ربيع الأحزاب : إصلاح من الداخل أم حركات جديدة

العدد 65 - شباط 2012
الاثنين 13 شباط (فبراير) 2012.
 
يشهد العالم العربي تحولات مصيرية تشمل الأنظمة والمجتمعات والمؤسسات على إختلافها. مما أدخل المنطقة في صراع وجودي بين الحداثة والرجعية. وهذه التحولات فتحت باب التغيير الى الأمام، كما هي أحياناً خطوة الى الوراء على أمل خطوتين إلى الأمام. في هذه الحالة ما هو مصير الأحزاب التاريخية؟ وما هي فرص الأحزاب الجديدة؟ هل نشهد موت الأحزاب أم نحن في فصل "ربيع الأحزاب" بمعنى التجدد والفعالية والقدوة. ملف تفتحه "تحولات" والبداية مع الحزب السوري القومي الإجتماعي، وباب الحوار والنقد مطلوب للاغناء والعبرة.

أسامة المهتار : الحزب السوري القومي الاجتماعي يصبح حركة الشعب عندما تعود ثقة القوميين به

يقترب الحزب السوري القومي الاجتماعي من انتخابات مفصلية في الربيع القادم تختار فيها هيئته العامة - الأمناء والمجلس القومي - مجلسه الأعلى والذي ينتخب بدوره رئيساً للحزب. والانتخابات في المؤسسات الراقية مُناسَبةً ليس فقط لانتخاب قيادة جديدة او التجديد لقيادة قائمة، بل هي مناسبة لعرض التحديات والأفكار والمواقف والخطط ومناقشتها تمهيداً لبلورة القناعات قبل الانتخاب. وفي رأينا ان هذه العملية، عملية النقاش هي أساسية جداً ومهمة جداً وربما تتعدى أهميتها نتائج الانتخابات نفسها لما يمكن لها ان تحدثه من تغيير في جسم المؤسسة كافة.

وإذا كانت الانتخابات مناسبة لعرض الأفكار والتحديات في الظروف العادية، فما بالك في ظروف استثنائية كهذه التي يمر بها الوطن السوري من المتوسط إلى العراق. كيف يفكر بها القوميون؟ كيف تفكر بها الهيئة الناخبة؟ كيف تبلورها في خطط عمل وفي فرق عمل انتخابية سواء أكانت متعاونة أم متنافسة. بل علام تكون المنافسة في الانتخابات القادمة؟ أعلى شخصيات أم على برامج عمل؟ أسئلة رأت "تحولات" أنها جديرة بالبحث وها هي تفتح صفحاتها لهذا النقاش وتبدأ مع أسامة عجاج المهتار، الذي انتخب مؤخراً إلى عضوية المجلس القومي في الحزب تاركة له الإجابة عن الاسئلة التالية:

ما هي التحديات والأفكار التي يجب ان تناقش بين القوميين قبل الانتخابات القادمة؟ هل يمكن لهذه الافكار ان تؤثر في نتائج الانتخابات؟ وهل من تأثير لهذه الإنتخابات في مستقبل الوطن؟

أشكر "تحولات" التي فتحت باب الحوار هذا وآمل ان نتمكن عبرها من طرح همومنا وأحلامنا. فيما يلي أهم المواضيع التي أرى انها يجب ان تكون محور تفكيرنا.

التحديات الوجودية أبدأ من التحديات الوجودية التي تكلمت عنها في أكثر من مناسبة، بما فيه مقابلة سابقة مع "تحولات" ويمكن اختصارها "باختفاء الهلال الخصيب هذا القرن" كما تحذر أكثر من جهة علمية. والاختفاء هنا يعني اختفاء الأراضي الصالحة للزراعة نتيجة التصحر بسبب السدود العملاقة في كل من تركيا وإيران، والذي يتزامن مع انفجار سكاني في سورية الطبيعية والدول المجاورة لها. كل هذا وليس في بلادنا هيئة سياسية موحدة تتعامل مع هذا الملف الوجودي بمسؤولية وجديّة. مع الأسف أنا لم أشعر ان هذا الموضوع قد وُفيّ حقه من البحث داخل صفوف الحزب وفي قيادته. وفي رأيي أنه يجب ان يعطى موضع الصدارة.

