الحمود: العالم العربي على مفترق طرق اقتصادي وعليه بناء قدراته الذاتية

العدد 61 - آب 2011
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
نصير الحمود المستشار للشؤون الدولية لجمعية اللاعنف العربية، والناشط في الحقل الاجتماعي والانساني، والذي قدم استقالته اخيراً من منصبه كمدير اقليمي لمنظمة "امسام" التابعة للامم المتحدة، "تحولات" التقته وسألته عن اسباب الاستقالة وعن رؤيته للواقع العربي من خلال دوره وتجربته في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

لا يجوز لمنظمة "إمسام" تمويل مشاريعها الإنسانية بأموال فاسدين

نصير الحمود المستشار للشؤون الدولية لجمعية اللاعنف العربية، والناشط في الحقل الاجتماعي والانساني، والذي قدم استقالته اخيراً من منصبه كمدير اقليمي لمنظمة "امسام" التابعة للامم المتحدة، "تحولات" التقته وسألته عن اسباب الاستقالة وعن رؤيته للواقع العربي من خلال دوره وتجربته في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

كما نعلم بأنك قدمت مؤخراً استقالتك كسفير للنوايا الحسنة ومن مسؤولياتك في منظمة امسام، وذلك لأسباب عبرت عنها في نص الاستقالة، ما اسباب تلك الاستقالة؟
-  لقد انطلقت "إمسام" كمؤسسة إنسانية تابعة الأمم المتحدة من قواعد وأسس إنسانية واجتماعية، وحرصنا على الحفاظ على تلك القاعدة التي تحاكي هموم وآمال وتطلعات البشرية التي عانت من ويلات الجوع والفقر وسوء التغذية والتعليم. وحرصت طيلة مسيرتي كمدير إقليمي بالمنظمة المذكورة على إطلاق مبادرات وبرامج من شأنها تخفيف الأعباء التي تحدق بنحو مليار إنسان على وجه البسيطة يعانون من شتى صنوف الحرمان والذي نتج في جزء منه عن السياسات الحكومية غير السوية فضلاً عن مظاهر الفساد التي أتت على حقوقهم فيما كانت قلة تنعم بثروات تلك البلدان. كما ظللت عاكفاً ومتحرياً تطبيق المبادئ التي جاء على ذكرها وتفصيلها الإعلان ألاممي لحقوق الإنسان. لكن الخلل الرئيسي وقع حينما قامت المنظمة بتعيين أحد المحكومين بقضايا فساد مالي كسفير للنوايا الحسنة وممثلاً لها مقابل تقاضيها أموالاً كمساهمة منه لتغذية مشاريع وبرامج المنظمة، وهو أمر لا ينطبق مع المبادئ التي أشرنا إليها والتي تعلي شأن الإنسانية وتحط من مقام الفساد والأموال المتأتية منه. فور علمي بقرار التعيين المشار اليه والمتمثل بقبول عضوية السيد خالد شاهين المحكومة بقصية فساد مالي في الأردن وهي الدولة التي أنتمي إليها ويشرفني ذلك، بادرت للتواصل مع إدارة " إمسام" فضلاً عن مكتب الأمين العام للأمم المتحدة في محاولة لثني المنظمة عن قرار تعيينها، بيد أنها رفضت هذا التواصل وألمحت إلى أهمية عدم تدخلي في هذا الشأن. لقد وقعت "إمسام" في المحظور وأساءت للمنظمة وتاريخها ومبادئها الإنسانية، إذ عينت مفسداً في منصب شرفي بغية الاستفادة من قدراته المالية لإعانة الفقراء والمحتاجين والمعدومين، وهؤلاء لن يقبلوا بمبادرات جاءت أموالها بطريق غير شرعية نتيجة الظلم الكبير الذي وقع لهم من سياسات فاسدة في بلدانهم. بعد أن فاض بي الكيل وتيقنت من تجاهل "إمسام" لطلبي بإلغاء تعيين شاهين، ونتيجة لحرصي على احترام قرارات قضاء وطني العزيز فضلاً عن المبادئ الإنسانية الرفيعة، فقد اخترت الاستقالة من المنظمة غير آسف على تركها. وهل كان لهذه الاستقالة تفاعلات وما هي نتائجها؟ وهل حققت المطلوب؟ نعم كان هناك الكثير من أصحاب المبادئ الإنسانية الرفيعة الذين آزروني في خطوتي، فيما كان هناك رأي آخر يدعوني للبقاء بالمنظمة لمحاربة أوجه الفساد فيها وتطهيرها من الاعتداءات التي تتعارض مع المبادئ الإنسانية. الاستقالة لم تحقق المطلوب، إذ توقعت ردود أفعال من قبل مكتب الأمين للأمم المتحدة لفتح باب التحقيق بشان التعيين المذكور، غير أن ذلك لم يحصل، لكنني شخصياً مرتاح لقراري الذي أعليت من خلاله شأن هؤلاء الفقراء والمعدمين فضلاُ عن قرارات الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم بلدي الأردن.

