أسس الهوية-العدد7-كانون الثاني 2006

الدكتورة ماري شهرستان
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

الإنسان حيوان اجتماعي, أو كما قال دوركهايم: "الإنسان ليس

إنساناً إلا لأنه يعيش في مجتمع" وهذا يعني ان المجتمع حاضر في صميم

كل فرد.

الشخصية الأساس

الإنسان حيوان اجتماعي, أو كما قال دوركهايم: "الإنسان ليس

إنساناً إلا لأنه يعيش في مجتمع" وهذا يعني ان المجتمع حاضر في صميم

كل فرد.

مفهوم "الشخصية الأساس" يحاول توضيح هذا الحضور.

الإنسان هو كائن ثقافي. تؤدي هذه الملاحظة إلى إعادة طرح فكرة

الطبيعة البشرية العالمية: تنوّع الثقافات يتناسب مع تنوّع أشكال

الإنسانية.

كل حضارة, كل مجتمع يقدم أنماطاً معينة للشخصية نوعية وخاصة

به.

لقد لوحظت هذه الخصوصية بشكل ٍ فطري في العصور المختلفة, وألهمت

نظريات ومباديء لنفسية الشعوب من هيرودوت إلى ابن خلدون, ومن

أرسطو إلى مونتيسكيو, ومن ميشوليه إلى كيزرلينغ او إلى سيغفريد.

غير ان هذه الخطوات الأولى تبقى في حدود ما قبل - علمية وتتعلق

بمسيرة انطباعية أكثر منها مقاربة دقيقة. ولم تبدأ مسألة الهوية

الجماعية تأخذ صيغاً أقوى نوعاً ما, إلا مع الأنتروبولوجيا الثقافية

الأمريكية, وخصوصاً من خلال نظريات "النموذج الثقافي" و "الشخصية

الأساس" , حيث أراد هذا العلم أن يضع النماذج الثقافية في علاقة

مع آليات الاجتماع وأنماط الشخصية المسيطرة.

فقد اقترح روت بنيديكت مثلاً, علم النماذج البشرية للثقافات

بحسب الطبائع العضوية والذهنية والنفسية, وعيّن بتعبير "المظهر

الثقافي", مجموع العناصر الواضحة التي تميّز ببصمتها جميع المؤسسات

والحياة الاجتماعية والسلوكيات في مجتمع ٍ ما. وقد ادخل كليد

كلوكهون تعبير "المظهر العام" التي تعود للخاصيّة النوعية لكل

ثقافة, وهي فكرة قريبة من فكرة بنيديكت, و"المظهر العام" هو

نموذج قد بناه الخبير بعلم الانسان, من الأجوبة التي يعطيها مجتمع

ما, وغالباً ضمنياً, على المسائل الأساسية التي تُطرح في كل مجتمع,

والتي لا يمكن ان يكون لها سوى عدد محدود من الأجوبة. فهي تؤلف

لائحة لتصنيف الثقافات تحوي المظهر العام والثقافي الذي يطبع

شخصية الأفراد.

يوجد في كل ثقافة نموذج للشخصية "موافق عليه" والذي يقوم

بإجراء اختيار بين الأهداف والسلوكيات الكامنة للإنسان, وهو

متماثل الشكل ومترابط مع السمات الأساسية للثقافة.

تطرح هذه النظريات مبدأ مسلماً به وهو العلاقة بين الثقافة

والشخصية؛ لكن طبيعة هذه العلاقة والآليات التي تسير من خلالها ليست

واضحة تماماً.

يحاول آبرام كاردينر الإجابة على هذه المسألة, وهو أحد ألمع

الشخصيات الأمريكية في علم الانسان الثقافي. تتموقع أبحاثه مع علم

الإثنيات والتحليل النفسي حيث أدت إلى نظرية جينية وديناميكية

للشخصية في علاقاتها مع الثقافة

ينطلق كاردينر من فكرة انه لا يمكننا دراسة الفرد خارج المؤسسات

التي يعيش ضمنها, كما انه من المستحيل فهم المؤسسات دون ان نرى

إبداعات الانسان.

ينبغي ان نفهم من تعبير مؤسسة: "كل اسلوب في التفكير او في السلوك

مُلاحَظ عند مجموعة من الأفراد, يمكن نشره ومعترَف به من الجميع, وحيث

مخالفته او انحرافه يخلق بعض الاضطراب عند الفرد او في المجموعة".

