‮... ‬لأنني‮ ‬احبُّ‮ ‬الشام حباً‮ ‬اكثر

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
أنا أؤمن ان الديموقراطية تبني‮ ‬مجتمعاً‮ ‬متماسكاً،‮ ‬قوياً،‮ ‬لانها تقدم للمواطنين الحرية والعدالة والمساواة‮.‬

أنا لست مع النظام الامني‮ ‬في‮ ‬سورية،‮ ‬ولست مع أي‮ ‬نظام أمني‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬دولة في‮ ‬العالم‮.‬ أنا مع إرادة الشعب في‮ ‬سورية،‮ ‬ومع إرادة الشعوب في‮ ‬اي‮ ‬مكان في‮ ‬العالم‮.‬ أنا أؤمن ان الديموقراطية تبني‮ ‬مجتمعاً‮ ‬متماسكاً،‮ ‬قوياً،‮ ‬لانها تقدم للمواطنين الحرية والعدالة والمساواة‮.‬ في‮ ‬حين ان الانظمة الأمنية تقوم على مبدأ حماية النظام،‮ ‬مدعية حماية المجتمع،‮ ‬وما‮ ‬يستتبع تلك الحماية من تقيد لحرية الافراد والجماعات والتي‮ ‬غالباً‮ ‬ما تتطور إلى قمع وملاحقات وقوانين تحوَّل الاوطان الى سجون،‮ ‬والعقول إلى أسرى معتقلات صيانة و"حماية‮" ‬للامن القومي‮.‬ أعترف أنني‮ ‬أنحاز دائماً‮ ‬الى البناء لا الى الحماية لانني‮ ‬مؤمن ان البناء المتين هو افضل واشمل واعم حماية من حمايات مصطنعة تقوم على مبدأ العشرية والزجرية والعمقية،‮ ‬كلها مشمولة بعواملها المساعدة واساليبها القديمة والمستحدثة‮.‬ واعترف ان موقفي‮ ‬كمثقف سوري‮ ‬وعربي،‮ ‬هو بهذه الحدِّة الواضحة وهو ليس جديداً،‮ ‬لانني‮ ‬من الذين‮ ‬يعانون في‮ ‬احزابهم من أثر تلك الحماية التي‮ ‬حولت مسألة بعث النهضة في‮ ‬صلب واساس العقيدة القومية الاجتماعية الى مسألة سياسية بحت،‮ ‬الى تبعية أمنية معدومة الافق ولا تعبر عن حقيقة ونفسية المؤمنين بالعقيدة‮. ‬ولكنني‮ ‬انظر الى كل هذا على انه صراع داخلي،‮ ‬لا‮ ‬يتعدى حدود الاحزاب،‮ ‬ولا حدود الامة‮. ‬اما ان‮ ‬يتحول هذا الصراع الى صراع خارجي،‮ ‬تصبح فيه الارادات الخارجية وادوات نفوذها السياسية والعسكرية والمالية،‮ ‬والاعلامية هي‮ ‬الارادة الاساس في‮ ‬لعبة المواجهات والاملاءات،‮ ‬ووضع الشروط ورسم الخطط والاهداف،‮ ‬ووضع المواقيت،‮ ‬وصرف المصداقيات ورسم خارطة طريق المعارضة وتوجيهها وهدايتها وارشادها وعندما‮ ‬يتبين للمراقب والمعَني،‮ ‬ان ابناء هذا الحراك المعارض لا‮ ‬يقرأون في‮ ‬كتاب التجارب القومية وما حصل في‮ ‬العراق،‮ ‬وقبله في‮ ‬فلسطين ولبنان،‮ ‬ولا‮ ‬يدركون اثمان استقدام المحتلين الاقوياء للتخلص من الحكام المحليين ولو كانوا طغاة وكيف ان حصاد هذا الاستقدام قد‮ ‬يفوق الملايين من الضحايا على بيدر الحسابات الخاطئة‮. ‬وهنا اسمح لنفسي‮ ‬بالاشارة الى بعض هذه الحسابات الخاطئة على امتداد مساحة هذا الحراك المعارض في‮ ‬الزمان والمكان‮.