ماذا يفعل شابٌ من بلد الـ "بم بم" في بانكوك؟!

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
هنا بانكوك !اخلع وجهك الحزين وابتسم. ارمِ عنصريتك تحت أقدامك، واعبر الشوارع، وانحنِ بتواضع. الناس هنا تبتسم وتتواضع دون تصنّع أو تمنّن على أحد.

هنا بانكوك !اخلع وجهك الحزين وابتسم. ارمِ عنصريتك تحت أقدامك، واعبر الشوارع، وانحنِ بتواضع. الناس هنا تبتسم وتتواضع دون تصنّع أو تمنّن على أحد. المدينة تتحرك كأنها تنتقل من مكان إلى آخر دون كلل. أنت في عمق الشارع. الروائح المنبعثة، بين الفينة والفينة، كريهة ومقرفة. الناس متشابهون باختلافهم. أصوات من كل حدب وصوب. أنت سائح، إذن، أنت فريسة للاصطياد. بائعو الطعام والثياب والأشياء الغريبة مزروعون يميناً وشمالاً. النساء، اللغة، كل شيء غريب للوهلة الأولى. ليس صحيحاً. أنت الغريب هنا. بانكوك لا تنتهي في ليلة واحدة، وقصصها لا تنتهي أيضاً، ولكن الطريق إلى "بوكيت" طويلة. هذه "بوكيت". انظر حولك. لون عينيك يتبدل، لكن يبقى الأخضر يغطي كل المشاهد ويأخذك إلى ازرقاق أكثر مع موج وهدير صاخب. للمدينة نكهة أخرى في شوارعها وأزقتها ونسائها اللواتي يتوزعن مع كل خطوة. تحاول أن تلتقط الكلمات لتفهم اللغة. اللغات تتضاجع وتبقى الإشارات أكثر تعبيراً. "أعطني مالك وخذ جسدي".. عبارة ليست بحاجة لأن تكتب على وجوه النساء هنا: ستفهمها بكل وضوح، لا تبحث عن معادلة أخرى لنهاية سعيدة. هل تبحث عن الجنس؟ أطلق رغبتك، إذن، وانتشِ. أزلْ عن وجنتيك ملامح الخجل، أسقط عن جبينك تقاليدك، وعن يديك اتزانك، وتجرأ على فعل الممنوع. من رأسك أفرغ الوشوشات التي تشوش لك اللحظة الجميلة، كن هنا بكل ما فيك، وانسَ من أنت ومن أين أتيت ولماذا! انتبه! أنت تقبل "ليدي بوي". "لليدي بوي" قصة طويلة: قد يكون رجلاً، امرأة، الاثنين معاً. يعرضن أجسادهن في حالة تعرٍ كاملة، تغري النساء والرجال معاً. الجميع يرفعون الكؤوس، وأنت صديق محتمل، فأرفع كأسك وابتسم. جنون آخر سينتظرك، فلا تتعجب. حتى المطر، هنا، مجنون.. الناس يمشون شبه عراة تحته، فلا تهرب وتختبئ.. استقبله بشوق، احضنه بحب. فقط أطلق عينيك، فللمشاهدة متعة، وللاكتشاف لذة مغمسّة بطعم المدينة، ولك نهاية واحدة دون خيارات، حتماً ستثمل. ستمتد يد إليك، قد تسرقك. لا تظن أنك جذاب إلى هذه الدرجة، الإغراءات ستتوالى عليك، لا تشعر بأنك مميز، القبلات ستأتي من مكان مجهول، فلا تبحث عن المصدر . أنا من بلد الـ "بم بم"! في الطرق التي تمر بها والأماكن التي تزورها، يسألونك: من أين أنت؟ من لبنان، تجيب. حينها، ترى ردة الفعل المتمثلة بالحزن والأسف على ملامحهم. أن تكون لبنانياً، يعني أنك من بلد الـ"بم بم". البلد الذي يرزخ تحت المشاكل والأزمات، الانفجارات، والاغتيالات، والحروب المستمرة. "بم بم"! هذه العبارة ستنهال عليك كلما قلت إنك من لبنان. تتفاجأ وتحزن. تحاول أن تفسر، ولكن هذه هي حقيقة الأمور. أنا من بلد الـ "بم بم". من بلد المشاكل والانقسامات والانفجارات والحروب، من لغة القتل والدمار، من ملامح الحزن والعناء. أنا هنا هارب من تاريخ الموت في بلادي، من أصوات الانقسام السياسي الحادة، من لغة الطوائف والعنصرية. أحتاج قسطاً من الراحة. ضاقت عيناي من مشاهد الأبيض والأسود ذات الجوع المزمن إلى الألوان. قد يكون ذلك مبالغاً به، لكنك هنا في بلد الأمن والاستقرار والهدوء والرفاهية والحياة الطبيعية. نعم، ثمة فرق كبير: أنا من بلاد الخراب والنكبات والفوضى والحروب المستمرة والتسويات والفتن الطائفية والعنصرية. "بم بم" سترافقك حتى في هذه البلاد البعيدة. بوذية، سريلانكية وأشياء أخرى لا تستطيع أن تغفل عن المعابد البوذية، والتماثيل الحاضرة في كل مكان حتى في الشوارع وبين الأبنية. سترى أمام التماثيل الزهور والعصير والمياه مقدمة الى بوذة بخشوع ومحبة، وحين تتعمق أكثر تكتشف أن حتى البوذيين ينقسمون إلى ملل وتيارات كل منهم له طقوسه ومعتقداته المختلفة، شأنهم شأن أي معتقد ودين على امتداد هذه الأرض، كأن البشرية بحاجة دائماً للعودة الى الوثنية فتختار طقوسها لتقدس وتعبد الأوثان رغم اختلاف الطرق، في تقديم العصير والزهور أو تقديم المال، أو الركوع والسجود وتقبيل الحجرة أوالتمثال أو آلهة الخصوبة. ستكتشف أشياء جديدة هنا. لـ "المساج" التايلاندي أنامل مختلفة وحركات غربية وتخصص بدرجة عالية من الخفة والليونة والتقنية والرشاقة ، هذا جسدك الخامل المهمل المتحجر ، ستصطاده النساء التايلانديات، ينادينك بين الخطوة والخطوة لساعة من المساج باختلاف أنواعه، فتشعر بأنك في عالم آخر يقدس الجسد ويكرمه بالمساج، ومع التجربة ستصبح حتماً مدمناً حين تكتشف ما يختزنه جسدك من تراكمات وتشنجات حتى أنك ستتفاجأ بجسد آخر يحتويك. في مدينة لا توحي بالحب، سريلانكية تتحرك حولك بصمتها المشع وهدوئها الصاخب. "ناديشا" جميلة ذكية رقيقة، تقول إنها درست في لندن وانتقلت إلى واشنطن. أن تحبها، مثلاً وتسألك، "كيف سيتعاملون معي في لبنان لو أتيت لزيارتك؟"، وأنت تعرف أن في لبنان عنصريين حتى فيما بين طبقات المجتمع الواحد. تحية حب من بيروت لها. قد يكون أنصفط ذاك الإنكليزي عندما قال لك: يجب أن تفتخر أنك لبناني، أنا أدرس مادة التاريخ، وأعرف جيداً أن الشعب الذي أهدى العالم الأبجدية والدولاب والتجارة والحضارة والشرائع لا يموت وسيعود يوماً، أتمنى أن تنتهي المشاكل والحروب في هذا البلد الذي أسمع عنه الكثير، وأتمنى زيارته لأتمتع بتناول طعامه اللذيذ وأعيش بين أهله الذين تنبض الحياة في عروقهم. كلام صديقي الإنكليزي أنهى بعض تناقضاتي. وأنا في طريق العودة إلى الوطني أستعيد بعض المشاهد لأنتهى هنا، عائداً إلى وطني مفلساً، فقد أنفقت كل ابتساماتي وقبلاتي في شوارع بانكوك وبوكيت.. مرحباً بيروت!.

زاهر العريضي - من رحلة إلى تايلاند