الشاعرة رلى الحلو "اشتقت الى الخطيئة"

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
لا أخطئ إذا قلت إن عنوان باكورة الشاعرة رلى الحلو "اشتقتُ الى الخطيئة" ليس سوى ومض خافت للهب ِ ثورة ٍ تتأجج في مرامي الكتاب، وبالأخص بعد الكشف الصريح عن إعاقة تغني عن أيّ تحليل نفسي تتطلبه دراسة الكتاب. فاللهب المكبوت، النافذ كالسهام الصقيعية والمحرق بهذيذه كنار جهنّم والمبعثر في لوحات كثيرة من لوحات الديوان، هذا اللهب، الموزّع في كلّ الجهات، يضيِّع فرصة الكشف عن أسرار سحيقة الأغوار في روح الشاعرة المتحررة من ترابية الجسد.

لا أخطئ إذا قلت إن عنوان باكورة الشاعرة رلى الحلو "اشتقتُ الى الخطيئة" ليس سوى ومض خافت للهب ِ ثورة ٍ تتأجج في مرامي الكتاب، وبالأخص بعد الكشف الصريح عن إعاقة تغني عن أيّ تحليل نفسي تتطلبه دراسة الكتاب. فاللهب المكبوت، النافذ كالسهام الصقيعية والمحرق بهذيذه كنار جهنّم والمبعثر في لوحات كثيرة من لوحات الديوان، هذا اللهب، الموزّع في كلّ الجهات، يضيِّع فرصة الكشف عن أسرار سحيقة الأغوار في روح الشاعرة المتحررة من ترابية الجسد. وإذ لا بد من المخاطرة في دراسة الكتاب، ليس من باب الشفقة على هذه الإعاقة وقد طرحتها الروح الثائرة في غياهب النسيان غير عابئة بكل مغريات الأرض، بل لأن القصائد التي اشتاقت الى الخطيئة تُغيرُ على معركة الشعر الحديث إغارة زائر اسطوريٍّ كالمخلوق السينمائي الخرافي "أي تي" الذي أتى على ذكره مقدّم الكتاب البروفسور الشاعر جورج طربيه استاذ الشاعرة وعرابها الروحي الذي أصاب مرمى هاما بقوله إن "... اكتشاف أعماق رلى الحلو الشعرية هي الإنطلاق من الإشتياق والإحتراق لديها في تجربة الحب بلوغاً لمرحلتي التصفي والتسامي"، ولكن من حق القارئ أن يسأل: أي حبٍّ هذا الذي تجاوزته لتصل إلى التصفي والتسامي؟ وقد وصفت نفسها بجرأة متناهية: "صماء، بكماء، عمياء... تشتاق الى رائحة ورود فتشتمّ رائحة كذب مفقود" هل هذا هو الحبّ الصافي الذي تحدثنا عنه أم إنه صورة غامضة، لواقع تعيشه دون الآخرين، وقد صَهَرها قهراً وظلماً وشلحها في ضبابيته ومزاجيته. هل هي صورة شوّه القدر براءتها فشلّ جسدها وأصبحت مرآتها محطمة مهشمة تتوزع بخيالاتها وتخيّلاتها في كل حدب وصوب. كان من الطبيعي، لهذا الواقع الأليم، أن يميت كلّ حسّ لتلك الروح التي ترافق الجسد بمشيئة قادر ٍ فيجفُّ المداد الصانع اعجوبة العطاء لكنّ الإرادة التي وهبها الخالق لمخلوقه هي القادرة أن تحميه وتحييه بإيمانه على الرُغم من العمى والصَمَم ِ والبَكَم. صحيح أنّ هذا الواقع شوّش الكثير من المعاني في كمٍّ من قصائد الكتاب، لكنه كان الجذوة التي توهَّجتْ برموز مبتكرة، جديدة. فالحب عندها صوفي منخطف بجاذبية السماء يتدرج بلوحاتها الشعرية من نقلة هادئة الى نقلة خاطفة، عابدةً يَذِلُّها القدر ليصبح معبودُها جلاّدًا ينثرها أشلاءً فتسأل: من سيجمعني؟ في لوحتها: "سيّدٌ وعبده" تكشف سرها وهي تنادي الجبّار بإسم الحبيب فتقول: "سيّدي! هل من خدمة؟". فأيّ خدمة يستطيع الإنسان أن يقدمها لمن خلقه وحدّد مصيره سوى الذلّ والخضوع وبأيّ اسلوب ستفاجئنا الشاعرة عندما تحدّثنا عنه؟ لم يتمّ اختياري لهذه اللوحة الشعرية كإنموذج لموضوعات الديوان التي تتعرج في سبل كثيرة المرامي، وما قصدته ليس سوى التأكيد بحسب ما أراه على صوفية لصقتها الشاعرة بحكايات الحب ومسرّاته وأوجاعه. ها هي تقول، ولا بدّ هنا من ذكر لوحتها بالكامل حتى تتوضّح الصورة للقارئ :

