اسكندر داغر.. لذّة هاربة في لون أخضر

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
إنّ ما يبحث عنه الناقد، وهو يحلّ رموزاً في كتاب شعري، هو النتيجة التي ترضيه ليس مبنىً فحسب بل معنىً وبمضامين وأهداف تمكّنه من إبداء رأيه مدحاً في اقامة الكتاب او ذمّاً في تقويمه. أمّا رموز الكتاب فيكون أقربها الى سمع القارئ والى قلبه، هي التي تكون الأسهلَ فهما بوضوحها وشفافيتها وانتقاء تعابيرها وباشتقاق جديد يؤدي الى ابتكارات تلبي متطلبات التغيير والتحديث.

إنّ ما يبحث عنه الناقد، وهو يحلّ رموزاً في كتاب شعري، هو النتيجة التي ترضيه ليس مبنىً فحسب بل معنىً وبمضامين وأهداف تمكّنه من إبداء رأيه مدحاً في اقامة الكتاب او ذمّاً في تقويمه. أمّا رموز الكتاب فيكون أقربها الى سمع القارئ والى قلبه، هي التي تكون الأسهلَ فهما بوضوحها وشفافيتها وانتقاء تعابيرها وباشتقاق جديد يؤدي الى ابتكارات تلبي متطلبات التغيير والتحديث. اسكندر داغر، الشاعر بشهادة نعيمه، كان من رواد الشفافيّة في خلق رموزه، وهذا قليل في العطاء الابداعي الذي تمّ اعتماده في النثر الشعري حديثاً وهو خلق جديد في طلات الحداثة المجردة من الإبهام والغموض. هذا ما فاجأ ميخائيل نعيمه وما عناه، وهو يتصفح كتاب "اللذة الهاربة" بكلامها المنثور، فوجدها شعراً، مع ان المؤلف لا يدّعي كتابة الشعر ولم يأت على تلميح عابر عنه لا في باكورته هذه، ولا في كتابيه اللاحقين "حلم ليلة مطر" الذي صدر بعد عشر سنوات، ثمّ "الطربوش والسلاح"، كتابه الأخير الذي أتى في مقدمته على إشارة متواضعة شلحها برهافة صحافي محترف وسيأتي كلامنا عنها لاحقاً. قال نعيمه في الرسالة التي وجهها اليه: "وقعت في مجموعتك - اللذة الهاربة - على شعر أصيل لا يستسلم كما قلته، "لأرستقراطية الكلمة"، ولا يوغل في الإبهام والحذلقة. لكنه يعتمد الكلمة البسيطة، الرشيقة، ويشحنها بما في نفسه من أصوات الطبيعة وأشكالها وألوانها..". هذا الشحن من أصوات الطبيعة وانجذاب الشاعر مع الارض والوطن والحبيبة ومنازع ظنونه مع الأمل والخيبة والبقاء والفناء والضياع، لم يبدّل في اسلوبه الشفاف والبسيط والرشيق، هذا الأسلوب الذي أجدُ فيه أريستقراطية أصيلة، وإن أبعدها هو وأبعدت عنه، إنها أريستقراطية العبارة السلسة التي تتساوى بتراكيبها الممتنعة الأنيقة مع المبنى الأصولي وتشكل ظهوراً مبتكراً جديداً بتطور جديد للإبداع البياني الجديد. في كلمات الشاعر تلميح مكثف بالإشارات والأبعاد الخفية، وبألوان مليئة بالرموز تجرُّك محمَّلا بذكرياتها الى أطلال لا رحيل عنها: "ذات مساء كان هناك بيت.. / كان هناك خبز ودفء وحب.. / وكان هناك قنديل!. " وفي ضبابياته الرمادية سخرية مآسي الوطن: "لا تخافي يا ابنة بلادي / لا تيأسي بعد رحيل حبيبك / لا تعتبي إن كان أحب وطنه، كحبه لعينيك" براءة تظهر بنبلها ونبالها، تسجّل للوطن المنهار علامات فارقة في تاريخه. ففي "طريق الأمان" تشاركه طيور أيلول حسرة الوداع: إنها / سلكت طريقا آخر../. هكذا يقفز الشاعر بالقصيدة من أبراجها الشامخة المنمقة المسحورة بموسيقى النظم، الى غرف دافئة حميمة تعبق ببخور الترانيم والصلوات. فالكتابة الشعرية عنده تـهبُّ كنسمة خريفية على جفاف الصيف وبروح تائه في واقع أليم ومع هواجس يحطّمها بشموخ وعناد. في الديوان الأخير "الطربوش والسلاح" نعبر معه الى الوطن بكلمات تحيي وبوضوح عما يعاني منه. هذا ما صرّح به في إحدى مقابلاته الصحافية فقال: "تسقط الكلمة التي تأتي