معرض بيروت للكتاب الـ55 بين "غبار" الكتب وعصر "الثقافة المجانية"

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
بات معروفاً أننا كشعوب عربية فقدنا علاقتنا بالكتاب ربما لأننا نرزح تحت وطأة السعي خلف لقمة عيشنا أو لأن تلقف أجيالنا الناشئة للتكنولوجيا جعلتهم يرونها بديلاً عن "غبار" الكتب حيث أن المنطق اليوم بحسب تعبيرهم يقول أنه "طالما يمكننا الحصول على المعلومات بكبسة زر فما الداعي لاقتناء الكتب؟".

تحقيق - عبير حمدان:

بات معروفاً أننا كشعوب عربية فقدنا علاقتنا بالكتاب ربما لأننا نرزح تحت وطأة السعي خلف لقمة عيشنا أو لأن تلقف أجيالنا الناشئة للتكنولوجيا جعلتهم يرونها بديلاً عن "غبار" الكتب حيث أن المنطق اليوم بحسب تعبيرهم يقول أنه "طالما يمكننا الحصول على المعلومات بكبسة زر فما الداعي لاقتناء الكتب؟". الكتاب يعيش أزمة حقيقية لا ينكرها اصحاب دور النشر في لبنان خاصة أنها تتفاقم بشكل تصاعدي بحيث يصبح "معرض بيروت للكتاب" عبارة عن فولكلور مرتبط بالمدينة الضاجة برواده الذين لا يسعون لاقتناء الكتب بقدر ما يجدونها فرصة للتلاقي على فنجان قهوة او وجبتي غذاء وعشاء في "كافيتاريا" القاعة الفسيحة! أروقة معرض بيروت الدولي للكتاب كانت باردة ورغم سنيه الـ55 إلا أنه بدا متهالكاً في ظل غياب العناوين الجديدة ما عدا بعض نجوم "الاعلام" الجدد الذين ركبوا موجات الاحداث الأخيرة التي عصفت بالوطن العربي وخطوا ما سمونه تجاربهم وهناك دور نشر اعتمدت الشعار الأبرز "الشعب يريد... الكتاب" كعامل جذب؛ وللأطفال حصتهم وقصصهم... ويصبح الكذب مباحاً!!

"الكتاب الى زوال والقرّاء الى إنقراض"

لعل دار رياض نجيب الريس من أبرز الدور التي تتصدر القاعة الفسيحة وهي التي أخذت موقعها الاستراتيجي والثابت عند مدخل المعرض منذ أنتقل الى "البيال"، إلا أن عبد الناصر فليطي، موظف في الدار، يرى أن نسبة تراجع الطلب على الكتاب تخطت الثلاثين في المئة ويلخص الواقع بالقول: "المعرض هذا العام ناجح لناحية الشكل ولكن في الواقع هناك تراجع عن السنوات السابقة تخطى الـ30 في المئة وذلك لظروف كثيرة ولكن باعتقادي أن الكتاب الى زوال والقرّاء إلى إنقراض.. المشكلة تكمن في بنية المجتمع الذي يتمسك بموروث الجهل بدل أن يسعى للتغلب عليه. الغاية من المعرض تكمن في التواصل بين ثلاثة أطراف هم المؤلف والناشر والقارىء وحين نفقد حلقة من هذه الحلقات الثلاث أي القرّاء فلمن تنشر دور النشر إذاً، نحن أمة تقرأ التي لا تقرأ". ويرى فليطي أن هناك غياب لدور وزارة الثقافة في دعم الكتاب فيقول: "لو أن وزارة الثقافة تدعم دور النشر في ما يتصل بكلفة الاشتراك في المعرض لاستطاعت هذه الاخيرة تخفيض سعر الكتب بعض الشيء حيث أن مبدأ الربح مشروع للاطراف كافة، لكن أن تدفع الدور المشاركة في معرض الكتاب مبالغ خيالية لحجز الاجنحة وتبيع بخسارة فهذا أمر غير منطقي".

