العدد 8 شباط 2006 : زيد قطريب

جهابذة وقديسون!!

السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

مفارقات المشهد الثقافي والسياسي، تظهر الكثير من الاختلاطات

المعرفية على صعيد الأفراد والمؤسسات، فحال الدهشة أمام التغيرات

المتلاحقة في العالم وعدم القدرة على صياغة مواقف حاسمة وجامعة،

تجعلنا نوقن أننا مازلنا في الطور الأول للوعي الثقافي

والسياسي،وربما يتجاوز الأمر ذلك إلى وجود شقاقات خطيرة في المواقف

والتنظيرات التي مازالت تدور حتى الآن في فلك التجريب والبحث..

وبغضّ النظر عمّن يتحمل المسؤولية الكبرى في هذا الواقع المرير ..

فإن مستحقات كبيرة تنتظر الإجابة من مختلف الفعاليات والمهتمين

بشؤون المجتمع المختلفة

الآن، انهارت جدران الهدنة بين مختلف التيارات، وما كان يسمى بالحرب

الباردة قد يتحول في لحظة واحدة إلى بسوس جديدة لا يعرف أحد

نهايتها، ولا يمكن التكهن بما ستفرزه من افتئاتات وتحالفات قد

تعيدصياغة المشهد المعرفي والفلسفي برمته من جديد!.

عاد الاقطاع السياسي بكل ما يمثله من ورثةٍ وفروع واستطالات

وأفراد تسوّقهم عشائرهم كقادة تاريخيين، بحكم ملكيتهم هم وأبناؤهم

من بعدهم لفئةٍ معينة من الناس، يتولون مهمة إرشادها إلى الحقيقة

المطلقة..!

كذلك فقد تحوّل بعض العلمانيين تحت وطأة الانقسامات الطائفية إلى

مشاريع صغيرة مهادنة لا ترفض الانخراط الجزئي أو الكلي في وحول تلك

الشظيات تحت تبريرات تاريخية وفكرية استراتيجية أصبحت تنتج لديهم

مصطلحات مخالفة لقناعاتهم تحت ذريعة الخيال الواقعي كما

يدّعون!.والأمر لا يبدو أفضل حالاً عند الحزبيين الذين فقدوا (العنب

الحامض)

في مؤسساتهم فهجروها باتجاه الثقافة والإعلام والشعر، حاملين معهم

ونمط التربية القديم الذي يطرحهم كطليعة تقود إلى الحقائق

النهائية. وبحكم ذلك تحولوا إلى نسخ كربونية تحاول إدخال الجميع في

مكنة التنميط لصناعة الجهابذة والعارفين!.

لقد أصبح طبيعياً أن نلتقي بأشخاصٍ يعتبرون أنفسهم نهايات مطلقة في

الأدب والإعلام، مثلما كانوا يعتقدون أنهم يمثلون في السياسة؟.في كل

الأحوال، سنقبل جميع التناقضات على اعتبار أنها جزء من عملية

تطورية طويلة يلزمها الكثير من التجريب والبحث حتى تتّضح وتكتمل

الصورة البانورامية كاملةً، أو في أن تحمل خطاباً منسجماً مع ذاته

على أقل تقدير، وحتى نصل إلى تلك المرحلة، لا بد أن يقتنع الجزء،

أنه لا يمثل الكلَّ، فالأمور تعود في نهايتها إلى ماهية الإنتاج

الإبداعي وسويته الفنية وهي مسألة لا تقبل الكثير من التأويلات

والتحليلات الشخصية المتناقضة في بواعثها ومرتكزاتها.الجميع يشتكون

من تعميم الرداءة، وكأن المسألة تتعلق بقدرة غيبية يُنتظر منها

أن تتخذ القرار في أية لحظة، ليتوقف سيل الكتّاب والشعراء

والروائيين عن إغراقنا بآخر ما أنجزته الحداثة في القصّ والسرد

وبقية أنواع الفنون الأخرى.. والمشكلة أن صنّاع الكلمات أولئك،

يعتقدون أنهم يصنعون الحياة الجديدة بأقلامهم، في حين مازالت الأحلام

الجوفاء تطاردنا كالقدر وهم لا يدركون!!.