سعاده وحرية المعتقد

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
يطل الرفيق الباحث جان دايه، الذي أغنى المكتبة الحزبية بمؤلفاته وأبحاثه وتحقيقاته بما يناهز الخمسين كتاباً، بكتاب جديد، عنوانه "أنطون سعاده و حرية المعتقد" من خلال رسائل للزعيم تنشر لأول مرة، على أهم مرتكزات الديموقراطية المعاصرة، التي بدونها لا تكون حرية ولا تكون ديموقراطية.

يطل الرفيق الباحث جان دايه، الذي أغنى المكتبة الحزبية بمؤلفاته وأبحاثه وتحقيقاته بما يناهز الخمسين كتاباً، بكتاب جديد، عنوانه "أنطون سعاده و حرية المعتقد" من خلال رسائل للزعيم تنشر لأول مرة، على أهم مرتكزات الديموقراطية المعاصرة، التي بدونها لا تكون حرية ولا تكون ديموقراطية. ففي رسالة الزعيم إلى غسان تويني المؤرخة في 9 نيسان 1946، يحدثُه عن الأمين فخري المعلوف الذي آمن بعقيدة دينية وحاول أن يفرض عقيدته على رفقائه القوميين الاجتماعيين يقول: "لو أن فخري معلوف قد اقتصر على بلوغ عقيدة يطمئن فيها إلى خلود نفسه وأنفس أهله، وأحب إبلاغ هذه العقيدة إلى رفقائه وأصدقائه وجميع أبناء قومه مع احترام عقائد الآخرين في هذه الأمور وعلى الاشتراك معهم في وحدة الحقوق والواجبات القومية، لوجد أنه لا خلاف بين أن يكون المرء محمدياً أو مسيحياً في الدين، أو غير صاحب رسول خاص أو دعوة خاصة في الدين، وأن يكون قومياً اجتماعياً في الدنيا، ولكنه هو لا يقتصر في موقفه الجديد على ذلك، ولذلك فهو يخرق مبدأ المساواة في الحقوق وحرية الاعتقاد وحرية إبداء الرأي" ثم يضيف" فحرية الرأي والاعتقاد مبدأ عام لا يمكن حرمان أحد منه إلا الذي يستخدمه لإفساد الأخلاق وإلقاء الشقاق وإثارة العداوات بين أبناء الأمة الواحدة" رب سائل يسأل، هل يمكن استخدام حرية الاعتقاد في إثارة الفتن والشقاق في الأمة الواحدة؟ الجواب يكمن في الحوادث التاريخية وتجارب الشعوب في الغرب والشرق، فعندما قامت اللوثرية بمهمة الإصلاح الديني في القرون الوسطى، وما أعقبها من إصلاح جزويتي مضاد، بإقامة محاكم التفتيش وتسييس القضية، كلفت المسيحيين في أوروبا أكثر مما كلفتهم الحروب الصليبية التي استمرت 200 عام. لأن حرية الاعتقاد هنا أثارت الفتن والشقاق. وكذلك حصل في الشرق مع المحمديين عندما اختلفوا على طبيعة القرآن، إذ أُثير الشقاقُ بين أبناء الدين الواحد واستمرت عمليات القتل فترة تجاوزت 75 عاماً، لأن حرية الاعتقاد بعد تسييسها أثارت الفتن والشقاق. إذن كيف تصان حرية الاعتقاد؟ يُجيب سعادة "لا تصان بان ننظر إلى الدين بمنظار سياسي، ولا على السياسة بمنظار ديني، يُحسن أن يكون الإنسان مؤمنا في الدين ولا يُحسن أن يكون مؤمنا في السياسة". إن مثل هذه الخطورة، حسب سعادة، ظهرت عندما تردد بعض الرُبيين والحاخامين اليهود على الفاتيكان وما تبعها من تصريحات للبابا عام 1944، المؤيدة للمرامي الصهيونية، ثم تبعها صدور رسالة البابا بيوس الثاني عشر بصدد التوراة حيث جعله جزءاً من الكتاب المقدس إلى جانب الإنجيل، فكانت النتيجة تصهين الكثير من المسيحيين في الغرب لاسيما في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. بفعل قراءة التوراة بتقديس كل يوم فأصبحوا يرون عملية الاستيلاء على فلسطين تحقيق وعد الله، وأصبح نضال الشعب السوري في النضال للمحافظة على حقوقه القومية برأيهم، عصيان لمشيئة الله وأحكامه، والعاصي يستوجب النقمة. هذا في الجانب المسيحي وأما في الجانب المحمدي السياسي، يرى سعادة أن الدعوة إلى خلافة إسلامية بشخص الملك فاروق، وتحبيذ الوهابية التي يتزعمها عبد العزيز آل سعود هي "من الدعوات التي تحمل خطراً سياسياً على سورية. ويتابع، ومن مدهشات الدعوة السياسية اللابسة لباس الدين محاولة إظهار الحركة الوهابية، التي هي ليست سوى رجوع بالمحمدية على أوليات التفكير الصحراوي المحدود بمظهر حركة إصلاحية في الدين. ولعل أروع ما تضمنه الكتاب كلام الزعيم الوارد في خطاب له في بونس أيريس عام 1939 أكد فيه على "أن النظام الجديد للعلم لا يمكن أن يقوم على قاعدة الحرب الدائمة بين الروح والمادة، بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي، بين نفي الروح المادة، ونفي المادة الروح، بل على قاعدة التفاعل الروحي- المادي تفاعلاً متجانساً، على ضرورة المادة للروح وضرورة الروح للمادة، على أساس مادي- روحي يجمع ناحيتي الحياة الإنسانية. بهذا المبدأ، بهذه الفلسفة، فلسفة القومية الاجتماعية تتقدم النهضة السورية القومية الاجتماعية، إلى العالم واثقة أنه يجد فيها الحل الصحيح لمشاكل حياته الجديدة المعقدة. والأساس الوحيد لإنشاء نظام جديد تطمئن إليه الجماعات الإنسانية كلها وترى فيه إمكانيات الاستقرار السلمي واطراد الارتقاء في سلم الحياة الجيدة" يقول الباحث الرفيق جان دايه بهذا الكلام" هذه الفلسفة الوحدة هي من صميم العقيدة القومية الاجتماعية الوحدوية التوحيدية، التي استهدفت توحيد الأديان والطوائف والمذاهب، وتوحيد الرجل والمرأة بالحقوق والواجبات، وتوحيد الطبقات الاجتماعية لتصبح الأمة مجتمعاً واحداً، وتوحيد الجغرافية السورية التي أمعنت اتفاقية سايكس - بيكو في تجزئتها، وتوحيد المتحدات الكيانية لصيرورتها أمة واحدة، وتوحيد السياسة والمناقب أو الأخلاق بعد أن اتسعت الهوة بينهما وما نجم عن ذلك من حلول المصالح الخاصة مكان المصلحة القومية العامة، وتوحيد الحرية والواجب والنظام والقوة. ويختم الباحث كتابه بكلام لسعادة يقول فيه: "لا يشعر بالعار من لا يعرف العار، ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف. ويا لذل قوم لا يعرفون ما هو الشرف وما هو العار. ختاماً أتمنى للرفيق جان التوفيق وللحاضرين حظ الاستمتاع بكتاب جديد".

كلمة عميد الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي خلال ندوة كتاب "انطون سعاده وحرية المعتقد" لجان دايه في قاعد الشهيد خالد عدوان. د. أسامة سمعان