من جهته يؤكد جميل يوسف (دار الجديد) أن الكتاب يتراجع مقابل تضاؤل عدد القرّاء فيقول: "اساساً نحن شعوب لا تقرأ كوننا مقتنعون أننا نعرف كل شيء ولسنا بحاجة لاكتساب المزيد من المعرفة، ناهيك عن تأثير وسائل التكنولوجيا على عقولنا واقتناع الكثيرين أن المعرفة يمكن أن تُكتسب بكبسة زر مما يُهمش دور الكتاب بنسبة كبيرة، غير أنه لا يمكن حصر الاسباب بهذا الواقع، من اخترع الوسائل التقنية للمعرفة ومواقع البحث الالكترونية هو الغرب وهذا الغرب شعوبه تقرأ وللكتاب قيمته لديها ونحن شعوب نلقي باللوم على غيرنا دوماً. حين ندرك اننا لا نملك الثقافة نعلق جهلنا على شماعة الاستعمار والامبرالية". ويضيف يوسف: "نحن شعوب تعيش على هامش الثقافة ولا قيمة للوقت في حياتنا، مثلاً حين أنظر للناس المارين في أروقة المعرض أدرك أن قلة منهم تسعى لاقتناء الكتب وكثر منهم يعتبرون زيارتهم له عرضية ويقولون ليس لدينا وقت وقد نعود مرة ثانية، هم لا يملكون الوقت للاطلاع على محتوى كتاب ما لكن في المقابل لديهم كل الوقت "للتشات" و"للنارجيلة" ولجلسات فارغة من أي مضمون أو نقاش فاعل". ويشير يوسف الى احصائية اجريت في العام 1992 لعدد القرّاء في العالم العربي حيث تبيّن أن القارىء البلجيكي والياباني يقرأ أكثر من العرب الذي يبلغ عددهم الـ 300 مليون، 60 في المئة من العرب أميين. وآخر احصائية اجريت اشارت الى ان الاوروبي يقرأ حوالي 35 كتاب في السنة والأميركي حوالي 14 كتاب في مقابل العربي الذي يقرأ صفحة من كتاب أن لم نقل ربع صفحة. يعتبر سامر عبد الباقي (دار فكر) أن المشهد يكرر نفسه ككل سنة فيقول: "يمكن القول المشهد يكرر نفسه كما كل سنة، لكن قد يختلف لجهة الحضور الاعلامي المتصاعد هذه السنة. وفي النهاية هناك اشخاص يسعون لشراء كتب تهمهم في اجراء ابحاث معينة وآخرين يجاملون الداعون لتوقيع كتبهم وعدا ذلك يبقى المعرض محطة للقاء سواء بهدف شراء الكتب أو مواكبة نشاطاته من ندوات ومحاضرات". ومقارنة بين معرض بيروت وباقي الدول العربية يقول عبد الباقي: "القصة مرتبطة بنسبة الطلب على نوعية الكتب، هناك من يطلب الرواية وغيره يطلب الكتب السياسية واخرون يحبون قراءة الشعر.. الا أني ارى أن الأزمة هي نفسها في البلدان العربية كافة ولا يظن أحدهم أن معرض بيروت وحده يعيش مرحلة التراجع لناحية البيع المشهد نفسه يتكرر في المعارض العربية كافة". ويرى عبد الباقي أن الكثيرين يشتركون في المعرض على قاعدة اثبات الوجود فقط لا غير حتى ولو تكلفوا على حجز امكنتهم ولم يستردوا كلفة اشتراكهم. المعرض بات اليوم عبارة عن حالة اعلامية تتوخى كل شيء دعائي الا الربح. ويتحدث عن التراجع في النصوص فيقول: "هناك تراجع في النصوص، ولنأخذ الشعر كمثال اليوم كل شخص تعددت اطلالاته الاعلامية وبات "نجماً" بالمقياس الثقافي الحالي بات "شاعراً" من وجهة نظره ونظر من يتحلقون حوله من مهتمين، بمعنى أن من يكتب جمل مرصوفة على "الفايسبوك" مثلاً يعتبرها شعراً ويقرر أن يطبع كتاب ولا يوجد لجان حقيقية وجهات ثقافية معنية تراجع كل هذه النصوص المنهمرة على القرّاء، وأكثر من ذلك فهو يدعوك لحفل توقيع "ديوانه" ويعاتبك إذا قصرت! حتى أن الرواية يمكن أن ينطبق عليها هذا الواقع، مقياس الكتابة أصبح مبنياً على اساس العلاقات الاعلامية والتسويقية وليس على قاعدة النصوص الجيدة والجادة فكرياً وأدبياً وشعرياً". يشير دانيال محمد (دار الشرق - سوريا) الى العديد من المشاكل التي تحيط بمعرض بيروت للكتاب قائلاً: "هناك ملاحظات عدة لجهة الامور التنظيمية المتصلة بمعرض بيروت للكتاب فمثلاً يصعب الوصول الى المعرض لذا يجب تأمين وسائل نقل لزواره بالاضافة الى غياب الاساليب التسويقية الجيدة التي تسبق افتتاحه كما أنه لا يوجد دليل عند المدخل يرشد الرواد الى الدور المشاركة". ويرى محمد أن كل مجتمع فيه نسبة من القرّاء رغم كل ما يُقال عن تراجع عددهم: "هناك نوع من الاستسهال في مجتمعاتنا وبرأيي أن قارىء الكتاب الحقيقي لا يتغير مهما تطورت وسائل المعرفة وفي النهاية التربية هي الاساس وعلى مؤسسات الدولة التربوية والاجتماعية والثقافية أن تلعب دورها في هذا الاطار". ويختم محمد بالقول: "في بيروت السياسة تتحكم بالتفاصيل، بمعنى أنه يوم إفتتاح معرض الكتاب كانت الكلمات التي القيت سياسية ولم يتم الاشارة الى الأزمة التي يعاني منها الكتاب حتى من قبل رئيس النادي الثقافي العربي المسؤول عن تنظيم هذا الحدث الثقافي فكيف تطلبين من الناس الاهتمام بالثقافة في محيط خبزه اليوم السياسة ومشاكلها؟"