برأيك هل تكفي الاستقالة؟ وما هي الخطوات القادمة وخصوصاً انك كنت تشغل عدة مناصب في مؤسسات دولية لها دورها وحضورها الفاعل؟ لقد تعهدت فور استقالتي من المنظمة بالمضي قدماً في تنفيذ برامج وطروحات ذات طبيعة إنسانية وأخلاقية، كما انني لا أزال مواظباً على تقديم طرح برنامج مساعدات وبناء قدرات في وطني الأردن للمتفوقين في الدراسة والذين لا يستطيعون تغطية تكاليف دراستهم، كما أنني حريص على تغطية حاجات أسر بأكملها إلى حين تمكن أبنائها من إعالة أسرهم. لن أكون سلبياً بحيث أتنحى عن تنفيذ البرامج التي آمنت بها داخل "إمسام" وخارجها، إذ سأداوم على إطلاق البرامج والمبادرات الإنسانية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، كما أنني تعهدت بالمساعدة البناءة في مجالات تطوير المجتمعات الفقيرة ولو على نفقتي الخاصة. فانا حالياً أعمل مع صندوق تنمية الصحة العالمية وجمعية اللاعنف العربية وفي مجال الإعلام الخاص بالشباب لعلمي ويقيني بقدرة الأجيال اليافعة على إحداث التغيير المنشود في المسيرة التنموية العربية. كما نعلم انك تملك معلومات ومن خلال خبرتك وتجربتك ومسؤلياتك، هل لك ان تعطينا لمحة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للعالم العربي او منطقة الشرق الاوسط؟ الحقيقة أن العالم العربي يمر بمرحلة مفصلية في مسيرته الاقتصادية، فيما ينقسم العالم العربي لدول منتجة للنفط وأخرى تحتاجه للمضي قدماً في مسيرتها التنموية. الشق الأول من العالم العربي وهي بلدان مجلس التعاون الخليجي التي تمتلك الفوائض المالية لكنها تعاني من اختلال منظومتها الديموغرافية التي تبطء من تطلعاتها نحو بناء اقتصادات قائمة على أسس محلية صرفة. هذه الدول وجهت أزمات اقتصادية متلاحقة، أولها في بداية الثمانينات عند هبوط أسعار النفط وثانيهما الأزمة المالية العالمية وآخر تلك الأزمات والتداعيات المرافقة لما يجري في الاقتصاد الأميركي والأوروبي من أزمة عميقة ذات صلة بالديون التي تشترك فيها بلدان الخليج باعتبارها دائناً لتلك الدول والتكتلات. لم تستفد دول الخليج كثيراً من تلك الأزمات الاقتصادية ولم تخلق قاعدة صناعية قوية بعيداً عن مجالات الطاقة، وظلت بحاجة لكوادر بشرية ذات مؤهلات عالية من شانها تعزيز قدرة تلك البلدان على النهوض والاستمرار في النمو بعيداً عن المتغيرات العالمية. والتخوف من مستقبل المواصلة بالسياسات القائمة، يتمثل بايجاد الدول الصناعية الكبرى لبدائل عن النفط والغاز، وحينها ستكون الدول العربية المصدرة للطاقة في مأزق حقيق ناتج عن تباطؤ تطبيق سياسية التنويع الاقتصادية وبناء مجتمع معرفي، والتقليل من الأنماط الاستهلاكية. الى الآن لم تنجح تلك البلدان في إيجاد عملة موحدة جديدة تحل محل السياسة الحالية المتمثلة بالارتباط بسعر صرف الدولار الذي يجسد حال دولة زادت مديونيتها عن حجم ناتجها المحلي، وبالتالي فإن قيمة عملات دول الخليج ستواصل الانخفاض مقتفية أثر نظيرتها الأميركية ويترافق مع ذلك زيادة في كلف المستوردات مقابل تراجع أو استقرار أسعار النفط المتأثرة بعودة الركود للاقتصاد العالمي. نتمنى من هذه البلدان المسارعة في تطبيق برامج التنويع الاقتصادي كما نأمل منها سرعة الوصول لإطلاق عملة موحدة لتكون درءاً لها في وجه ضعف الدولار. الشق الثاني من البلدان العربية، هي التي تقاد بأنظمة جمهورية وملكية بدت غير قادرة على القفز عن التداعيات التي خلفتها الأزمة المالية العالمية من قبيل ارتفاع نسب البطالة وتباطؤ نمو الاقتصاد واستمرار الاعتماد على الثقافة الاستهلاكية والعجز عن وضع حد لنسب الفقر والأمية. جزء من تلك البلدان كانت قادرة على اللحاق بركب القوى الاقتصادية الصاعدة مثل الهند والصين والبرازيل ومن أبرزها سورية والعراق ومصر، غير أن سوء السياسات الاقتصادية فضلاً عن استشراء الفساد، أمور جعلت من إمكانية تحقيق ذلك صعبة المنال. لا زالت الفرصة متاحة أمام الدول العربية لبناء مجتمعات منتجة تنأى بنفسها عن ثقافة الاستهلاك وتقوم على أساس من المعرفة وبناء القدرات، ويجب أن يتوافق ذلك الأمر مع بناء منظومة تلغي الأمية وتعزز التعليم المتخصص بما يمكن هذه الدول من دخول المنظومة الاقتصادية العالمية التي تمايز بين الدول على أساس الإنتاج. على الصعيد العربي الجماعي، هناك تعثر واضح على صعيد المشاريع المشتركة مثل السوق العربية والاتحاد الجمركي واتفاقيات النقل وغير ذلك، لكننا نأمل أن تسفر التغيرات الجوهرية الحاصلة على الساحة العربية في التقاء الدول جميعها على مصالحها الاقتصادية أولاً ومن ثم المصيرية الاستراتيجية ثانياً.

