"مذكرات لحد خاطر".. القرية باعتبارها دستوراً للتاريخ الشخصي والجماعي

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
من المنظور الشخصي، الذي يمكن من خلاله مراقبة محيطهم الاجتماعي، اعتاد المؤرخون والأدباء العرب تدوين مشاهداتهم وحياتهم المعاشة. لكن، حينما نقرأ "مذكرات لحد خاطر"، تنقلب هذه القاعدة عكساً.
من المنظور الشخصي، الذي يمكن من خلاله مراقبة محيطهم الاجتماعي، اعتاد المؤرخون والأدباء العرب تدوين مشاهداتهم وحياتهم المعاشة. لكن، حينما نقرأ "مذكرات لحد خاطر"، تنقلب هذه القاعدة عكساً. تنطلق مذكرات هذا المؤرخ والأديب اللبناني، من الدائرة الجماعية الواسعة، إلى الدائرة الشخصية الصغيرة. فلحد خاطر (1881 - 1975)، بطفولته وشبابه وهرمه وما تخلل ذلك من ذكريات، لا يتكرر اسمه في صفحات كتابه، بقدر ما يتكرر اسم قريته "رويسة النعمان"، التي سنعرف فيما بعد أنه هو الذي أضاف للـ "نعمان" فيها "ألـ التعريف". يعشق خاطر قريته. لن نتعذب في معرفة ذلك. يكفينا أن نتصفح المذكرات، ولو عشوائياً، لنرى عين ماء القرية تنبع من هنا، وعناقيدها تستوي هناك، وأنساب عائلاتها تُدوّن ههنا. ليس هذا فقط، تزحف ذاكرة خاطر إلى القرى المجاورة، إلى المدن المجاورة، وربما إلى الدول المجاروة، كسوريا، لتحفر في تواريخها وأهم أحداثها، وتدون مشاهداتها. من هذا، يمكن تقسيم الكتاب، من حيث الموضوع، إلى ثلاثة أقسام (لا يعمد الكاتب إلى هذا التقسيم)، أوّلها يبحث في تاريخ وأنساب القرية ومحيطها، وثانيها يدوّن لحد مذكراته فيه بالإضافة إلى مذكرات والده، وثالثها يؤرخ لانعكاسات مجريات الحرب العالمية الأولى على لبنان وسوريا. يُلحَق بهذه الفصول، عددٌ من الوثائق، هي عبارة عن مراسلات الكاتب مع أمه، وأصدقائه (بعضهم أصبحوا فيما بعد من المعروفين عربياً، مثل حقي بك العظم، وعيسى اسكندر معلوف)، بالإضافة إلى الأوراق والوثائق القديمة، التي تضم عدداً من الصكوك والمعاريض التي قدمها أهل القرية إلى المسؤولين الروحيين والمدنيين، آنذاك. بالعودة إلى بداية الكتاب، نقرأ مقدمةً بقلم نهى، ابنة الكاتب، التي لم تدّخر جهداً- كما يبدو- في سبيل جمع وترتيب ما تركه والدها من مذكرات وأوراق، خلصت بها إلى 366 صفحة من القطع الكبير. جاء في المقدمة: "كان ينهض شتاءً وصيفاً فيرتدي ثيابه ويجلس إلى مكتبه جاداً عاملاً، فنستيقظ بالبيت على صوت نارجيلته ((تتكتك)) وعلى رائحة التنباك والقهوة و((منقل الجمر))... كنا نتندّر صغاراً لأننا لم نره يوماً يسير في البيت مرتدياً ((البيجاما))، فكان يبدو دائماً ((مرسّماً)) كأنه ينتظر زائراً يطرق بابه".