‬ فاذا كان الهدف لدى المعارضين هو نقل سورية من دولة امنية الى دولة مدنية ديموقراطية وحديثة،‮ ‬فكيف سمحت لقوى مسلحة تسليحاً‮ ‬متطوراً،‮ ‬وممولة تمويلاً‮ ‬خارجياً‮ ‬كبيراً‮ ‬أن تقاتل جيشاً‮ ‬سورياً‮ ‬معروفاً‮ ‬بولائه القومي‮ ‬وعقيدته القتالية القومية الرائعة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تكون جزءاً‮ ‬من عديدها وصفوفها‮. ‬واذا كان الهدف هو نقل سورية من حالة مذهبية‮ - ‬طائفية اثنية الى رحاب وحدة المجتمع فلماذا انطلقت هذه التظاهرات المعارضة ايام الجمعة ومن المساجد والجوامع بعد انتهاء الصلوات‮. ‬واذا كان الهدف هو نقل سورية الى المستقبل وتثبيت منظومة قيم تهدف الى رقي‮ ‬المواطن والمواطنية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬رفض العتيق،‮ ‬العالق،‮ ‬البالي‮ ‬من موروثات المجتمع القديم المتخلف فما هو مبرر شعار جمعة العشائر‮.‬ واذا كان الهدف هو اسقاط النظام لعدم قدرته على تحقيق اصلاحات في‮ ‬الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتربية،‮ ‬فما هو الحائل بين هذه المعارضة وشروع النظام في‮ ‬تطبيق اصلاحات وعدَ‮ ‬بها وبدأ بتنفيذها وهي‮ ‬ذات قيمة عالية،‮ ‬واصلاحات برسم المستقبل ترك للاستفتاءات الشعبية ومجلس الشعب تقريرها في‮ ‬زمن قريب،‮ ‬وبرعاية رئيس اصلاحي‮ ‬شهد له العالم القريب والبعيد‮. ‬وبنيته وسعيه المتواصل لتحقيق هذا الامر‮.‬ اما اذا كان الامر عنزه،‮ ‬فالعنزه لا تطير‮.‬ عندها‮ ‬يصح السؤال؟ من هنا الى أين؟ فنحن بحاجة الى مخرج والسبب واضح وجليّ‮:‬ فالوطن بات مستهدفاً،‮ ‬والاجنبي‮ ‬بات ضالعاً،‮ ‬والمعارضة باتت اكثر نضجاً‮ ‬ووعياً‮ ‬ودليلنا في‮ ‬مؤتمرها الذي‮ ‬انعقد في‮ ‬دمشق ـ حيث تمثلت اطياف المعارضة،‮ ‬على عكس ما حصل في‮ ‬انطاليا ـ تركيا حين منعت السلطات التركية ان‮ ‬يتمثل الاكراد في‮ ‬ذلك المؤتمر ـ واهل النظام اكثر دراية وحكمة،‮ ‬والاصلاحات باتت مسودات صالحة للحوار والنقاش،‮ ‬والمواقيت تم التوافق عليها،‮ ‬والالغاءات للقوانين الجائرة تم الاعلان عنها بمراسيم جديدة ونافذة‮.‬ الوطن برمته بات اكثر وعياً،‮ ‬واكثر حرصاً،‮ ‬واكثر تواضعاً‮ ‬واكثر صدقاً،‮ ‬انها الفرصة التاريخية والشام كل الشام بحاجة اليها‮.‬ اعترف انني‮ ‬مولع بالحرية والعدالة والمساواة واعترف ان لا قيمة لها خارج الوطن لو خيّرت بينها وبين الوطن ـ سأختار الوطن ‮... "حتى انت‮ ‬يا بروتس‮"‬،‮ ‬قال الرومان لقاتل القيصر وقد كان صديقه الأقرب‮.‬ أجاب بروتس‮:‬ "‬قتلت القصير لا لأنني‮ ‬احب القيصر حباً‮ ‬قليلاً‮ ‬بل لانني‮ ‬احب روما حباً‮ ‬اكثر‮" (‬شكسبير‮).‬

نسيب الشامي