العام الجديد .. "نكون أو لا نكون"

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
لقد تمكّنت "تحولات" من اجتياز عامها السادس منذ عودتها الى الصدور وها هي تدخل العام السابع وكلّها إيمان وعزم من اجل اكمال الطريق بما عودّت القراء بتزويدهم بالمواضيع المتنوعة حول ما يجري في العالم والوطن وكانت الموضوعية شعارها مع احترام التنوع في الآراء والأفكار ولقد توسّع انتشارها في الوطن وفي عالم الاغتراب حتى ان أي تأخير في إيصالها الى القراء يخلق الكثير من القلق والتساؤل؟

لقد تمكّنت "تحولات" من اجتياز عامها السادس منذ عودتها الى الصدور وها هي تدخل العام السابع وكلّها إيمان وعزم من اجل اكمال الطريق بما عودّت القراء بتزويدهم بالمواضيع المتنوعة حول ما يجري في العالم والوطن وكانت الموضوعية شعارها مع احترام التنوع في الآراء والأفكار ولقد توسّع انتشارها في الوطن وفي عالم الاغتراب حتى ان أي تأخير في إيصالها الى القراء يخلق الكثير من القلق والتساؤل؟ ولكننا نسعى دائماً في أن نكون على موعد شهري مع القارئ العزيز ليتمكن من متابعة تواصله مع المواضيع الهامة التي نطرحها مع الأمل الكبير أن نحسِّن في كل عدد المضمون الذي ينقل الى القارئ والرأي العام الامور والاحداث الهامة التي نعتقد انها محور إهتمامه وحاجة ماسّة للتفاعل الفكري بين "تحولات" والمقبلين على قراءتها لتزيدهم وضوحاً لما يجري في وطننا وعالمنا العربي والعالم من تطوّر وتغيرات هامة! انها بالحقيقة متغيرّات خطيرة جداً تتصل بمستقبلنا ومصيرنا كشعب عانى ويعاني الكثير من التمزق والتفكك حتى انه بات على قارعة التاريخ تتجاذبه عوامل الانحلال والهجرة ذلك ان أمراضنا وآلامنا ومصيرنا يذكرني بتلك المقولة النبؤة التي قالها يوماً انطون سعاده في احدى كتاباته: "إن آلاماً عظيمة لم يسبق لها مثيل تنتظر كل ذي نفسٍ كبيرة فينا، اذ انه على الواحد منا أن يسير وحيداً فحسب بل عليه أن يشير بلا عزاء ولا أمل ذلك أن حياتنا الاجتماعية فاسدة". ان الاحداث الخطيرة التي تمر الآن في امتنا وفي عالمنا العربي من مشرقه ومغرب تؤكد أن صراعنا هو صراع وجود كما قال الأمين الراحل إنعام رعد ووجودنا هذا مهّدد اليوم كون قوى الشر في العالم قد تمكنّت من تحريك عللنا وامراضنا وجعلتنا نتخبط في مواجهة مصيرنا، اذ اننا نتمزق ونتفتت في قتال داخلي يقضي بمفاعيله ونتائجه على وجودنا كأرض وشعب. انها صورة قائمة ولا شك غير أنها بعينها: فالعراق يواجه حالة من الاقتتال الداخلي تحركّه الخيوط الاميركية ومن معها من سفاحين ومجرمين وقتلة طمعاً بخيراته وموارده. والشام تتعرض اليوم لابشع حالات الاقتتال الداخلي تأتيها المصائب والضربات من داخلها ومن أقرب المقربين اليها ومن جيرانها، تحركهم جميعاً قوى الشر المنّظم والمجهز بأحدث وسائل القتل والدمار بفتك في جسد هذا التعب العظيم ليجعل منه طوائف ومذاهب وقبائل تتقاتل لنفي بعضها بعضاً. إن ما يحدث عندنا اليوم ليس مفاجأة أو صدفة عابرة انما هو نتيجة مخطط رهيب رُسمت خيوطه منذ عشرات السنين بل يمكنني أن أقول منذ مئات السنين وشعبنا لاهٍ عن مصيره لا يعرف ماذا يُخطط له. ولا أعود الى ما قبل العثمانيين بل إنطلاقاً من وجودهم عندنا كمحتّلين ومتحكمين في حياتنا ومصيرنا طوال أربع مائة عام ونيّف وقد زرعوا فينا خلال وجودهم الكثير من الأمراض الاجتماعية فتفرق شعبنا وتمزق واصبحت الانقسامات الطائفية والمذهبية مدار حياتنا والهجرة مخرجنا الوحيد للخلاص من هذا الظلم وهذا التحكم البربري الذي ما ندر وجوده خلال التاريخ: وجاء الغرب منتصراً على العثمانيين بعد الحرب الكونية الاولى يعمل بأساليب جديدة ومدروسة وضعتها بدقة المخططات الصهيونية انما كان اعتماده ولم يزل على العلل والأمراض الموروثة من العهود العثمانية فتتحول الى طوائف ومذاهب وعائلات إقطاعية تتحكم في مصيره، إذ مهّد لها العثمانيون كل ما تحتاجه لتقسيم أمتنا وفق