وأتمنى على القيادة الحزبية الآتية أن تضع هذه الموضوع في صلب أولوياتها وتبني حوله خططها الاستراتيجية والعملية بما في ذلك خطة سياسية داخلية تقوم على دعوة دول الهلال الخصيب لإنشاء إدارة موحدة لهذا الملف. وخطة دبلوماسية خارجية تتوجه إلى الدول العربية والإقليمية المجاورة والدول الكبرى تظهر فيها خطر جفاف الهلال الخصيب ليس على أهله فقط، بل على الدول المجاورة وعلى السلام والأمن العالميين.

يرافق هذا الخطر الوجودي خطران آخران يفاقمان من مخاطره هما التدخلات الخارجية من عربية وأجنبية، ومحاولة تفتيت المجتمع السوري على خطوط أثنياته وأديانه ومذاهبه، مما يجعل ما يتبقى من بلادنا ومواردها عرضة للنهب من قبل الدول الأقوى. وفي رأيي ان هذه التحديات الثلاث يجب ان تكون هي الأساس لخطة إذاعية إعلامية للحزب على مدى السنوات القادمة في الوطن والمغتربات. فوحدة الحياة القائمة على وحدة مصادر المياه هي المدخل إلى وحدتنا الاجتماعية والسياسية. هذه الحياة مهددة اليوم. إن التفسخ الذي نعاني منه في الوطن السوري يزيد في مغبة الأخطار الوجودية. وهذا في رأيي هو ما يجب ان تكون رسالة الحزب الاعلامية متمحورة عليه في المرحلة القادمة.

بالأرقام أولاً إذا كانت التحديات الوجودية هي على هذا المستوى فما مدى جاهزية الحزب لمواجهتها من جهة، ولكي يحقق غايته ويعمم نظرته - مثاله الأعلى - في المجتمع والعالم جهة أخرى. نبدأ من الأرقام. حسب مصادرة مطلعة في الحزب كانت الهيئة الناخبة للمجلس القومي في دورة خريف 2011، حوالي السبعة آلاف عضو عامل في شتى أنحاء العالم في حين ان عدد الهيئة الناخبة للدورة السابقة، أي سنة 2008، لم يتجاوز الأربعة آلاف عضو عامل!!!

هذه الأرقام يجب ان تستوقفنا لأكثر من سبب. أولاً، رب قائل "إنها حالة جيدة إذ ان عدد الأعضاء العاملين تضاعف خلال أربع سنوات". ورب قائل آخر "إنه عدد جيد بالمقارنة مع معظم الأحزاب العاملة في الوطن السوري والعالم العربي حيث قلة منها تملك هذا العدد من الأعضاء العاملين". ولكن في المقابل، فإن مجموع سكان الهلال الخصيب من السوريين هو حوالي السبعين مليون نسمة. وبالتالي فإن عدد القوميين العاملين يمثل 0,0001 من مجموع الشعب السوري في الوطن فقط دون احتساب السوريين المغتربين. ومتى وضعنا هذا الرقم في مواجهة عبارة سعادة أمام قاضي التحقيق الفرنسي سنة 1936: "إن غاية الحزب الأولية أن يكون حركة الشعب العامة"، بان لنا حجم الفجوة العددية وخطرها بين ما هو مطلوب منا كقوميين وأين نحن من ذلك المطلوب.

تستوقفنا هذه الارقام لسبب آخر ألا وهو ما يبدو لنا وكأنه تبدد لهذا الحزب العريق. هل يعقل أن لا يضم الحزب بعد تسعة وسبعين سنة على تأسيسه وتاريخه الحافل بالنضال والتضحيات والشهداء، سوى سبعة آلاف عضو عامل؟ إنها لحقيقة مروعة يجب أن تستوقفنا جميعا.

السؤال الأخطر هو التالي: هل هذا هو العدد الأقصى الذي وصل إليه عدد الأعضاء العاملين تاريخياً؟ من المؤكد ان الجواب هو بالنفي. ومع ان الإحصائيات الرسمية شبه غائبة، فإنه يمكننا استقراء نمو عدد أعضائه تاريخيا من خلال بعض المراجع ومقارنتها مع واقع اليوم.

