أفكار عن الإصلاح في العالم العربي: المؤسسات الدينية التعليمية مازالت تراوح في مكانها

أحمد النيفر -العدد 7-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 
لا يمكن القول إنه لم يحدث أي تقدم حقيقي في مسيرة الإصلاح الديني منذ أن بدأت حتى الآن، رغم وجود الكثير من الأسئلة والإشكاليات التي لم نجاوب عليها إجابات شافية ووافية، لكن في الوقت نفسه، جرت وتجري محاولات لتهميش الإصلاح.
لا يمكن القول إنه لم يحدث أي تقدم حقيقي في مسيرة الإصلاح الديني منذ أن بدأت حتى الآن، رغم وجود الكثير من الأسئلة والإشكاليات التي لم نجاوب عليها إجابات شافية ووافية، لكن في الوقت نفسه، جرت وتجري محاولات لتهميش الإصلاح. فالعملية مستمرة، لكنها متفاوتة، فقد حدثت تطورات هامة على صعيد اللغة العربية وأهميتها في نهوض المجتمعات، والآن تتناول هذه اللغة قضايا فكرية وحضارية دون أية صعوبات، وهذا من إنجازات الإصلاح. أما الإصلاح الديني فقضية أخرى، والأشياء المتحققة في هذا الجانب، تبدو الآن عادية لأننا تعودنا عليها، لكن ذلك لا ينفي كونها إنجازات متحققة في وقت ما، فما كتبه محمد عبده ومن أتى بعده حقق إنجازات هامة على هذا الطريق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المؤسسات الدينية التعليمية مثلاً، مازالت تراوح في مكانها ولم ينجز الإصلاح فيها شيئاً يذكر. في مجال تعليم المرأة، حقق الإصلاح خطوات هامة جداً، فلم تعد المرأة جاهلة مثلما كانت عليه منذ قرن. وهنا أستذكر المجدّد الإسلامي فضل الله الباكستاني، وهو من الباحثين والمفكرين الهامين، حيث يؤكد على أن وعي العلاقة مع النص المقدس هو من أهم عوامل الإصلاح، فإذا فهمنا ذلك كنا قادرين على تحديد أولويات النهضة. إن النص مقدّس وإلهي، ولأنه كذلك ينبغي ألا نزعم فهمه تماماً ومرة نهائية، فهو أوسع دلالة من أي تفسير، وكل من يدعي أنه أحاط بالمعنى تماماً، لن يكون على صواب أبداً. لو كان النص المقدس بشرياً، لاستطعنا شرحه بكل بساطة، ولكن هنا ستبقى دلالاته، أوسع من كل تفسير بشري، مع الأخذ بالحسبان الجهود الكبيرة التي بذلها الشيخ محمد عبده وتواصلت لاحقاً بهدف تطوير علاقة المفسّر بالنص، والنظر إليهما نظرة تجديدية. في ثلاثينيات القرن الماضي، ظهر المفكر محمد إقبال وأولى هذه المسألة اهتماماً كبيراً، حيث يقول: ينبغي أن تقرأ النص وكأنه يتنزل عليك.. فهو لم ينزل فقط للقرن السادس أو السابع وكذلك تحدث أمين الخولي عن هذه المسألة ورأى أنها بحاجة إلى رؤية جديدة مرتبطة بمدى وعي المفسّر. وهنا يمكننا الإشارة إلى فوضى المصطلحات المستخدمة حالياً في هذا المجال، فنحن نمرّ بمرحلة مخاض حول طبيعة العلاقة بين الدين والدولة وكيف يجب أن تكون، فلم نحدّد بعد كيف ننظر إلى المشكلة، هل مثلما فعل الغرب، أم يجب إبداع شيء خاص بنا؟ وقضية الديمقراطية أيضاً، هل نحن ملزمون بالشكل الليبرالي الغربي المطروح الآن، أم علينا أن نفكر باختراع خصوصيتنا؟. لابد من التفكير والبحث في ظل خصوصيتنا، لصياغة مواقف من العلمانية والمدنية، رغم عدم الاطمئنان الذي يبديه البعض تجاه العلمانية وتباينها بين فرنسا وبريطانيا وسواها من الدول، فليست هناك رؤية واحدة في الغرب رغم أنها نبتت من جذع واحد، هناك من يقول بالدولة المدنية وهي تلقى قبولاً أكثر من سواها. ولكن هل تعني الدولة المدنية، أن نطلّق الدين؟ أعتقد أنه من غير فصل الدين عن الدولة، فعندما نقول بنظام اجتماعي معين لابد أن يكون ذا أخلاقية معينة، وهو بذلك لابد أن يرتبط بالدين وبمراميه القيمية الكبرى. نحتاج إلى شيء من التمييز، فلسنا الآن بحالة ردّة، ولوسبرنا الآراء لوجدنا أن بعضها يفضل الرجوع إلى القرون الهجرية الأولى، لكن ذلك ليس طاغياً ومسيطراً على جميع الآراء، هناك أطراف تشكك بمدى نجاح التجارب العلمانية والقومية في العالم العربي، وهذا صحيح من حيث إنجازات تلك التجارب التي مرّت بها الدول العربية، لكن ذلك ليس حالة عامة تماماً، بدليل استخدام العنف من بعض الأطراف. لابدّ من ملء الفراغ الموجود على الساحة العربية الآن، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بإعادة النظر من قبل جميع الأطراف في كل التجارب السابقة وتقويمها. أعتقد أن العالم العربي، لولا ما يقاسيه من ضغوطات خارجية، لأمكنه أن يعالج ملفاته بشيء من الصراحة والعقلنة. لا أظن أن المستقبل يمر عبر الاتجاه الديني، الذي يعاني من مطبات كثيرة خصوصاً في نظرته إلى الاقتصاد.. صحيح أن الإسلام يساهم في وضع الحلول.. لكنه ليس هو الأوحد أو الوحيد.. لدينا إمكانات للحل، لو فكرنا أننا سوف نبتكر ذلك معاً.