نقاط ودوائر وأقلام تكتب اسم الوطن

العدد 65 - شباط 2012
الجمعة 10 شباط (فبراير) 2012.
 
نحن نكبر ولكننا لا نزداد حِكمة، وكأننا طيور مُهاجرة في دروب مُغايرة، لا يوصلها البحر إلى الثورة، ولا هي تكفّ عن التحليق، شعور بالغربة والفراغ والانكفاء الطوعي أو القسري، تغادر ميادينك وأنت في ساحاتها، تنفلت من الصراع ولا تلتئم أوصالك، شيء ما في داخلك لا يتّصل بالحرية، عواطفنا الباردة فقدت علامتها الفارقة في أزقّة الوجوه المُتشابهة، نأتي من المكان الموبوء ونغادر إلى اللامكان، ليس سهلاً أن نهدر أعمارنا بحثاً عن وطن تحجبه أنانياتنا الهائلة الجموح، فنغيب ويغيب الوطن، وتنزلق القضية من بين أيدينا ولا يبقى سوى الـ"أنا" العملاقة تستبيح ما نشأنا عليه من أحلام الـ "نحن" . سؤال اعتراضي، فاجأني به أحد الأصدقاء، "ما هو سبب الصعود الإسلامي؟"، فأجبتة بنفس النبرة الغريزية، "هبوط الفكر العلماني المدني وفشل الدولة في الإنماء والاستقلال ومُحاصرة هامش الحرية في كليهما" . لا شك بأن لهذا التصدّع الذي أُصيب به المجتمع أفقياً وعامودياً، أسباباً جوهرية اعتملت على مدى عقود. وكان لهذه الأسباب تأثير في التحولات الفكرية والعقائدية، وساهمت في تبدُّل المزاج الشعبي وانقلابه على القديم الجامد الذي لعب دوراً في تعطيل القوى الشعبية التي أيقنت أنها مُهمشة ومُهملة وفاقدة القدرة على الانخراط كقوى مؤثرة في عجلة التطور التاريخي، فانكفأت الى الماضي لعدم قدرتها على التفاعل مع الحاضر وفشلها في اختراق ضبابية الرؤيا المستقبلية. صديق آخر، صاحب حقائق كلية، يرفع شعار الأحزاب الثُنائية: "كل إثنين يؤلفان حزباً، وإذا صاروا ثلاثة ينفرط العقد". إعلان صريح عن تشظي المفاهيم القومية الوحدوية والعلمانية المدنية، دون أن يُشير، هذا الصديق، إلى حقيقة اجتماع الفرق الدينية كحالة بديلة. أما الصديق المُتربع على عرش الفكر، مُقتنعاً، فهو يملأ الفراغ كأساتذة الثانوي، يجمع بين الماء والنار؛ اكتمال أم إنفصام؟ لست أدري! و"العلماني الضخم" رفع راية الصلح مع الإسلام السياسي الصاعد، قبل أن ينتبه للدور الاستعماري التركي ـ الأميركي؛ فانكفأ على الخيبة والتبريرات المُملّة، واستدار يبحث عن ضوء محكوم بالاندثار . المنبهرون لاكتنازهم فكراً يمتلك الحقائق الجوهرية، يقبعون في شرودهم وافتراقهم، كأنما هُم غابات من الأسنّة تُحارب في غياهب الأمازون، يُصارعون الأفاعي والتماسيح والقردة وفقراء الأرصفة، يكدّسون الانتصارات في كوارات النسيان العتيقة، ويبقى الوطن على لائحة الانتظار المُزمن. لا شيء يوحي بالطمأنينة: فرسان على خيول خشبية، وأقلام تنزف خارج الحروف، وكأن الحروب الكبيرة حكايات أطفال حول مواقد الشتاء، تنتهي في لحظات النُعاس. أمين الذيب