تقول نشرة "كونسبيراسي واتش" Conspiracy Watch في عددها الصادر في 23 أيار 2009، إن عدد أعضاء الحزب في الكيان الشامي هو حوالي التسعين ألف عضو، وأن هذا العدد هو ثلاثة أضعاف أعضاء الحزب في لبنان، وتشير أن للحزب أعضاء في كل من الاردن والكويت والعراق. مع أن النشرة لا تشير إلى المرحلة التاريخية التي تتكلم عنها، ومع أنها لا تدعم هذه الأرقام بمصادر رسمية، فإننا لا نستبعد ان يكون الحزب قد وصل في مرحلة ما من تاريخه إلى هذا العدد أو عدد قريب منه للأسباب التالية.

1. ما بين تأسيس الحزب سنة 1932 وانكشاف أمره سنة 1935، بلغ عدد أعضاء الحزب حوالي الألف والمائة عضو ممتدين من فلسطين إلى الشام، وقفز إلى عشرات الآلاف مع يوم صافيتا سنة 1936. (راجع مذكرات جبران جريج وخطاب الزعيم في صافيتا)

2. سنة 1949 اعتقلت الدولة اللبنانية ألفي عضو من أعضاء الحزب في لبنان وحده.

3. سنة 1955 اعتقل الآف القوميين في الشام إثر اغتيال المالكي، بعد ان كان الحزب قد تمكن من إيصال نائبين إلى مجلس الشعب، وانتمى إليه مئات الضباط وصفوف الضباط، وأسس العديد من المدارس. (راجع ابراهيم يمّوت "الحصاد المر" ص. 273.)

4. سنة 1961 اعتقلت الدولة اللبنانية ما لا يقل عن ستة آلاف عضو في الحزب في لبنان بعد الانقلاب الفاشل الذي قام به الحزب تلك السنة. (تتضارب الأرقام حول عدد المعتقلين آنذاك. الأمين الراحل ابراهيم يموت يقول في ص. 354 من كتابه "الحصاد المر" إن خمسين الفا من القوميين والمواطنين اعتقلوا. أما الدكتور عادل بشارة مؤلف "سياسة الاحباط، انقلاب سنة 1961 الفاشل" فيقول نقلاً عن مراجع السفارات الاجنبية العاملة في لبنان في تلك الفترة ان العدد كان في حدود الستة الآف.)

في المحصلة النهائية، الحزب والقوميون أمام معضلة حقيقية نلخصها كما يلي: إذا كان الحزب لم ينجح في تاريخه المديد إلى الوصول إلى أكثر من سبعة الآف عضو عامل فهذه كارثة. وإذا كان الحزب قد وصل في مرحلة من مراحل تاريخه إلى أن يضم في صفوفه عشرات الآف الأعضاء بما فيهم نواب وعسكريون، بل حتى رؤساء دولة (الشيشكلي في الشام) وكبار الصحافيين والأدباء والشعراء والموسيقيين، ليتقلص من ثم إلى سبعة الآف عضو عامل سنة 2011 - وهذا هو الأقرب إلى الحقيقة - فهذه كارثة أكبر.

على القيادة الحزبية القادمة ان تضع في رأس اهتماماتها دراسة هذه المعضلة ووضع الحلول لها.

بالممارسة ثانياً رب قائل: "العدد ليس مهماً. فالقوميون بممارستهم يخلقون الثقل النوعي المطلوب ويصبحون فعلا حركة الشعب العامة". ليت في هذا القول بعض من الحقيقة. في الواقع إن ممارسات القوميين من مسؤولين وأعضاء لا ترقى إطلاقاً إلى المستوى المطلوب، بل لعل هذه الممارسات هي سبب تبدد القوميين وابتعادهم عن حزبهم:

1. نظرة الحزب وغايته: إني على ثقة ان عددًا كبيرًا من أعضاء الحزب وقياداته يجهل أن الحزب تأسس بسبب نظرة إنسانية راقية إلى الحياة، لخصها سعادة في العبارة التالية: "طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى" وأن له غاية محددة يجب تحقيقها وأن لكل رفيق او رفيقة دور في هذه العملية ويجهل خطورة عدم معرفة هذه المسائل على مسار الحزب. إن عدم وعي أهمية هاتين الناحيتين - النظرة والغاية - يؤدي إلى تشتت الجهود أو إلى تحولها عن مسارها الصحيح، والى تبدد القوميين لأن الحزب لم يعد يعمل لمثلهم الأعلى.