فبفضل المؤسسات

(والتي مجموعها يكوِّن الثقافة) تتحقق الاستمرارية والتوازن

الاجتماعي.

هذه المؤسسات هي عديدة وذات طبيعة متنوعة (اقتصادية, اجتماعية,

جنسية, تربوية, سياسية...) إلا ان هناك معيار يمكن تميزها منه:

وهو الترتيب الزمني الذي يصادفه الفرد خلال حياته, منذ نعومة

أظفاره حتى بلوغه سن الرشد.

برهنت التجربة والملاحظة السايكولوجية ان المؤسسات التي تفرض

نفسها على الطفل وتكوِّن أول تربيته, تلعب دوراً حاسماً في بناء

شخصيته وتشكل جوهر وركيزة الصفات المميزة التي تستند إليها كل

المكتسبات اللاحقة. يطلق عليها كاردينر التعبير: "مؤسسات اولية".

وهي تفرض نفسها على جميع أفراد مجموعة اجتماعية معينة, وتحاول

عندهم خلق خصائص نفسية ثابتة ودائمة وهي التي تشكل

"الشخصية الأساس" وتكون عامة لجميع أعضاء هذا المجتمع, وبالاعتماد

عليها يبني الفرد شخصيته المتنوعة.

وقد جعل كاردينر من " الشخصية الأساس" ناتج المؤسسات المُنشئة

الموصوفة بأولية, الذي سوف يحاول بدوره وضع بصمته على مؤسسات

أخرى موصوفة بثانوية.

مفاد هذا التحليل هو إظهار كيف أنه في مجتمع ما تُدخِل سلوكيات

الأبوين (الذين يطيعان نماذج اجتماعية) عند الأطفال ردود أفعال

تصبح مسجلة في النفسية بشكل مجموعة مواقف تسمح للأنا بالتوجه في

الأوضاع التي سوف يصادفها لاحقاً.

في المؤسسات الأولية, يضع كاردينر البنية العائلية وأنظمة التربية

الأساسية

(رضاعة, تعلم النظافة, المواقف تجاه الجنس الطفولي...) مع بعض

العوامل الاجتماعية- الاقتصادية. ويميّز بين هذه العوامل, العوامل

المتعلقة باقتصاد المعيشة

(معطيات جغرافية- مناخية, موارد, تقنية الاستثمار) وعوامل

متعلقة باقتصاد النفوذ

(التقدير, الشهرة, الرضا النرجسي من امتلاك ثروات ونشاطات).

تؤثر الشخصية الأساس بدورها على المؤسسات الثانوية التي تكون

ارتكاسية أي

رادة- فعل تجاه الحاجات وتجاه الضغوط المتولدة من المؤسسات

الأولية:

مثل العادات, والديانات, والمقدسات, والمنظمات الاجتماعية

والسياسية, إلخ.

نحاول فيما يلي تقديم مثال توضيحي:

عند التانالا, شعب مدغسكر, تحمل الأم طفلها إلى كل مكان على

ظهرها, جالساً على مخدة صغيرة ومحمولاً بزنار, إذ ان استعمال المرقد

عندهم أمر مجهول تماماً. فالطفل يوسِّخ والدته باستمرار, ومن

نتيجته التحريض على تشكيل نظام العضلة العاصرة المبكِّر: التربية

الشرجية تبدأ من عمر الشهرين إلى الثلاثة أشهر ويُفرَض على الطفل

أن ينظف منذ الشهر السادس؛ فإذا تجاوز هذه المهلة يُعاقَب بصرامة.

بالمقابل, يتغذى الطفل من ثدي أمه كلما أبدى رغبته في ذلك إلى أن

يصبح الطفل اللاحق بحاجة لحليب أمه.

إن تزامن واجتماع الأمرين: الوصول الحر إلى الثدي والتربية

الشرجية الصارمة

(مؤسسات أولية) يؤديان إلى تشكل عناصر بارزة في "الشخصية

الأساس" والتي يمكن ان نعبِّر عنها بالصيغة التالية: "إذا أطعت,

سوف أتغذى".

اما نتيجة الاشتراك الضمني الأهم لهذه العناصر هو التطوّر المبكر لحسّ

المسؤولية والواجب الذي يتجلى لاحقاً في دقة الضمير, والخشية من

عصيان الأوامر, وإخلاص ثابت لا يهتز. فنجد في مؤسسات مجتمع التانالا

علاقة ثابتة بين الأمن والإخلاص والحماية. مثال الأسكيمو والشوكشي

ليست المؤسسات الأولية موجودة على الصعيد الثقافي فقط بل هي

موجودة ايضاً على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.