من خلال موقعك كمستشار للشؤون الدولية لجمعية اللاعنف العربية، ما دور هذه الجمعية، ما الخطوات التي تقوم وقامت بها، كيف تقيمون الواقع العربي وخصوصا في ظل الثورات، هل هناك إحصائيات تزودنا بها حول العنف في العالم العربي؟ تعمل هذه الجمعية بشكل جاد على التعريف بمظاهر العنف وأشكاله وكيفية علاج حالاته عبر التواصل مع الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية وقد نجحت تلك الجمعية في الوقوف صداً أمام كثير من ممارسات العنف الناتجة عن سوء تعامل المجتمع أو الحكومات أو أولي القربى فضلاً عن المحيطين بضحية العنف. لقد تعددت صنوف واشكال العنف في العالم برمته عموماً والعالم العربي خصوصاً، وقد تعمقت هذه الظاهرة من جراء ابتعاد الشعوب عن المثل الإنسانية العالمية أو تلك التي جاءت بها الديانات السماوية المختلفة التي تحض على إعلاء شان الإنسان أينما وجد وفي القران الكريم آية تدل على ذلك "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". صدق الله العظيم نأمل أن تفضي موجة الثورات العربية ضد الأنظمة الاستبدادية في ظهور أنظمة سياسية تعلي شأن الحقوق الإنسانية، بحيث تقوم على مرتكزات ديموقراطية توازي الحقوق والواجبات وتعي أهمية العناية بالفئات المستضعفة في المجتمعات. لكن حالات العنف ضد الأطفال والنساء لا تزال موجودة في مجتمعات عربية فرعية رجعية فهمت الثقافية العربية الإسلامية بشكل منقوص وفقا لأهوائها.

كيف تقيمون حالة الثورات والإحداث التي تعم العالم العربي؟ كيف تتعاطون معها؟ وما هي تداعياتها برأيكم؟ لقد ثارت الشعوب العربية على القيود التي كبلت حريتها وكرامتها على مدار سنوات وعقود طويلة ونأمل أن تفضي هذه الثورات لإلغاء مظاهر الفساد والمحسوبية والتعنت وهيمنة الأقلية المنتفعة من وجودها في السلطة على الأكثرية التي تعاني وتدفع ضريبة التشوهات الاقتصادية والاجتماعية. بدأت ثورتي مصر وتونس تظهران نتائج مهمة على صعيد الانتخابات وبناء الدساتير الحاكمة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، غير أن الحكم النهائي على نتيجة هذه الثورات يحتاج لبعض الوقت. لكن تقديري الذاتي، بأن تونس ومصر ستنتقلان تدريجياً نحو حكم ديموقراطي يراعي أسس الحوكمة والنزاهة والعدالة في حال تم ضمان فصل السلطات وإيجاد رقابة فاعلة عليها. ما يجري في ليبيا وسورية واليمن سيخرج بنتيجة واحدة مفادها أن إدارة الشعب ستتغلب على الرغبات الفرعية المصلحية المحدودة. آمل أن يسفر هذا التحول عن تغير شامل في منظومة الفكر السياسي والاقتصادي العربي لتأخذ هذه الدول مكانها الطبيعي بين الأمم والدول المتقدمة.

أجرى الحوار زاهر العريضي