أهوائها ومصالحها؛ فاذا بسايكس بيكو يجعل منا كيانات طائفية ومذهبية مبنية على التركة العثمانية التي كانت حاصل الاقتتال الداخلي والفساد في الادارة والتحكم من قبل رجال الدين واهل الاقطاع من افراد وعائلات كانوا قد تخرجوا من مدارس الغرب ومستعدون للخضوع الكامل الى خططه ومصالحه. ولم تتمكن قوى الوعي من مفكرين ومثقفين كانوا قد ظهروا في مصر هرباً من اضطهاد الاتراك أو اللذين تمكنوا من الوصول الى أوروبا والاميركيين امثال جبران ونعيمة والريحاني وغيرهم وغيرهم من مواجهة الاستعمار الغربي الجديد الذي تمكّن من خلق وتربية مدرسة فكرية وسياسية فاقدة الثقة بنفسها وبوطنها مستسلمة لمخططات الغرب واهدافه في تحقيق مصالحه والهيمنة على موارد هذه المنطقة وكانت رائحة الذهب الأسود "البترول" بدأت تفوح وكانت اميركا قد تنبهت لهذه المتغيرات الخطيرة بعد زوال الهيمنة العثمانية وعقدت شركاتها منذ ذلك الوقت الاتفاقات البترولية وتكرست بين روزفلت وعبد العزيز؛ وتبعتها الشركات الأوروبية تتنازع على ما تبقى من مناطق بترولية فكانت الامارات وكانت الكويت وأصبح منذ ذلك الحين يتحكم الذهب الأسود في مصير هذه المنطقة ووراء كل هذا العقل الصهيوني المبني على الاجرام الذي كان اسلوبه الوحيد لتحقيق احلامه المريضة والسيطرة على منطقتنا من خلال قواه الاقتصادية وتحكمه في القرار الاوروبي والاميركي هادفاً الى بناء دولته في عقر دارنا وغايتها الهيمنة الكاملة على المشرق العربي برمته جاعلة منه دويلات هزيلة تعيش فيها البيّد طوائف ومذاهب وتجّار مرتزقة لا هم لهم إلا تكديس الثروات والخضوع الكامل لاسيادهم الجدد. وكما تكونّت فكرة الانقاذ والمواجهة المدروسة في عقل أحد أبناء هذه الأمة ووضع لها الخطة البديلة لهذا الموروثت العظيم والفاشل فتنبهت هذه العقول المجرمة من صهاينة ومستعمرين ومواطنين وسياسيين اصابهم مرض الخضوع للمخططات المجرمة الطامعة بارضنا وخيراتنا وعملت على قتله بالطريقة التي أصبحت معروفة عند كل واعٍ من امتنا المعذبة. والآن اذ نعود بعد هذا العرض الرابع الى واقعنا اليوم نجد أننا أمام مرحلة خطيرة جداً وهي تصعيد الخطط الجهنمية بأحدث وسائل العصر من اساليب الدمار والفتك والاقتتال الداخلي وتحريك الغرائز والموروث من حروب الطوائف والمذاهب لتأتي على وجودنا وكانت أولى تجاربها في لبنان فتحول الناس الى ذئاب كاسرة مهمتها القتل والدمار من ضمن تنظيمات دربتها واهلتها اسرائيل لتكون نموذجاً حاضراً للاقتداء به ونقله الى دول المنطقة المحيطة بلبنان فأن الادوات ذاتها والخطوط نفسها والمنظمات المجرمة المبنية على الامراض الموروثة حاضرة للعمل في العراق ثم في الشام: ستنقلها قوى الاجرام التي تمرست في لبنان وتتحكم بها وفق اساليب عصرية جديدة من الدمار والقتل والفتك بنسيج الحياة وتبديد الوجود فيما وسائل الاختراعات الحديثة التي رأيناها سابقاً في لبنان وبعده بدأت تنتقل الى العراق واليوم تحط رحالها في الشام لعلها تحقق مبتغاها التاريخي بالسيطرة الكاملة على الارض والانسان للتحكم بمصيرنا وتحويلنا الى شعب بلا أمل ولا إرادة فنصبح كحجارة تحركها الخيوط المجرمة لتنفيذ خطط القتل والدمار والاقتتال المذهبي والديني وبهذا يعود الانسان وفق خططها الى حالة من الاستسلام وفقدان الأمل والوسائل المتوفرة في هذا العصر كفيلة بتحقيق هذه الخطط الاجرامية التي وضعتها العقول المريضة التي تحلم بالسيطرة على الكون! بهذه الصور الحقيقية اردت ان اتوجه الى شعبنا في هذا العام الجديد وهو اليوم يعاني المأساة الشكسبيرية الشهيرة "نكون أو لا نكون". أن وعينا وحده لما يجري عندنا اليوم في لبنان والشام والعراق والأردن وفلسطين يمكن أن ينقذنا من مخطط السيطرة الكاملة على مقدراتنا وما الظلم اللاحق بنا إلا الظلم الآتي من ذوي القربى ماضياً وحاضراً ومستقبلاً . وظلم ذوي القربي أشد فظاعة على المرء من وقع الحسام المهنّد.

منصور عازار