2. الأخلاق: ركز سعادة كثيرا على الأخلاق وعلى العقلية الأخلاقية. إن الممارسات اليومية من قبل عدد كبير من المسؤولين والأعضاء وعلى مر سنين كثيرة تشير ليس فقط إلى فقدان العامل الاخلاقي في الحزب، بل إلى فقدان مبدأ العدالة ايضًا. في الحزب دستور وقوانين كثير منها لا يطبق وكثير منها يطبق بمزاجية واستنسابية، والأمثلة كثيرة.

3. غياب الخطة الاستراتيجية: ليس هناك من خطة حزبية لتحقيق غاية الحزب يعرفها القوميون الاجتماعيون ويعرف كل رفيق مكانه فيها. فالمؤسسات العصرية تعمل وفق خطة استراتيجية تنطلق من نظرة المؤسسة إلى غايتها فأهدافها فخططها العملية لتحقيق هذه الأهداف وفق آلية واضحة ومؤشرات أداء محددة. هذا غائب عن فكر المؤسسة الحزبية ونهجها.

4. عمل المؤسسات: هل تقوم المؤسسات الحزبية لا سيما العليا منها بمسؤولياتها؟ لنأخذ بعض الأمثلة. مثلا لدينا مكتب سياسي في الحزب حسب تعريفه هو مكتب اختصاصي استشاري. ولكن هل يقوم هذا المكتب بهذه المهمة الاختصاصية ونتيجة دراسات اختصاصية واتصالات ميدانية؟ المجلس الأعلى، هل يراقب أداء السلطة التنفيذية؟ إذا نعم فلماذا ليس عندنا أكثر من سبعة الآف عضو عامل؟ مجلس العمد: هل يضع كل عميد سياسة عمدته كما ينص الدستور؟ بل هي ندرك معنى هذه العبارة "وضع سياسة العمدة" وانعكاساتها العملية؟ هل تدرب العمد على وضع السياسات وتنفيذها؟ الرقابة المالية: ما هي مصادر دخل الحزب وما هي أبواب مصاريفه وهل تخضع لتدقيق مالي تقوم به مؤسسات تدقيق لا تخضع لسلطة من جاءت لتدقق في أدائه؟ زيارات المناطق: كم زيارة قامت بها القيادات الحزبية العليا إلى منفذيات الحزب في السنوات الأربع الماضية، بل في السنوات الثمانية، بل حتى في العشرين سنة الماضية. لا تستطيع ان تدير حزب من وزن الحزب السوري القومي الاجتماعي من وراء مكتب. عليك ان تنزل إلى الميدان.

5. انتفاء التدريب المحترف للمسؤولين على شتى المستويات. ليس هناك من معيار علمي أو عملي لاختيار المسؤولين يتضمن مواصفات محددة قبل التعيين. إضافة إلى ذلك، فإن التدريب والتأهيل غائبان. لقد سررنا لتأسيس الكلية الحزبية ولإنشاء عمدة متخصصة بالموارد البشرية، ولكن من متابعتنا لبعض الدروس والمحاضرات التي اعطيت نرى انها كانت تتخبط بين مواضيع شتى دون رابط محوري، ودون منهجية أكاديمية تقول إنه في نهاية هذه الدورات، يتمكن الطالب من القيام بما يلي... ويكون قد اكتسب المهارات أو المعارف التالية... وهذا أبسط قواعد العمل التدريبي.

6. التشتت في الاتجاه: تكلم سعادة كثيرا عن وحدة الاتجاه، ولكننا نرى وبسبب إهمالنا لغاية الحزب - المثال الأعلى - ان هناك اتجاهات عديدة مرتبطة بنظرات خاصة وفردية انعكست صراعات واجنحة في الحزب. الانقسام الحزبي التاريخي لا يزال قائما والهوة بين الطرفين تتعمق خاصة حول موضوع الشام عوضا عن ان يكون الوضع في الشام عامل جذب لوحدة الحزب. فاحدهما مغال في تأييده للنظام في الشام، والثاني معارض خجول.

7. المغتربات: لا تزال المغتربات تعمل من دون خطة حزبية تأخذ في نظر الاعتبار الامكانيات الهائلة التي للحزب في الخارج والأخطار التي تتهدد هذه الإمكانيات.