يقدِّم كاردينر مثالاً يبرهن فيه في آن ٍ معاً تأثير المؤسسات

الاجتماعية - الاقتصادية على "الشخصية الأساس" وحدود هذا التأثير؛

فهو يقارن بين مجتمعين يعيشان في ظروف معيشية صعبة جداً ومتشابهة,

وهم الشوكشي (شعب قطبي من شمال سيبيريا) والاسكيمو.

يعيش الشوكشي على تربية حيوان الرّنة. وقد دُجِّنت هذه الحيوانات

بشكل ٍ غير كامل نظراً للظروف المناخية القاسية جداً, مما جعل من

هذه التربية شاناً عسيراً ومرهقاً ومتطلباً قوة فيزيائية هائلة

وفارضاً حياة بداوة تجعل كل عائلة منغلقة حول قطيعها.

السمات البارزة في طباع الشوكشي هي: الدأب والمواظبة, وصلابة

الرأي وعناد قد يصل لدرجة القتل في حال المعارضة, وسرعة الغضب

وكره السلطة.

السرقة والقتل هي أشياء شائعة وكذلك الانتحار. وقد يبدو ان هذه

الخصائص هي نتيجة الظروف الاقتصادية:

"بما انهم لا ينتظرون مساعدة من أحد, فهم غير مضيافين وأنانيين,

وبخلاء, وعدوانيين, ولا يتحملون السلطة إلا بصعوبة. يستفيد

الشباب عندهم من المساعدة لفترة قصيرة, أما العجزة فغالباً يقتلهم

أولادهم.

اما الأسكيمو فهو شعب يعيش في وضع ٍ اكثر اضطراباً؛ فهم رهن

تقلبات الصيد بشكل ٍ كامل, والمجاعة عندهم شان كثير الحدوث لأنهم لا

يستطيعون تخزين محفوظات الأغذية بكميات كبيرة. ونجد عندهم التركيز

نفسه على القوة البدنية والمهارة والاستقلالية. وفي حال المجاعة

يقتلون الشيوخ والأطفال.

"لكنهم صافون, مرحون, محبون, غير عدوانيين. حياتهم العائلية

والقروية هادئة, تنمو فيها الحرية الفردية". لا يوجد سرقات ولا

أي استغلال للضعفاء.

هكذا نكتشف في هذين الشعبين, حيث الظروف الاقتصادية للمعيشة

قريبة جداً من بعضها, أن هناك علاقة بين الشخصية الأساس وهذه

الظروف, لكننا نشاهد في الوقت نفسه اختلافات كبيرة نستنتج منها

ان الامكانات لا تصنع الحتميات كما انه لا يمكن للاقتصاد وحده ان

يشرحها.

سمحت محاولة كاردينر بفهم الآلية التي يمكن للثقافة ان تخلق

بواسطتها توجهات عامة مشتركة عند الذين يتشاركون فيها.

فالثقافة هي مجموعة مؤسسات, والمؤسسة هي مركب سلوكيات تبنى بها

الهيكلية الاجتماعية.

اما العالم والمحلل النفسي إريك فروم فهو قد اعطى جواباً لاحقاً

للمسألة عندما اقترح فكرة "الطبع الاجتماعي" حيث تدخل العوامل

الاجتماعية- الاقتصادية في تكوين الشخصية الجماعية.

الطبع الاجتماعي هو" النواة المشتركة الجامعة بالنسبة إلى غالبية

الأفراد الذين يشتركون في الثقافة نفسها ومختلفين الواحد عن الآخر".

يمثل الطبع الاجتماعي استبطان القيم والمثاليات والنظم الخاصة

بالمجتمع, داخل الفرد. وظيفته توجيه وتركيز الطاقة الإنسانية

للتوافق مع الأهداف الاجتماعية بغية تحقيق السير الجيد واستمرار

المجتمع. هناك أولوية الحاجات الاقتصادية على الحاجات الغريزية

عندما تكون الغرائز ذاتية- الاحتفاظ اكثر إلحاحاً واقل قابلية

للتكيّف من الغرائز الشهوانية. وبما ان ضرورة الاستمرار هي التي

تفرض نفسها بشكل ٍ حتمي, نفهم من ذلك أن العوامل الاقتصادية

تلعب دوراً اساسياً في نشوء الطبع الاجتماعي. اما آلية وسيرورة

التكيّف الإيجابية والسلبية للجهاز الغريزي بالنسبة للوضع

الاقتصادي والاجتماعي, فينبغي انتظار اجتهاد التحليل النفسي

لفهمها.

