العدد السابع-كانون الثاني2006

جدار الكراهية

نزار سلّوم كاتب سوري
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 
في الأصل، عمدت الجماعات البشرية، في مسار ارتقائها إلى بناء الجدار في المنطقة المكشوفة من مكان توضّعها حتى يساعدها على حماية نفسها من الهجمات الخارجية عليها، ولتتمكن من مواصلة حياتها بشروط متقدمة من الشعور بالأمن والأمان.

وفي التاريخ شكل سور

الصين العظيم أشهر جدار وما زال، ولعله يشير بوضوح تام إلى

تلك الوظيفة الفيزيائية له التي يتم وصفها بالوظيفة الأمنية،

التي لم تتوقف عند معناها، بل تجاوزته بإنتاج وظيفة ثقافية

مرادفة لها ومعتولة على متنها، وظيفة أدت إلى أوضاع الانعزال

والانقطاع والخوف، التي أدت بدورها إلى إنتاج مفاهيم التميز

الخالص القائم على التباهي بـعدم الاختلاط والواصل في النهاية،

بمعناه الحصري، إلى التمييز العنصري!!

ولعل أولى التعبيرات عن الوظيفة الثقافية للـجدار تبدو في

الثقافة الإغريقية، في اعتبار كل ما هو غير أثيني ـ خارج الجدار

ـ على الجانب الآخر ـ آخر مختلفاً وبربرياً. ومثل هذا الآخر

ملحوظ على نحو شديد الفظاظة في النصّ التوراتي الذي لا يزال يشكل

أحد المصادر المُعَمَمة ـ بقوة التعاليم الدينية ـ والمُنتجة

للـمفاهيم الواصلة إلى التمييز العنصري.

في العصر الحديث، شكّل جدار برلين ندبة عملاقة في جسد ألمانيا،

ولكنه كان تعبيراً وتذكيراً في آن عن البوابة التي تم إغلاقها لإعلان

نهاية الحرب العالمية الثانية (1938 ـ 1945)، والبوابة التي من

خلالها يمكن الولوج إلى النظام الثنائي القطبية الذي ظلّ وصفاً

وحيداً لـعالم لم يتم التأكد من انقلابه على نظامه هذا إلاّ مع

تدمير بوابته بإسقاط جدار برلين ـ 1989.

وفي عملية معكوسة، يتم استجرار وظيفة فيزيائية لـالنص

التوراتي ـ الثقافي؟! من خلال رفع جدار من الإسمنت المسلح يعزل

أراضي الضفة الغربية وغيرها من مناطق الاستيطان اليهودي، وهو

الجدار الوحيد والمثال الحصريّ في العصور الحديثة القائمة خريطتها

على مبدأ الانفتاح الكلي الذي يجد تعبيره الفيزيائي بإلغاء

وظيفة الحدود التقليدية باعتبارها وظيفة أمنية معبّراً عنها

بـالسور والاكتفاء بـالوظيفة الرمزية التي تشير إلى مجسّمات

الأمم وامتداداتها وحجومها.

فإذا كان الجدار الذي يقام في فلسطين الآن هو استنساخ لـالسور

في وظيفته الفيزيائية، كما في معناه الثقافي، فإن الجدار

الافتراضي [الذي هو لزوم لاستراتيجية الجدار العنصري في فلسطين]

الذي تتم إقامته بين سورية ولبنان هو جدار ثقافي بـوظيفة

فيزيائية دون أن يضطر إلى استجرار أطنان الإسمنت المسلح، مستبدلاً

بها النصوص والخطابات والمقالات والمقابلات والشعارات

المهتوفة في المظاهرات، والمكتوبة في الإعلانات التلفزيونية

والطرقية.. إنها كلّها مع غيرها تشكل آلافاً مؤلفةً من الكلمات

الممزوجة بـحبرٍ من دم والمكتوبة بـأقلام من ماركات عالمية

رفيعة المستوى غليظة الريشة، المقروءة بـأصوات بُحّت حناجر

أصحابها من الذعر والهلوسات.. والمسموعة من آذان لم تعد

قادرة على سماع صوت آخر هادئ أو طبيعي، والمرئية في عيون

أدمنت شاشات الزعيق ومناظر الخصومة المقيتة حيث لا مكان فيها

لـ ألفة أو محبة أو رفقة أو وئام. لا مكان فيها

لـالتاريخ ومحكومة بـحاضر خطف منها الاطمئنان وأسلمها

لـالرعب!!

بلى، إنه جدار الكراهية ذلك الذي يتم بناؤه ورفعه بين

لبنان وسورية. جدار تم بناؤه في النفوس التي تتجه لـالموت

انتحاراً بـإيقاع الكراهية الذي يضبط حركتها ويؤشر إلى

قتامتها ويباس روحها، وهي بعيدة عن نفسها وعقلها الذي تم

اختطافه، فوجدت نفسها في مواجهة دماء مسفوحة لا يبدو أن الأرض

اكتفت غباً منها!!

بلى، جدار الكراهية مرتفع لأن سورية أُعيد إنتاجها في الرأي

العام أو بعض منه على الأقل، على نحوٍ رادفها بـعمليات

الاغتيالات فأصبحت سورية على رأس اللسان، في البدهية مؤشراً

عليها كلّما وقعت واقعة!!

بلى، جدار الكراهية مرتفع الآن، لأن لبنان يتم إخراجه من منصة

المقاومة المشرقة، والفعل الإبداعي الرائد، إلى جحور التجارة

ودهاليزها.

إنه تنميط، واستجرار لـ تنميط مقابل، هو ما يبني جدار

الكراهية.

[مشهد من كوة في الـ جدار]: ثمة هراطقة واثنيون جدد يهجسون

بالبرابرة، ثمة توراتيون يجيئون ويروحون يعممون نصوصهم بـ

وشوشات وصراخ السفراء والمندوبين، ثمة تجار، ثمة دوغمائيون..

ثمة... ثمة جدار من الكراهية يرتفع قاتلاً. حتى الكوة أغلقت...

ظلام.