الاحتراب الداخلي ... والقلق على المصير

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
بلا أدنى شك، نحن نحيا ظروفاً سوبر - مصيرية تضع مستقبلنا ومستقبل أجيالنا الحاضرة والقادمة على محك وجودي لا سابق له في تاريخنا الحديث!

بلا أدنى شك، نحن نحيا ظروفاً سوبر - مصيرية تضع مستقبلنا ومستقبل أجيالنا الحاضرة والقادمة على محك وجودي لا سابق له في تاريخنا الحديث! سؤال "الهوية" يلاحقنا في عمق أدمغتنا، فيستثير العقل والوجدان معاً، ونجهد للاجابة عليه بطريقة عقلانية علمية سلسة هادئة ومرنة في آن، علّنا نحقق توازناً داخلياً عميقاً نحن أحوج ما نكون اليه لبناء الاستقرار بوجوهه المختلفة! فحالة التشظي التي يعيشها مجتمعنا هي - في جانب منها - وليدة تشظي الهوية الى هويات، وتفتت "الكينونة الواحدة" الى "كينونات"، وهذا يؤدي الى حال انفصام في الشخصية راكمتها الأحداث والأنواء على مدى عقود ان لم نقل قرون من الزمن الصعب! من السهل، اطلاق التوصيفات، ورمي المسؤوليات على هذا وذاك، ولكن الأصعب أن نضع الحلول وآليات تخرجنا من المأزق الذي نعيشه على كل المستويات. ثمة مسألة معقدة ترتبط بالبعد الزمني لاعادة انتاج وعي جديد يؤسس لهوية جديدة، تركز الهوية وتؤطرها في فعل تغييري من أجل الصيرورة التي نطمح بها! فالأحداث تتسارع بخطى ووتائر قياسية، والتحديات تكبر، والمخاطر تتزايد، وهذا يعزز فرضية أننا "مسبوقون" ، ومعنيون ببذل الجهود المضاعفة لمواكبة ما يحيط بنا! هذا تحدي برسم كل القوى الحية في المجتمع، يدفعنا لرص الصفوف، وشحذ الهمم، لأن المسألة تطال كل شيء! لبنان، فلسطين، العراق، شامنا الحبيبة، كل أرضنا القومية، كل وطننا السوري الكبير، كل أمتنا من أقصى الشرق الى أقصى الغرب تقع في دائرة الاستهداف المباشر بغرض قتل روح المقاومة والرفض والتغيير. ولعل أحداث الشام الأليمة والمؤسفة تمثل المحك الأساسي لما هو آتٍ، ولما هو قادم، لأن الشام هي الحضن القومي لكل حركات المقاومة للمشروع الصهيوني - الأجنبي المعادي، وهي الخزان الاستراتيجي الذي يمدها بوسائل الصمود والبقاء، هذه الأمر كان تاريخياً هكذا، وهو يستمر بفعل الوضعية الجيو - سياسية الاستراتيجية للشام ولعاصمتها "دمشق". صحيح، هذه الأحداث ليست وليدة اليوم، ولا هي بنت ساعتها، بل هي وليدة وقت طويل من اللا توازن، واللا استقرار الغير منظور الذي اعتمل طويلاً حتى انفجر! بيد أن ما يحصل اليوم، نتيجة تراكمات الأخطاء والممارسات والسلوكيات غير البناءة في مناحي عدة، يجب أن لا يحجب عن أنظارنا، أن ما هو مستهدف - اليوم بالذات - في الشام هو غير ما هو معلن! الاصلاح حاجة وضرورة، والحرية والمساواة والعدالة والديموقراطية والشراكة في صنع القرار والمصير، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة الحقيقية، دولة المواطنة، هي كلها مطالب حق، ولكن، هذه المطالب تخفي وراءها في ظل الهجمة الدولية على دمشق أشياء أخرى تخفيها، وعلى رأس هذه الأشياء فك ارتباط دمشق بالمقاومة ثقافةً وارادةً وسلوكاً ودعماً، وضرب نهج المقاومة والممانعة على مستوى الأمة بأسرها. لاشك، أن الموقف حرج، ولكن، لا مخرج الا بمحاولة مستمرة لمد جسور التواصل والتراحم بين أبناء الشعب الواحد، وفصل كل محاولات التخريب التي تقوم بها الجماعات المرتبطة بأجندات خارجية عن مسارات الاصلاح والتطوير والتمدين لكل بنية النظام والدولة، لأن العودة الى الوراء غير ممكنة لا بل نتائجها ستكون كارثية، ولا مناص من اعادة البناء على أسس وقواعد جديدة، ولكن، وفي نفس الوقت، الثبات في الموقع القومي المقاوم والرافض والممانع، لأن تفضيل الاصلاح على المقاومة ونهجها سيودي بالاثنين معاً، والسير بالمقاومة من دون تحصينها شعبياً واجتماعياً وتوفير البيئة الحاضنة لها على كل المستويات قد يؤدي الى مآزق خطيرة مستقبلاً. المهم الآن، أن نسير في طريق الاصلاح البناء الهادف، وأن نرسخ في مجتمعنا ثقافة المقاومة بكل أشكالها، ومن دون ذلك يمسي القلق على المصير مشروعاً...

زهير فياض