يعرِّف فروم الطبع الاجتماعي كالتالي:

"البنية الغريزية لمجموعة ما وموقفها الشهواني اللاواعي"

تنتج البنية الشهوانية اللاواعية من التجارب الطفولية الأولية في

عمر لم يكن للطفل فيه أي تماس مع البُنى الاقتصادية والاجتماعية؟

فهي تبنى بفعل التأثيرات الحاسمة التي تمارسها العائلة على شخصية

الطفل. لكن العائلة بحد ذاتها, في بنيتها وعلاقاتها العاطفية,

ومثالياتها التربوية, مشروطة بالوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه:

"العائلة هي الوكيل النفسي للمجتمع" وذلك على حد تعبير فيلهيلم

رايش.

اما غريزة المصلحة فهي شكلاً مشتقاً من حاثات غريزية ليس لها حاجات

أساسية للاكتساب او الامتلاك, لكنها التعبير عن حاجات نرجسية في

الرغبة في الشهرة.

وبراي فروم: "عندما يكون المالكون الأغنياء في مجتمع ما هم موضع

إعجاب وشهرة, فالحاجات النرجسية لأعضاء هذا المجتمع تؤدي بهم حتماً

إلى ازدياد فائق في رغبة التملك. بينما في مجتمع لا يكون فيه

التملك قاعدة الاعتبار الاجتماعي, إنما تحقيق أعمال هامة للمجموع,

نجد ان الدوافع النرجسية لا تعبِّر عن نفسها بشكل

"غريزة مصلحة" بل بشكل غريزة تدفع إلى الأعمال المفيدة اجتماعياً"

يؤدي بنا التحليل النفسي إذاً إلى معرفة باي آلية يتحوّل الوضع

الاقتصادي إلى سمات نفسية مروراً بطريق الحياة الغريزية, ومعرفة ان

البنية الشهوانية الثابتة في الطبع الاجتماعي, ناجمة عن تكيّف

الوجوبات الغريزية مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

يميّز ليبيانسكي في تكوين الشخصية الأساس او الطبع الاجتماعي, ثلاث

مستويات تتناسب في الوقت نفسه مع ثلاث مراحل التكوين:

في المستوى الأول: ما يُبنى خلال الطفولة الأولى والذي يتشكل بنوع من

"نموذج بنى غريزية" بتحريض من الأنظمة الأساس وظروف البيئة.

المستوى الثاني يأتي من استبطان المرحلة الأوديبية (أي الجانب

الخاص من الشخصية الناتج عن عقدة اوديب ينبوع كل العمليات

الثقافية العليا, الفنية والأدبية والأخلاقية) وما بعد الأوديبية

"بمثاليات وقيم ونظم" المجتمع, ويتم تكوين "الأنا- المثالي ومثال

الأنا" وهي مصاغة على غرار صور الأبوين وصور السلطة.

أما المستوى الثالث فيأتي من تعلم السلوكيات والمواقف والأدوار,

والتركيبات الذهنية المطابقة للمكتسبة من النظام الاجتماعي, وذلك

من خلال أساليب التربية والتكيّف مع (العائلة, المدرسة, وسائل

الإعلام, المؤسسات, إلخ). يبدأ هذا التعلم بشكل ٍ كبير في المدرسة

ويستمر حتى سن الرشد.

بين هذه المستويات

الثلاث هناك غالباً استمرارية وتراكب؛ لكن يمكن ان يحصل أيضاً انقطاع

وتناقض, مثلما يحدث لسكان البلاد المتخلفة الذين يعملون في المجتمعات

الصناعية. فإلى جانب عناصر الهوية والتجانس والاستمرارية, هناك

عناصر عدم تجانس وانقطاع وانحراف أي خروج عن المألوف. فيستحسن تحليل

تغيرات وتنوعات المظهر العام بحسب الطبقات والأقاليم والأجناس

والأعمار والديانة والبيئات والأوضاع... وينبغي على بحث علم الانسان

أن يكشف آليات وسيرورة الامتثالية والتوحيد والتقليد والتمايز

وبزوغ التجديد والتغيير.