مستقبل الحزب هل يمكن ان تؤثر الانتخابات القادمة في مستقبل الحزب والوطن؟ مع ان عددا كبيرا من القوميين يشك في إمكانية إحداث تغيير جذري في تركيبة القيادة القادمة فإننا نأمل ان يسهم هذه الحوار في تغيير العقلية إن لم يكن الاشخاص بحد ذاتهم. إننا نرى ان مستقبل سورية يتوقف على مستقبل الحزب وقراراته.

ومستقبل الحزب يجب ان يقرره القوميون لا ان يقرره عنهم احد سواهم. والقوميون اليوم انتخبوا مجالسهم الانتخابية المنوط بها الاتيان بقيادة جديدة للحزب. والدعوة اليوم هي لكل سوري قومي اجتماعي سواء أكان عضوا في المجلس القومي أو من الأمناء ان يفكر بنفسه وبعقله هو وليس بعقل سواه في مستقبل الحزب. وأن يعرف ان القوميين قد محضوه ثقتهم لا ليكون تابعا بل ليكون قائدا. وليضع مستقبل الحزب والوطن نصب عينيه وليس مستقبل اي شخص او فئة.

علينا جميعاً - ولكن العبء الأكبر على القيادة القادمة - ان نعي ان بلادنا في خطر طالما ان الحزب لم يصبح حركة الشعب العامة. والحزب لن يصبح حركة الشعب العامة قبل ان يستعيد ثقة القوميين به ليعودوا الى صفوفه. وهذا لن يحدث إن لم يضع الحزب تحقيق غايته نصب عينيه على جميع المستويات، ويضع الخطط لذلك. على الحزب ان يفكر فعلا انه هو البديل من جميع الحركات القائمة عوضا ان يكون تابعاً لهذه اليوم ولتلك غداً.

هل ستأتي الانتخابات بقيادة جديدة ام ستجدد لقيادة قديمة؟ من يدري. ولكن المهم في رأينا ان القيادة القادمة هي منذ اليوم في مواجهة تحديات مصيرية هائلة لا تستطيع ان تواجهها بالعقلية نفسها التي حكمت الأداء في السنوات العشرين السابقة بل وأكثر. وقد حاولنا ان نضيئ على بعض من هذه التحديات.

إني اشكر مجلة "تحولات" لفتحها باب النقاش هذا وآمل ان يغني الحوار استعدادًا للانتخابات القادمة.

إلى المرحلة التاريخية التي تتكلم عنها، ومع أنها لا تدعم هذه الأرقام بمصادر رسمية، فإننا لا نستبعد ان يكون الحزب قد وصل في مرحلة ما من تاريخه إلى هذا العدد أو عدد قريب منه للأسباب التالية. 1. ما بين تأسيس الحزب سنة 1932 وانكشاف أمره سنة 1935، بلغ عدد أعضاء الحزب حوالي الألف والمائة عضو ممتدين من فلسطين إلى الشام، وقفز إلى عشرات الآلاف مع يوم صافيتا سنة 1936. (راجع مذكرات جبران جريج وخطاب الزعيم في صافيتا) 2. سنة 1949 اعتقلت الدولة اللبنانية ألفي عضو من أعضاء الحزب في لبنان وحده. 3. سنة 1955 اعتقل الآف القوميين في الشام إثر اغتيال المالكي، بعد ان كان الحزب قد تمكن من إيصال نائبين إلى مجلس الشعب، وانتمى إليه مئات الضباط وصفوف الضباط، وأسس العديد من المدارس. (راجع ابراهيم يمّوت "الحصاد المر" ص. 273.) 4. سنة 1961 اعتقلت الدولة اللبنانية ما لا يقل عن ستة آلاف عضو في الحزب في لبنان بعد الانقلاب الفاشل الذي قام به الحزب تلك السنة. (تتضارب الأرقام حول عدد المعتقلين آنذاك. الأمين الراحل ابراهيم يموت يقول في ص. 354 من كتابه "الحصاد المر" إن خمسين الفا من القوميين والمواطنين اعتقلوا. أما الدكتور عادل بشارة مؤلف "سياسة الاحباط، انقلاب سنة 1961 الفاشل" فيقول نقلاً عن مراجع السفارات الاجنبية العاملة في لبنان في تلك الفترة ان العدد كان في حدود الستة الآف.) في المحصلة النهائية، الحزب والقوميون أمام معضلة حقيقية نلخصها كما يلي: إذا كان الحزب لم ينجح في تاريخه المديد إلى الوصول إلى أكثر من سبعة الآف عضو عامل فهذه كارثة. وإذا كان الحزب قد وصل في مرحلة من مراحل تاريخه إلى أن يضم في صفوفه عشرات الآف الأعضاء بما فيهم نواب وعسكريون، بل حتى رؤساء دولة (الشيشكلي في الشام) وكبار الصحافيين والأدباء والشعراء والموسيقيين، ليتقلص من ثم إلى سبعة الآف عضو عامل سنة 2011 - وهذا هو الأقرب إلى الحقيقة - فهذه كارثة أكبر. على القيادة الحزبية القادمة ان تضع في رأس اهتماماتها دراسة هذه المعضلة ووضع الحلول لها. بالممارسة ثانياً رب قائل: "العدد ليس مهماً.

