ما هو ثمن التغيير؟

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
لا شك أن ما يحدث في العالم العربي يحمل في طياته الكثير من المعاني والعبر والتحديات. ولكن، ينبغي التحليل العميق والهادئ والرصين لمجريات هذه الأحداث التي طالت أكثر من دولة من تونس الى ليبيا ، الى مصر، الى اليمن وصولاً حتى سوريا.

لا شك أن ما يحدث في العالم العربي يحمل في طياته الكثير من المعاني والعبر والتحديات. ولكن، ينبغي التحليل العميق والهادئ والرصين لمجريات هذه الأحداث التي طالت أكثر من دولة من تونس الى ليبيا ، الى مصر، الى اليمن وصولاً حتى سوريا. بالطبع، حالة الستاتيك أرخت بظلالها لسنوات وعقود طويلة وأدت الى حالة اهتراء كامل على مستويات مختلفة ومتعددة، وخاصةً على مستوى السلطة ومفهومها ومعناها ودورها ووظيفتها في المجتمع والدولة. وكان لا بد، لحراك ما شعبي مجتمعي أن يشق طريقه نحو تحقيق أهداف التغيير الحقيقي المنشود، ان كان لجهة تطوير مفهوم السلطة والدولة، أو لجهة تفعيل دور المجتمع في الحكم الرشيد، وابتداع آليات تحقق أعلى وأرقى مستويات المشاركة في صنع القرار، وبالتالي اشراك أوسع شرائح شعبية ممكنة في تحمل تبعات هذه القرارات المصيرية التي تطال بنتائجها وتداعياتها حياتها ومصيرها ومستقبلها. اذاً، البيئة الحاضنة لما شهده العالم العربي تضغط باتجاه التغيير، فالقهر والظلم والتفرد بالقرارات، والهيمنة والفساد المستشري في نواحي مختلفة ومتعددة، وانعدام الحريات وغياب الوعي والافتقار الى ممارسات ديمقراطية سليمة، كل هذه العناصر تشكل أرضية مناسبة للشروع في عملية اعادة البناء للسلطة ومكوناتها، للدولة وبناها ومؤسساتها، وللشروع في تطوير مفهوم المواطنة، وتعزيز قيم مجتمعية جديدة ترتكز على الوعي القومي الصحيح وتضع مصلحة المجتمع فوق كل المصالح الفردية والآنية. اذاً، هذا الحراك الذي شهدته بعض المجتمعات العربية هو حراك مشروع له مبرراته ومسوغاته وأرضيته وخلفيته ودوافعه ومسبباته، ولكن، في الواقع العملي، تداخلت جملة من العوامل المؤثرة التي أدت الى عملية احتوائية كبرى أخذت هذا الحراك الى مكان أخر. بعض هذه العوامل هو ذاتي، أي يرتبط بالبيئة الاجتماعية والسياسية المتخلفة المشدودة الى أرضية الانقسامات الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية، وبعضها الأخر يرتبط بقدرة الخارج على الولوج الى قلب هذه المجتمعات في محاولة لتفجيرها من الداخل واعادة رسم خرائط جيو - سياسية جديدة تخدم مشاريع السيطرة والتسلط والهيمنة واستباحة الاوطان والدول لتحقيق أهداف ومصالح دولية واضحة تتقاطع - في حالة سوريا تحديداً- مع واقع الصراع القائم بين شعبنا والكيان الصهيوني الغاصب، وهنا المحاولات مكشوفة لضرب ارادة الممانعة والمقاومة من العراق الى فلسطين. اذا التغيير ضروري، والاصلاح عملية تراكمية ومسار طويل الأمد تقوده النخب في المجتمعات وفق آليات واضحة واستناداً الى قواعد ثابتة في الفكر والتربية والثقافة والاقتصاد والاعلام والحقوق والقانون بكل ما لهذه الكلمة من معنى. التغييرليس شعاراً أجوف، بل رؤية ومفاهيم وآليات تنقل المجتمع من حال الى حال، ومن وضعية الى أخرى، أكثر تقدماً وأكثر تأميناً لمصالح الناس ولحقوقهم في أشكالها ومستوياتها المختلفة. التغيير المنشود هو الذي يرسخ قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة، ويؤدي الى نبذ الطائفية والمذهبية والنزعات الفئوية ويؤكد على مفاهيم الانتماء الى الوطن الواحد والأمة الواحدة! ويعمق مفاهيم المقاومة الحقيقية للخطر الأساسي الماحق، عنيت الخطر الصهيوني وامتداداته وارتباطاته! التغيير المنشود هو ذلك الذي ينتج عن حوار حقيقي جدي وتفاعل بناء ايجابي على مستوى الأفكار بين كل فئات المجتمع لرسم معالم الدولة والمجتمع، وورسم آفاق ومعالم المستقبل. هذا الحوار هو ما نحتاج اليه فعلاً للوصول الى رؤية مشتركة حول المستقبل. ثمة قناعة لدى الكثيرين، أن كل مجتمعنا في لبنان والشام وفلسطين والعراق والاردن وفي كل مكان يحتاج بالفعل الى حركة اصلاحية تغييرية كبرى، نحن بحاجة لاطلاق الحريات ولمزيد من الديمقرطة الحقيقية التي تستند الى انتماء وطني لا طائفي ولا فئوي، ونحن بحاجة الى عدالة في توزيع الثروات القومية بعيداً عن منطق المافيات التي تحكم بلادنا مع الآسف. نحن بحاجة الى تطوير العمل السياسي، والى تطوير أحزابنا التي أخفقت في تحقيق أهدافها في الوحدة والتحرر وتحديث بنى المجتمع والدولة، وبدل أن تنقل الى المجتمع القديم مفاهيمها التقدمية، نقلت الى هذه الأحزاب أمراض المجتمع القديم وعوارضه الخطيرة!!! ولكن، وبالرغم من كل هذا، لا بد من مقاربة عميقة وموضوعية في آن، لما يجري لاستخلاص العبر! فالتغيير ضروري ولكن، لا ينبغي أن يكون ثمنه تدميراً للمجتمع ووحدته، والارتهان للخارج وأجنداته الخطيرة. والتغيير ليس مجرد اسقاط لنظام، بل رؤية لعملية بناء تطرح رؤى وأفكاراً خلاقة تبني المجتمع الجديد والنظام الجديد!

زهير فياض