سؤال النهضة في غربته الغريبة

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 

الكلام على سؤال النهضة لدى تناهيه الى السمع هذه الأيام يحمل على الاستغراب من غير وجه: أولاً: لأنه ينطوي على استدارج لنقاش نكاد لا نجد ظهوراً له في المطارح التي يفترض ان تشكل مجالات لنمو الأفكار وتفاعلها. ذلك عائد الى واحدة من أشقّ الإبتلاءات التي سكنت التجرية الفكرية العربية‌ لزمن مديد. وهي حال القطيعة بين التنظير والحادث السياسي. وتالياً حالة الانفصال بين الفكر والحدث. لكأن شيطان الوهم قد استحكم بآلة التفكير فدعاها الى الاشتغال بالمنقول من المفاهيم الوافدة، والإعراض عن التجارب الخاصة بما هي مصدر انتاج لمفاهيم ومعارف مستحدثة. ثانياً: لأن سؤال النهضة، وان كان يحظى بحقانية العناية على المستويين النظري والعملي، فقد بدا في الواقع وكأنه خارج السياق. ومرجع الأمر إما لكون الذين يشتغلون عادة برفع الاحداث الى مقام المعرفة النظرية قد التبس الأمر عليهم، فأرجأوا ما كان ينبغي لهم ان يقولوه الى اجل لاحق.. وإما لأن شريحة واسعة من هؤلاء قد اخذتهم الدهشة بالحادث اليومي فاستغرقوا فيه. ثالثاً: لأن سؤالاً كهذا ينتمي الى درجة من الفهم لا ينالُها إلاّ الأقلون. اولئك الذين ألزموا انفسهم استقراء الحادث السياسي ليتبيَّنوا ضميره المستتر، ثم ليدركوا منتهاه، فيبنون على ذلك المنتهى مقتضاه. ولو عدنا الى أزمنة الحداثة وما بعدها، لكان لنا ما لا حصر له من الأمثلة. وفي هذا المقام سنمر على‌ ثلاثة يحكي كل واحد منها كيف جرى انتزاع المفاهيم الكبرى من المشهد التفصيلي للحادث السياسي:
-   هيغل يرى انتصار نابليون في معركة إيينا استئنافاً تاريخياً لحداثة الغرب، واصفاً اياه وهو يستعرض جنوده في احتفال النصر، بأنه التاريخ الذي يعتلي حصاناً.
-   ماركس يتحدث بفخر عن عمال كومونة باريس الذين هبُّوا لاقتحام السماء حسب وصفه، رغم انهم قاموا بانتفاضة يائسة لأنها جاءت من قبل ان تتوفر لها مقومات النصر الحاسم.
-   الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو وصف الثورة الاسلامية في ايران بأنها آخر ثورات ما بعد الحداثة. ولمَّا سئل عن زيارته الى طهران بعد اسابيع قليلة من سقوط الشاه، أجاب: لا بد لنا من ان نتواجد حيث تولد الأفكار. في الحادث العربي المتمادي في مؤثراته وتداعياته على مساحة العالم، لم يأتِ حتى الساعة من يغامر بأطروحة، او بفكرة تتعدى حدود الرواية السياسية اليومية. رابعاً: من المفارقات الغريبة ان يُطرح سؤال النهضة وسط كسلٍ فكري يلف تحت أجنحته اكثر المشتغلين العرب بعالم الأفكار. لو دلَّ هذا على شيء، فعلى هبوط مشهود في المرجعيات الايديولوجية التقليدية (القومية والليبرالية والماركسية). تلك التي تولت على امتداد قرن كامل تداول السؤال النهضوي وتظهيره ورفعه الى مرتبة المقدس. حتى اذا استحلَّت العولمة النيوليبرالية عرش العالم لم يعد لذاك السؤال من محل في الإعراب. اما الاسلام الايديولوجي الذي قدم نفسه كحامل مفترض لمهمة النهوض فلم ينجُ على الجملة من التموضع في القلاع الصماء