فالقوميون بممارستهم يخلقون الثقل النوعي المطلوب ويصبحون فعلا حركة الشعب العامة". ليت في هذا القول بعض من الحقيقة.

في الواقع إن ممارسات القوميين من مسؤولين وأعضاء لا ترقى إطلاقاً إلى المستوى المطلوب، بل لعل هذه الممارسات هي سبب تبدد القوميين وابتعادهم عن حزبهم:

1. نظرة الحزب وغايته: إني على ثقة ان عددًا كبيرًا من أعضاء الحزب وقياداته يجهل أن الحزب تأسس بسبب نظرة إنسانية راقية إلى الحياة، لخصها سعادة في العبارة التالية: "طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى" وأن له غاية محددة يجب تحقيقها وأن لكل رفيق او رفيقة دور في هذه العملية ويجهل خطورة عدم معرفة هذه المسائل على مسار الحزب. إن عدم وعي أهمية هاتين الناحيتين - النظرة والغاية - يؤدي إلى تشتت الجهود أو إلى تحولها عن مسارها الصحيح، والى تبدد القوميين لأن الحزب لم يعد يعمل لمثلهم الأعلى.

2. الأخلاق: ركز سعادة كثيرا على الأخلاق وعلى العقلية الأخلاقية. إن الممارسات اليومية من قبل عدد كبير من المسؤولين والأعضاء وعلى مر سنين كثيرة تشير ليس فقط إلى فقدان العامل الاخلاقي في الحزب، بل إلى فقدان مبدأ العدالة ايضًا. في الحزب دستور وقوانين كثير منها لا يطبق وكثير منها يطبق بمزاجية واستنسابية، والأمثلة كثيرة

. 3. غياب الخطة الاستراتيجية: ليس هناك من خطة حزبية لتحقيق غاية الحزب يعرفها القوميون الاجتماعيون ويعرف كل رفيق مكانه فيها. فالمؤسسات العصرية تعمل وفق خطة استراتيجية تنطلق من نظرة المؤسسة إلى غايتها فأهدافها فخططها العملية لتحقيق هذه الأهداف وفق آلية واضحة ومؤشرات أداء محددة. هذا غائب عن فكر المؤسسة الحزبية ونهجها.

4. عمل المؤسسات: هل تقوم المؤسسات الحزبية لا سيما العليا منها بمسؤولياتها؟ لنأخذ بعض الأمثلة. مثلا لدينا مكتب سياسي في الحزب حسب تعريفه هو مكتب اختصاصي استشاري. ولكن هل يقوم هذا المكتب بهذه المهمة الاختصاصية ونتيجة دراسات اختصاصية واتصالات ميدانية؟ المجلس الأعلى، هل يراقب أداء السلطة التنفيذية؟ إذا نعم فلماذا ليس عندنا أكثر من سبعة الآف عضو عامل؟ مجلس العمد: هل يضع كل عميد سياسة عمدته كما ينص الدستور؟ بل هي ندرك معنى هذه العبارة "وضع سياسة العمدة" وانعكاساتها العملية؟ هل تدرب العمد على وضع السياسات وتنفيذها؟ الرقابة المالية: ما هي مصادر دخل الحزب وما هي أبواب مصاريفه وهل تخضع لتدقيق مالي تقوم به مؤسسات تدقيق لا تخضع لسلطة من جاءت لتدقق في أدائه؟ زيارات المناطق: كم زيارة قامت بها القيادات الحزبية العليا إلى منفذيات الحزب في السنوات الأربع الماضية، بل في السنوات الثمانية، بل حتى في العشرين سنة الماضية. لا تستطيع ان تدير حزب من وزن الحزب السوري القومي الاجتماعي من وراء مكتب. عليك ان تنزل إلى الميدان.

