حركات الرفض العربية لـ "استعادة المفقود"

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
ترتكز حركات الرفض العربية على مروحة من المطالب وبدافع واحد في كل البلاد: "استعادة المفقود". الجميع مشتاق لماء الوجه وكذلك لحصته من المال العام ومال قوته. الخلاف هنا يقوم على ارضية غير سياسية فسيّان كان الحاكم وفريقه من اليمين او اليسار او من الممانعين او المعتدلين.

ترتكز حركات الرفض العربية على مروحة من المطالب وبدافع واحد في كل البلاد: "استعادة المفقود". الجميع مشتاق لماء الوجه وكذلك لحصته من المال العام ومال قوته. الخلاف هنا يقوم على ارضية غير سياسية فسيّان كان الحاكم وفريقه من اليمين او اليسار او من الممانعين او المعتدلين. تشكّل العناوين من نوع الهدر والمحسوبية والاختلاس وانعدام العدالة في سنّ الضرائب وتحصيلها لائحة من الاولويات تستحق قلب النظام وان مع غياب البديل والتحضير السليم له. وتدور عملية تحصيل ماء الوجه - الكرامة - عبر المطالبة بالغاء قانون الطوارىء وما شابه من قيود قانونية مهما علا شأن الذريعة لقيامها بالاصل. فمن غير المقبول حالياً تحقيق الامن والوحدة الوطنية وفق وسائل تستخفّ بحق المواطن وكرامته لصالح امن الامة والوطن. وفي السياق تحدّث اكثر من فريق في المعارضات العربية عن رغبة الناس بالامان وليس الامن فقط. الملفات الساخنة تتباين فالتونسية ليست كما السورية واليمنية والمصرية، الّا انّ الكلام عن سوء توزيع المداخيل هو القاسم المشترك بين تلك الاوراق. فحسني مبارك متّهم بأختلاس الدولة وتحوم الشبهة ذاتها حول زين العابدين بن علي، وعلي عبدالله صالح وفي سورية تتحدث المعارضة عن احتكار الحزب الحاكم ليس للمناصب فحسب بل للمال العام ايضاً وفي ليبيا يستدل المواطن على ماله المسلوب عبر الاشارة الى قدرة القذافي على شراء المقاتلين وادواتهم الحربية. لقد اوذي الفرد العربي في امنه وقوته ولزمن طويل كان كافياً لتصعيد روح الانتفاضة والنزوع الى التعبير عنها بأي شكل وفي ايّ زمن كان دون احتساب الظروف الدولية وانتظار اللحظة التاريخية المناسبة وهذا حال الانتفاضة السورية التي تكابد في اكتساب التأييد الرسمي الخارجي. المشكلة في الاساس هي تأزّم العلاقة بين النظام وشعبه واذا كان الحل يتوافر في الديموقراطية تصبح الاخيرة مطلباً يتنادى اليه المعارضون ويموتون لاجله وان لم يكن اتجه الشعب الى ما يحقق الغايات دون اكتراث للاسماء والتعريفات السياسية. هكذا باءت محاولات التغيير، من قبل مبارك وصالح والاسد، بالفشل وادّت في بعض الاحيان الى ازكاء نار المعارضة ورفع وتيرة المظاهرات. هناك انعدام للثقة بالمسؤول تنامى بماضٍ طويل يكفي للكفر بالقائد واقواله اليوم وغداً. تتكوّن المعارضة العربية من جماعات حزبية وشعبية غير متجانسة تشمل باجتماعها الاسلام الناعم والمتطرف جنباً الى جنب مع اليسار الحاد والليبرالية العربية وكذلك اقلّيات دينية وعرقية كمسحيي المشرق والبدو والاكراد والامازيق وفرق اسلامية اقلوية. الغريب في الامر التقاء المسيحي مع الاسلامي في الشكوى من النظام والتعبير عن المعاناة معه ليشتكيان لاحقاً من بعضهم البعض لجهة النظر الى المستقبل ومسألة المشاركة في الحكم والادارة (مصر وسورية). انقاذاً لسورية اولاً ثم ليبيا واليمن قد يبدو الهروب الى الامام افضل الخيارات واكثرها ابداعاً. ماذا لو قام الرئيس الاسد بدعوة ممثلين عن القذافي والمتحاربين معه وممثلين للرئيس صالح وخصومه ثم ممثلين عن الشيخ القرضاوي والاخوان المسلمين (بصفتهم السياسية لا الدينية) في مصر وفي الخارج وكذلك ممثلين للعاهل الاردني والحزب الحاكم في تركيا (الحزب وليس الادارة) و"تيار المستقبل" في لبنان وايضاً الحزب القومي الاجتماعي السوري و"حزب الله" (لكونه عربياً وكونه مقاوم وممانع) وحركة فتح وحماس وبعض الاحزاب الكردية في العراق وتركيا وآخرون كثر. على ان يقيم هؤلاء جميعاً في منطقة خضراء او مربع امني تكون مهام الحماية فيه وضمان حرية التحرك والمقابلات وكذلك حرية السفر الى الخارج والعزوف عن متابعة المسيرة من مسؤوليّات الرئيس الاسد نفسه وتكون سلامة الزائرين هناك من معارضي النظام او حلفائه بذمّة الرئيس وفريقه الذي يختار، وذلك تحت وصاية مراقبين فاعلين ومقيمين تختارهم (ومن بين مواطنيها) حكومات الدول التالية: مصر، السعودية، تركيا، ايران، لبنان، الاردن وقطر. وتدور حلقات الحوار بين تلك الاطراف فيما بينها ومع آخرون من الادارة السورية ومن حزب البعث على حدّ سواء ومع رجال دين سوريين - سنّه وارثوذوكس وعلويين ودروز وارمن وموارنة وسريان وآشوريين وكلدان واسماعليين - يتمتعون جميعاً بالقبول والاحترام بين صفوف رعيّتهم. ليس هذا بكثير على النظام السوري الذي اعتاد استضافة المعارضة العراقية، عشرة اعوام قبل حرب الخليج الاولى وحين لم يكترث لها سفراء اقوى دول العالم واقلّها صداقة مع صدام حسين في حينه، واعتاد تأمين اللجوء السياسي لشخصيّات عالمية كآل بوتو من باكستان وغيرهم. الحوار على هذا الشكل سوف يمهّد للاستقرار والسلام في سورية وربّما في ليبيا واليمن ايضاً. وفي حال لم تقدّم هذه اللقاءات اي نفع يذكر فأنها ستقدم للتاريخ حكاية منطقة خضراء يتباهى بها السوري والعربي اليوم كما في المقبل من الايّام.

سمير مكاوي