وللاطفال حصتهم... تؤكد ناديا علامة (دار الحدائق) أن الأقبال كبير على الدار فتقول: "نحن لدينا كتب للفئات العمرية كافة والولد يحب الكتاب خاصة إذا كان محتواه ملفتاً، وهناك إقبال لافت على الدار والجميع يسأل عن الاصدارات الجديدة وهذه العلاقة بين الدار والناس تكونت مع الوقت لثقتهم بالمادة التي نطرحها ثقافياً وتربوياً واجتماعياً"، والمطلوب من الكتًاب المتعاونين مع الدار جاذبية الفكرة وتقبل الاطفال لها بحسب علامة خاصة أن إرضائهم أي الأطفال ليس بالأمر السهل. أما مازن حمدان (دار اصالة) فيقول: "التنويع ضروري والشكل مقياس مهم للاطفال، نحن في السابق كنا نعتمد الأبيض والأسود في طباعة قصصنا إلا أننا وجدنا أن الالوان تلعب دوراً مهماً وإيجابياً في تفاعل الطفل مع تفاصيل القصة بالاضافة الى الرسومات والنص، هي سلسلة متصلة، نحن في الدار نرفض أي نص تجاري ونسعى ليكون هناك رسالة تربوية وعبرة من كل قصة ليستفيد الطفل". ورغم حماس حمدان المعلن إلا أنه يصف وضع المعرض "بالتعيس" رغم يبقى أفضل من باقي المعارض في محيطه العربي. وهو يعتبر أن التعاطي مع الطفل أمر خطير فيقول: "لا يجب أن نستهتر بعقل الطفل وعلينا في الوقت نفسه أن نعطيه القيِّم الجيدة من خلال القصة". يركز رايموند متى (مكتبة سمير) على التربية كقاعدة أساسية فيقول: "اعتدنا أن نمسرح القصة للاولاد في سعي للتفاعل المتبادل وفي كل سنة يزداد الاقبال على جناحنا في معرض بيروت للكتاب، أدب الاطفال بدأ يأخذ حقه في لبنان منذ فترة وجيزة بعد أن كنا نأخذ قصصاً عالمية ونقدمها بنكهة عربية، اليوم هناك محاولات فعلية وجادة من كتّاب لبنانيين، لكنه يبقى أمراً صعباً لناحية إيجاد الفكرة المفيدة". أما عن وضع المعرض فيقول: "برأيي العامل الاقتصادي يلعب دور في التراجع الذي يشهده معرض الكتاب، فهناك هموم أكبر تشغل الناس، لذا لا يمكنني لومهم إن لم يشتروا الكتب". الكتاب... وغياب الثقافة يعتبر الدكتور كامل صالح (كاتب وصحافي) أن التجارة سيطرت على الثقافة مما أثّر على الكتاب بشكل عام ويقول في هذا الاطار: "في هذا الزمن أي شخص يصدر كتاب يعلن أنه صاحب دار نشر، في الماضي كان أصحاب الدور مثقفون وتجار في الوقت نفسه اليوم باتوا تجاراً وحسب، والمؤسف أنهم تجار فاشلون، نذكر من القدماء مثلاً سهيل إدريس (دار الآدب) ومي غصوب (دار الساقي) وفرحان صالح (دار الحداثة) ودار الطليعة، هؤلاء سعوا لإيصال الثقافة للناس". ويضيف صالح في إطار متصل: "نعيش عصر الثقافة المجانية بسبب تطور وسائل التكنولوجيا والتي لا يجب أن تلغي دور الكتاب لكننا نفتقد لشيء من التوازن، صحيح هناك علاقة حميمة مع الكتاب كُتِب فيها الاشعار وقيل أنها متينة ورغم ذلك هو يغيب ورقياً. شخصياً أنا أعيش عصري كي لا اكون خارج سياق الزمن لذلك لست متفائلاً ولا متشائماً لنقل في الوسط وربما إذا وصل الجميع الى مرحلة التوفيق بين التطور والثقافة قد يستفيد بنسبة أكبر". لقطات.. خلال جولتنا بين أروقة المعرض لفتنا عنوان "دار الآدب للصغار" المكتوب على "الكوسى" فحاولنا معرفة الرابط بين الاثنين لنكتشف أن القصة تشير الى أهمية "إحتيال" الأم على طفلها كي يأكل "الكوسى" والاحتيال يحمل مرادف "الكذب" فهل المطلوب أن نقول للطفل أن أمه تكذب عليه ضمن سياق "تربوي حديث"؟ في مكان آخر أعتمدت الدور الحبال لنشر كتبها التي تتحدث عن علم النفس، أما دار "النهار" فسعّر كتبه بـ1000 و2000 و3000 ليرة وتبقى "يقطينة" دار رياض نجيب حاضرة كما كل عام. ولا يجب أن نغفل مشهد حفلات التوقيع التي تفاوت عدد الحاضرين بحسب "نجومية" الداعين اليها!!