5. انتفاء التدريب المحترف للمسؤولين على شتى المستويات. ليس هناك من معيار علمي أو عملي لاختيار المسؤولين يتضمن مواصفات محددة قبل التعيين. إضافة إلى ذلك، فإن التدريب والتأهيل غائبان. لقد سررنا لتأسيس الكلية الحزبية ولإنشاء عمدة متخصصة بالموارد البشرية، ولكن من متابعتنا لبعض الدروس والمحاضرات التي اعطيت نرى انها كانت تتخبط بين مواضيع شتى دون رابط محوري، ودون منهجية أكاديمية تقول إنه في نهاية هذه الدورات، يتمكن الطالب من القيام بما يلي... ويكون قد اكتسب المهارات أو المعارف التالية... وهذا أبسط قواعد العمل التدريبي.

6. التشتت في الاتجاه: تكلم سعادة كثيرا عن وحدة الاتجاه، ولكننا نرى وبسبب إهمالنا لغاية الحزب - المثال الأعلى - ان هناك اتجاهات عديدة مرتبطة بنظرات خاصة وفردية انعكست صراعات واجنحة في الحزب. الانقسام الحزبي التاريخي لا يزال قائما والهوة بين الطرفين تتعمق خاصة حول موضوع الشام عوضا عن ان يكون الوضع في الشام عامل جذب لوحدة الحزب. فاحدهما مغال في تأييده للنظام في الشام، والثاني معارض خجول. 7. المغتربات: لا تزال المغتربات تعمل من دون خطة حزبية تأخذ في نظر الاعتبار الامكانيات الهائلة التي للحزب في الخارج والأخطار التي تتهدد هذه الإمكانيات. مستقبل الحزب هل يمكن ان تؤثر الانتخابات القادمة في مستقبل الحزب والوطن؟ مع ان عددا كبيرا من القوميين يشك في إمكانية إحداث تغيير جذري في تركيبة القيادة القادمة فإننا نأمل ان يسهم هذه الحوار في تغيير العقلية إن لم يكن الاشخاص بحد ذاتهم. إننا نرى ان مستقبل سورية يتوقف على مستقبل الحزب وقراراته. ومستقبل الحزب يجب ان يقرره القوميون لا ان يقرره عنهم احد سواهم. والقوميون اليوم انتخبوا مجالسهم الانتخابية المنوط بها الاتيان بقيادة جديدة للحزب. والدعوة اليوم هي لكل سوري قومي اجتماعي سواء أكان عضوا في المجلس القومي أو من الأمناء ان يفكر بنفسه وبعقله هو وليس بعقل سواه في مستقبل الحزب. وأن يعرف ان القوميين قد محضوه ثقتهم لا ليكون تابعا بل ليكون قائدا. وليضع مستقبل الحزب والوطن نصب عينيه وليس مستقبل اي شخص او فئة. علينا جميعاً - ولكن العبء الأكبر على القيادة القادمة - ان نعي ان بلادنا في خطر طالما ان الحزب لم يصبح حركة الشعب العامة. والحزب لن يصبح حركة الشعب العامة قبل ان يستعيد ثقة القوميين به ليعودوا الى صفوفه. وهذا لن يحدث إن لم يضع الحزب تحقيق غايته نصب عينيه على جميع المستويات، ويضع الخطط لذلك. على الحزب ان يفكر فعلا انه هو البديل من جميع الحركات القائمة عوضا ان يكون تابعاً لهذه اليوم ولتلك غداً.

هل ستأتي الانتخابات بقيادة جديدة ام ستجدد لقيادة قديمة؟ من يدري. ولكن المهم في رأينا ان القيادة القادمة هي منذ اليوم في مواجهة تحديات مصيرية هائلة لا تستطيع ان تواجهها بالعقلية نفسها التي حكمت الأداء في السنوات العشرين السابقة بل وأكثر. وقد حاولنا ان نضيئ على بعض من هذه التحديات. إني اشكر مجلة "تحولات" لفتحها باب النقاش هذا وآمل ان يغني الحوار استعدادًا للانتخابات القادمة.