من دون معاناة، أو تكون جوفاء... إنّ قضية الانسان ليست مرتبطة في زمان أو مكان، إنها قضيّـة كلّ زمان ومكان". ديوانه الأخير هذا، يختصر بصفحات قليلة حكاية وطن يتمزق كوشاح مهترئ وينتثر كأوراق خريفية لكنّ عزة الإنسان تحمي صموده وجذور الشجرة الخضراء يحميها تراب أرضه الطاهر: /مهما فعلت يا رياح، ومهما استبدّ بك الجنون ومهما تلاعبتِ بتلك الشجرة الخضراء، ومهما قصفْتِ أغصانها وشرّدتِ أوراقها في كلّ أنحاء الغابة، فأنت عاجزة عن اقتلاع جذورها الضاربة في جوف الأرض! ما أشبهَكِ أيتها الرياح الهوجاء بالحرب الطويلة التي عصفَت بوطني... وما أشبه وطني، الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، بتلك الشجرة الخضراء!/ لقد ظهر اللون الأخضر ظهوراً واضحاً في قصائده، هذا اللون الذي لا يعبأ برحيل الصيف والذي يتحدى الخريف بسروِه وسنديانه وأرزه وزيتونه، صار رمزاً من رموز الهجرة والرحيل. ففي "حلم ليلة مطر": /عصافير المدينة هجرت أعشاشها الى البعيد... بحثا عن شجرة خضراء/ بحثا عن قمر أخضر/ بحثا عن الزمن الأخضر/ بحثا عن عينيك الخضراوين... وفي العيون الحزينة تتراءى له النقطة الخضراء وكأنها نعمة مباركة من نعم وطنه، وإن هاجرت مع كلّ ما هو جميل ولذيذ ودافئ، لا بد أن تعود مع خضرة الأمل وتألق انبعاثه: / ما دام في المخيلة بقايا حلم! / ما دام في القلب آثار حب! / ما دام في العينين طيف فرح !/ ما دام بين الشفاه أغنية فيروزية! ما دام في الجسم نقطة دم! ما دام في الغابة مسحة اخضرار! / فنحن بخير/. نقطة الدم هذه، وإن تغشّاها سواد الليل وسواد الكلمات في دموع الجياع وغربة الإنسان والعيون الحزينة، فالنقطة الخضراء تلاحقها، ولن تخلي غَشاوتها، وستنبعث أبداً في العينين الخضراوين، فسحةَ أمل ٍ أبديٍّ لمدينة ٍتموت لتحيا من جديد كحبّة الحنطة: / من عينيك ِ الخضراوين../ ينبثق فجرٌ/ يطير عصفورٌ/ يولد حبٌّ/ وتنبعث بيروت في "الطربوش والسلاح" تصعقُ ذاكرتنا بأزيز الرصاص فيرحل "الزيز" والصيف والفراشات وطيور اللقلق والعيون الخضر... ولا يبقى لنا سوى الليل والصقيع والرماد وتعيش الذكريات الموجعة في كلّ حبة تراب كلما عاد الأزيز لكنّ ذاكرتنا مصابة بلعنة النسيان. فالقمر الذي تغنينا بطلوعاته، واستوحى منه أسعد سابا أجمل القصائد، وبعد اكتشاف حقيقته هجاه قائلاً: ... ما أبشعو... بيعمي النظر/ وحجار سودا فرشتو/ وِجُّو بيشبهْ شي كَعِبْ قِدري/ أعور ووجو آكلو الجدري/ ومفتحه خدودو جُور... / "رغم ذلك كله، ما زال للقمر رونقه الخاص" بل أقول عاد القمر الى رونقه كما عاد الوطن الى روعته كما كان قبل اندلاع الحرب الشرسة وكأن شيئا لم يكن ! هذه هي نعمة النسيان تعيش معنا في كل آن. لكنّ شاعرنا لا يبكي على الأطلال ففي ذهنه ذكريات تتراءى فيها صور الحسناوات ومسارح بيروت وجزر تاهيتي في وجه حبيبته السمراء وتطلُّ أمامه السعادة كأنها ومضة برق في ليل حالك السواد! إنها إشارات تتعب القارئ برموزها الحارقة كشمس الصحراء والمقززة كجليد الشتاء والعابرة كأطياف حلم جميل. اسكندر داغر واحد من قلة تعرف كيف توسم ماء الشلال بألوان ثابتة فتهبط في بحر ولا تتماهى مع أمواجه العاتية. والشاعر في تسجيلاته الصحافية في الأسبوع العربي لا يتخلّى عن اسلوبه الشيّق وهو يؤرخ كلّ اسبوع إصدارات جديدة تضخها دور النشر فيعرفنا بها بما يضيف فائدة على الموسوعات الاعلامية التي اهتم بإصدارها دكاترة وأدباء كبار وما يكتبه ويترك للناقد حرية التحليل والتنخيل.

لويس الحايك