"سيّدي! هل من خدمة؟/ أجيرة لا تطلب سوى لقمة.../ عبدة تنتظر منك كلمة/ ذلٌ تقدّمه لي، إنّها قسوة/ عاملة تتقطع أنفاسها، تسكنها صرخة/ "حبيبي" ... لفظة حروفها عشبٌ يابسٌ في روضة/ روضتي غنّاء/ لقد قطفت وردة ذبلت، انكسر عنقي، نسياني عندك تحفةٌ/ شكراً لك، ما زلت تذكرُ ما كان صدفة/ قلبٌ مدمّرٌ أكله الصدأ، أأنا صخرة؟ كم أشتاق إليك، كم أريدك، وجدي لكَ محنة، وقتكَ عصيبٌ، غضبكَ ساطعٌ، اقتلني أريد ثمرة/ ثمرة تسدُّ رمقي، يداك وحبِّي مشنقة" أيّ ثمرة تعنيها؟ أليست تفاحة محرّمة أكلت منها حوّاء قبل أن تغوي آدم وحُرِمَتْ منها الشاعرة التي نقمت على شرعية الخلق ولم تعد تعترف بسيّد ٍ وعبدة: "لم يعد هناك شيء سيّدٌ وعبدةٌ. وجدٌ وصيفٌ ورحلة/ سيّدي أنحني لك، أقبّلُ قدميك، جلالٌ ثمّ وقفةٌ/ أمراً وطاعة يا سيّدي، هل من خدمة؟" أيضاً، قد تكون الثمرة التي عنتها هي عطف أمومة خُطف منها قسراً وهذا العطف ليس هبة يستطيع حبيب من لحم ودم أن يهبها. فمذ تسلمتُ كتابها مع كلمة إهداء مضمّخة بعطر الروح والفرح والأمل وأنا في حيرة أفتش معها عن مرسى أتوقف عنده لأخطِّئَ ظني، ولو أنّ بعض الظنّ إثم، فإذا بي أصدمُ بإشارات إيمانية يصعب تفسيرها، وهي كما يقول الشاعر في مقدمة الكتاب، وبلغة تلميحية تبرّر هزيمة الشاعرة في اغترابها القسري، وكان التعليق على قصيدة بعنوان "إرحل وانتظرني" التي تنهيها بالقول : "وجدت أني في الأرض أضعت مكاني" في الصفحة 124 من الديوان يقول: "هنا، وحيث ظننا أننا بلغنا نهاية تجربتها العشقية، تبدأ عملية التحوّل. يبدأ الارتداد الارتكاسي المعاكس، من الذات العميقة الى الخارج، ليطول سائر الذوات والكائنات". لقد أصاب الهدف في التلميح عن تطاول الشاعرة في رموزها إلى أبعاد ٍ شمولية في البوح عن ذاتها، ولم يشأ الغوص أكثر في صوفية حبٍّ إلهي يكشف بوضوح "عن حرفة التخفِّي"، ولم أجد مبرراً يمنع من الإضاءة على تخفِّي الشاعرة في لعبتها الصوفية، "لعبة الحضور والغياب". ألا نتساءل: من هو هذا الحبيب الذي لم تكتشفه الشاعرة ولم تره ونحن نؤمن معها أيضاً بأن عيناً لم تره.. عبثاص نحاول وعبثاً تحاولين أيتها الشاعرة سواءً تحوّل جسدك الى بحّار مكتشف جريء مثل كولومبس أو حلّقت ِ بمركبتك الفضائية أو على بساط سحري لتحظين به أو كنت تنتظرينه في كلّ الأمكنة وتحلمين برؤيته فإنك ستجدين نفسك سجينة الحلم الكبير مهزومة "في كنيسة الحنان مع سبحتك وصلاتك". إنّ القدر لا تحكمه أو تتحكم فيه قدرة بشرية فهل لحبيب تائه أن يكون "ضميراً يفصلها إنفصالُه عنها"، هل هو صنيعة التراب أم هو الغيب أو الجبّار المتجسّد في عالمها الغامض تعبده وتهديه ذاتها وهي "صائمة عن وجوده لأنّ طعام مائدتها همٌّ وثورة وجنون"، مائدة كسيجارتها، محترقة، متلاشية، مرمّدة. الكلام في ديوان رلى الحلو قد يتعثر في إيجازه فكيف إذا أُعطي مداه، لذا، لا بدّ من التوقّف عن الكلام المباح في تحليل بعض قصائدها بسبب تداخل المعاني وتشعبها، لكنّ الحق يقال، إنّ باكورتها لفتح مميّزٌ بجرأتها وولوجها بجديدٍ صحيح ٍ في عالم حداثة اختلط فيها الغثّ بالسمين وتعرّض لفلتان ٍ في بهرجته وفقد كثيراً من قيم حضوره. لويس الحايك