التي افترضها الاحتدام المدوي مع أمركة العالم. في الخطبة الايديولوجية للإسلام السياسي لم يغادر سؤال النهضة غواية التوظيف. لقد مكث في الدائرة الضيقة لثقافة سياسية تبدو في الغالب دفاعية. لقد انبرت حركات سياسية اسلامية في مواطن معينة الى الأخذ بالفكرة الإحيائية لتسوغ مسعاها الى السلطة، او لتمنح نفسها شرعية الحركة بما يؤول الى الاعتراف بها كمكوّن من مكوّنات المجتمع السياسي. من بعض اختبارات الاسلام السياسي سوف نلاحظ ان منها من شقَّ عليه الامتحان. إذ حالما انجزت ما سعت اليه تحول قولها النهضوي الى تقنية لفظية داخل ثقافتها العامة. وعلى الاجمال، لم يرقَ سؤال النهضة في انشاءات النخب العربية بمنوعاتها القومية والعلمانية والماركسية فضلاً عن الإسلامية، الى المقام الذي يصبح فيه عنواناً لفلسفة سياسية مسدَّدة باستراتيجية احيائية تامة القوام... خامساً: حداثة الغرب في العقل النخبوي للحداثيين العرب، لا تزال تستعاد على النشأة التي قرأها اصحابها الأصليون قبل اكثر من اربعة قرون. ما هو ادهى، ان العقل المشار اليه، وعلى الرغم من الميراث النقدي الهائل الذي زخر به تاريخ الحداثة، بقي حريصاً على التعلق بأحمال الحداثة الاولى ومقالتها البكر: اي بوصفها اطروحة لمدينة فاضلة جاءت لتستنقذ العالم من فوضاه وجاهليته. ذلك يعني - ولو على سوء الظن - ان عقلاً كهذا لا يستطيع ان ينظر الى حداثة الغرب الا بوصفها عالماً متخيلاً لا حظَّ له من الحقيقة الواقعية في شيء. يفعل ذلك المعاصرون من المثقفين العرب كما فعل الاوائل من قبل. أولئك الذين اجتمعوا على مقالة النهضة حتى سمي الزمن الذي عاشوه باسمها. فكان ختام القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين عامراً بفردوس الشعارات الكبرى: الدولة الأمة، والديموقراطية، والمجتمع المدني، والتحرر من نير الاستعمار، والعدالة الاجتماعية، والتعددية، ونقد طبائع الاستبداد. اكثر هؤلاء حملوا سؤال النهضة على حسن الظن وسلامة النية. الا انهم لم يفارقوا دهشة الأنوار فوقعوا في الشبهة. لم يدركوا الا متأخرين أن انوار الغرب مكثت في الغرب. ولم يأتِنا من حصادها سوى شراهة السيطرة الكولونيالية وتأبيد الجاهلية ‌ورعاية الاستبداد. ومثلما أخذنا على مدى مائة عام باستعاراتهم النهضوية من دون تفكيك او مساءلة، اخذوا هم حكاية الحداثة نفسها وأَجروا سؤال النهضة على ما هو أدنى من سيرة المستشرقين، فقرأوه قراءة الغائب، ليحضر الاسلام في تلك القراءة حضور مسيحية الغرب في مقابل علمانيته الحادة. اليوم سوف نرى ان سؤال النهضة المستأنف لا ينفك يظهر على النشأة نفسها، مع فارق جوهري، وهو ان السواد الاعظم من المثقفين يغيِّبون السؤال، ويعاملونه كحاصل ثقافة فات اوانها.. بل ويستغربونه كما لو كان سؤال فائضاً عن الحاجة. الآن نسأل عن مصير السؤال ومآلاته.. لكننَّا على يقين من أن جواباً عليه لا يحصَّل بيُسر. وفي زحمة الثورات الرمادية التي تجتاحنا من شهور، سيكون علينا ان نبذل أقصى الجهد لنعثر عليه، ولو في فضاء المستحيل.

محمود حيدر رئيس مركز دلتا للأبحاث المعمقة- بيروت