمتيازات فطغى الجو الطائفي على البلاد في مرحلةٍ دقيقة من عمر الوطن تداخل فيها العامل المحلي بالعامل الإقليمي والعامل الفلسطيني بالعامل الإسرائيلي وكانت الحرب الأهلية بكل أبعادها وأسبابها ونتائجها ذات وجهٍ طائفي عَمَّقَ الإنقسام وصَدَّعَ الوحدة الوطنية وأدى إلى دخول لبنان كنف الوصاية الخارجية. ثم جاء إتفاق الطائف ليعيد توزيع مهام السلطات الدستورية، فإذا بنا ننتقل من النظام الطائفي إلى النظام المذهبي. فحَّلت المثالثة ضمن المناصفة محل (الـ 66 مكرر) وأضحى لكل وزارة مذهب ولكل مديرية أو مصلحة أو دائرة مذهب. وأضحى لكل سفارة أو محافظة أو موقع أمني مذهب وأصبح طريق المواطن إلى دولته يمر عبر المذهب أو زعيم المذهب أو نافذ متسلّط في المذهب، فوهنت الدولة وتناقضت مؤسساتها. ولا سيما بعد الزلزال الذي أصاب الوطن بإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونخبة من رجال الفكر والسياسة وإرتدادات ذلك الإغتيال التي أخرجت سلطة الوصاية السورية من جهة وشطرت الوطن شطرين، واحد تمحور حول السنّة وواحد حول الشيعة في إعادة مشوهة لتجربة حكم تاريخي يذكرنا بالقائمقاميتين الدرزية والمارونية. وما المشهد الأخير الذي قدمته وزارة الإتصالات ومؤسسة أوجيرو إلا نموذجاً لفصول في مسرحية مذهبية لا نعرف على أي خاتمة سيُسدل ستارها. غير أننا ندرك دون شك أن أي ثنائية إلى زوال بل إلى خراب وإلى مزيد من التعصُب والحقد والكراهية، والأوطان لا تُبنى على الحقد والكراهية والتعصب. يا طلاب لبنان وشبابه ويا من يرفعون شعار "مناهضة النظام الطائفي". أعيش معاناتكم وأُدرك إلى حدٍ بعيد هواجسكم. من حقكم أن تكونوا أعزاء في وطنكم. من حقكم أن تكونوا متساوين مع زملائكم ومن حقكم أن تسألوا عن مصير الأقليات ومستقبلها إذا ما ألغيت الضمانات التي يصونها النظالم الطائفي. ولكن اسمحوا لي أن أتساءل معكم وأقول: هل حمت الديموقراطية التي جاءت بها الإدارة الأميركية إلى العراق المسيحيين فيه؟ وهل حَمت الفدرالية اليوغوسلافية المسلمين في البوسنة؟ أم هل نعمت إيرلاندا الشمالية بعلاقة ود بين مذاهبها؟!. لا أريد أن أقدم خطاباً تعبوياً ديماغوجياً ولا أريد أن أقف عند إستعراض تاريخ أزمة النظام الطائفي بل أطمح أن أقدم مقترحات يمكن إذا ما اعتمدت أن تبدل في طبيعة النظام السياسي الطائفي في لبنان وترتقي به تدريجياً نحو النظام المدني وتساعد في تحقيق فكرة المواطن ومفهوم الوطن وفي تقدم البلاد وتوحيدها وإنطلاقها وإزدهارها. 1 ـ لا يمكن الفصل في موضوع الطائفية بين ما في النفوس، وما في النصوص. فالنص يؤلف بحد ذاته الأداة الحقوقية والقالب الحقيقي لمضمونه (وهذا النص اقتبسته من كمال جنبلاط) كالمـاء تمامـاً الذي لا يجري إلى هدفه إلا بواسطة الأنبوب أو القناة (انتهى الاقتباس). فنحن بحاجة، إذاً، إلى عقد شراكة وطنية، كما قال غبطة البطريرك مار بشارة الراعي يوم جلوسه على كرسي البطريركية المارونية وإلى عقد إجتماعي ينبثق من شرعة حقوق الإنسان ويؤمن العدالة والمساواة ويضمن الحريات العامة ويعتبر الدين شأناً شخصياً لا علاقة له في الممارسة السياسية. هذا العقد الوطني الاجتماعي يستند إلى مجموعة قيم ومثل إنسانية وأخلاقية يستمدها من حقيقة الأديان وتعاليمها الروحانية السامية ونلتزم جميعاً جانب الصدق في تنفيذه. 2- لا يمكن إلغاء الطائفية بقرار. الطائفية تلغى بمسار وطني مدني تكون محطة الانطلاق فيه دولة نتفق على إعلاء سلطتها فوق كل السلطات، لا سلطة بجانبها ولا سلطة فوقها ولا سلطة في الضل تأخذ القرار وتعطي التوجيه بل سلطة حقيقية تنبثق من إرادة الناس وتلتزم مصالحهم وتبني دولة الرعاية الاجتماعية. إن المؤسسات المذهبية اليوم هي الراعي الفعلي للشؤون الاجتماعية، فلكل مذهب مدرسته وجامعته ومشفاه ولكل مذهب سياسته ومؤسسته الإسكانية ومصرفه ونظام الجباية المالية ومؤسسته الأمنية بالإضافة إلى نظام الأحوال الشخصية والمحاكم المذهبية. 3 ـ تلغى الطائفية بالانفتاح. إن التقوقع داخل شرنقة مغلقة يؤدي إلى التصادم الدائم فلا بدّ إذا، من أجل بناء نظام وطني سليم من أن نخرج إلى الفضاء الرحب وأن تجتمع الناس حول مصالحها في مؤسسات وطنية سياسية أو إجتماعية أو مهنية وهذا هو الدور الحقيقي للأحزاب والجمعيات والنقابات التي تُعرَّف. 4 - الإسراع في الإلغاء كما التسويف والمماطلة يؤدي إلى تظهير خطوط التماس القائمة بين المذاهب وليس فقط بين الطوائف وتؤجج الصراع الديني وتعود بنا قروناً إلى الوراء يمحى فيها كيان هذا الوطن توقع الكثير من المظالم. إن الدعوة لتشكيل الهيئة الوطنية لدرس سبل إلغاء الطائفية السياسية في لبنان تأتي في موقعها الصحيح وتنسجم مع الدعوة للحوار الوطني بإدارة رئيس الجمهورية وتتلاقى مع دعوة رؤساء الطوائف الروحيين للحوار فيما بينهم مع إدراكنا المسبق أن دون هذا التلاقي والحوار عقبات جمة غير أن هذه العقبات لن تصمد أمام إرادة الناس إذا قرروا وصدقوا في تنفيذ ما يتفقون عليه، وإذ ذاك لا نخشى أن يتحول مشروع إلغاء الطائفية السياسية إلى مشروع نزاع جديد على رقعة هذا الوطن الصغير. علمتنا التجارب والأيام أن القادة الحقيقيون هم الذين يتابعون المسير في الاتجاه الصحيح ولو علت من حولهم صيحات الرفض، ألم يصر البطريرك المعوشي على الانفتاح وعلى التواصل مع المسلمين في أواسط القرن الماضي ولم يتراجع أمام من حاول اقتحام الصرح البطريركي في بكركي وهو ينشد: "المسيحية مجتمعة وجايي تحتج بدها ببكركي بطرك ما بدها حاج"

المقدم شريف فياض